الجامعة العربية تضيق الخناق على سورية

سورية مصدر الصورة BBC World Service

لا يتوقع أن تؤدي عقوبات جامعة الدول العربية على سورية إلى إعاقة سورية بين يوم وليلة، ويتوقع أيضا وجود ثغرات بها يمكن أن تستغلها دمشق.

لكن هذه المغامرة الأولى التي تتخذها الجامعة عقابا لدولة عضو ستؤدي إلى زيادة الإحساس بالحصار والضغط والعزلة التي تعاني منها سورية بالفعل، ومن المحتمل أن تؤدي أيضا إلى تفاقم الوضع الاقتصادي المؤلم.

وعلق أحد الخبراء الماليين على العقوبات قائلا: "إنها ليست ضربة قاصمة، لكنها في الوقت نفسه، أكثر من كونها خطابا بلاغيا. إنها خطوة جادة وسوف تؤثر في سورية، إن لم يكن فوريا، فسيتم ذلك التأثير على المديين المتوسط والبعيد". وأضاف الخبير أن أثر تلك الضربة قد يخفف منه ما حدث في سورية بالفعل من اللجوء للداخل في كثير من معاملاتها المالية اليومية في تبادل البضائع.

وستسمح العقوبات أيضا باستمرار تدفق تحويلات العمال السوريين في الخارج، كما أن استيراد السلع الأساسية الحيوية بالنسبة للحياة اليومية للأشخاص العاديين قد استثني، وسيسمح هذا بتداول كمية من الأموال السائلة.

حدود مخترقة

وعبّر المسؤولون السوريون عن اعتقادهم بأن عددا من الدول العربية لن تطبق العقوبات. فقد صوّت جاران لسورية، هما العراق من جهة الشرق ولبنان من جهة الغرب، ضد ذلك الإجراء. ومن المعروف أن حدود تلك الدولتين مع سورية مخترقة، وكان المسؤولون العراقيون قد قالوا من قبل إنه من المستحيل عليهم تطبيق العقوبات.

وقالت لجان تنسيقيات الثورة المحلية، وهي إحدى الجماعات الرئيسية التي تنظم الانتفاضة في سورية، إن العقوبات لن تكون مؤثرة مالم توضع آليات لمراقبة تنفيذها بدقة.

وهذا أمر يصعب تصوره عبر حدود تحدت خلال السنوات الأخيرة جميع الجهود الرامية لوقف تدفق الأسلحة والمقاتلين من سورية إلى العراق، وتدفق الأسلحة من سورية إلى حزب الله في لبنان.

وحذرت لجان تنسيقيات الثورة أيضا بأنه حتى لو طبقت العقوبات بطريقة مؤثرة، فإنها لن تكفي وحدها لوقف العنف أو حماية المدنيين، ولذلك حثت تنسيقيات الثورة جامعة الدول العربية على مضاعفة الجهود لإسقاط النظام البعثي.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 30 % من صادرات سورية في السنوات الأخيرة كان موجها إلى العراق وحده، وهذه النسبة قد تزيد مع إغلاق المنافذ الأخرى.

التجارة عبر الحدود

كان لبنان –الذي تبدو حكومته الواقعة تحت تأثير نفوذ حزب الله مقربة من سورية- قد عارض مواقف جامعة الدول العربية منذ البداية.

وتشير التقارير إلى أن الشركات السورية بدأت بالفعل في إجراء عملياتها التجارية عبر لبنان لإخفاء مصادرها الأصلية.

وقد تتجه سورية إلى حليفها الاستراتيجي غير العربي في المنطقة، إيران، من أجل الإبقاء على استمرار الصلة معه.

ولكن إلى أي مدى يمكن أن تكون شدة العقوبات على الجبهات الأخرى؟ هذا أمر لم يتضح بعد.

فالأردن، جار سورية الجنوبي، وافق على العقوبات، لكنه عبّر عن مخاوفه بشأن الممر المهم بينه وبين سورية والذي تصل عبره البضائع من تركيا، وتمر عبره أيضا البضائع السورية إلى الأردن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.

وقد أفردت جامعة الدول العربية في قرار العقوبات على سورية بندا لأخذ مثل تلك المصالح في الحسبان. وشكلت الجامعة لجنة تنفيذية فنية تتولى تنفيذ تلك الإجراءات. وأحد مهام تلك اللجنة هو النظر في الاستثناءات المتعلقة بالقضايا الإنسانية التي تؤثر مباشرة في حياة أفراد الشعب السوري وجيران سورية من العرب.

ولكن وضع سورية الآن –وهي التي ترى في نفسها حصنا للوحدة العربية والقومية العربية- وهي أيضا الآن الدولة العربية الوحيدة التي أفردها بالعقوبة معظم أشقائها العرب، هذا الوضع بحاجة إلى بعض الإيضاحات التي ينبغي أن تقدمها الحكومة السورية لشعبها.

وسائل الإعلام السورية تصور الخطوات التي اتخذتها جامعة الدول العربية باعتبارها جزءا من حملة هندسها الغرب لزعزعة وضع سورية وذلك بسبب ثبات موقفها ضد إسرائيل والدول الاستعمارية.

دعم مهم

يتزامن قرار العقوبات على سورية مع زيادة الهجمات المسلحة على أفراد الأمن السوري، مما يعطي الفرصة للنظام للقول بأن كلا من العقوبات والهجمات ما هما إلا جانبان لمؤامرة واحدة تتمثل رأس حربتها على الأرض في عصابات إرهابية يحرضها أجانب.

وبينما تصر جامعة الدول العربية على أن عقوباتها فرضت من أجل الحفاظ على المواطن السوري واستهداف النظام، وأن الهدف من ورائها هو إحباط التدخل الخارجي، فإن الحكومة السورية تقول إن من عُوقب بالفعل هم أفراد الشعب السوري، وإن العقوبات تمهد الطريق للغرب للتدخل.

وحتى الآن تمكن النظام السوري من استمرار إنزال الآلاف من أفراد الشعب إلى الشوارع في دمشق وغيرها من المدن السورية للتظاهر شجبا لقرارات جامعة الدول العربية واحتمال تدخل خارجي.

وفي الوقت الذي يستطيع فيه النظام تحريك الموالين له بحسب الطلب، فليس ثمة شك في أن النظام مازال يتمتع بالتأييد من قطاعات مهمة من المجتمع، خاصة الأقليات وأفراد الطبقة الوسطى والتجار الذين يخشون مما قد يحدث إذا ما سقط النظام الذي يهيمن عليه العلويون.

وإذا ضُيّق الخناق الاقتصادي على النظام، فإن عقوبات جامعة الدول العربية، إن كانت جادة ومستمرة، قد تقرّب اليوم الذي ترى فيه تلك القطاعات من المجتمع أنه لا جدوى بعدُ في نظام لا يخدم مصالحها.

غير أن ذلك اليوم ربما لايزال بعيدا، ومازال هناك مزيد من التضحيات.

إن أفراد الشعب العاديين، وكما أشارت تنسيقيات الثورة، قد يقعون تدريجيا ضحايا للعقوبات بسبب تأثيرها السلبي.

ولهذا السبب مازال أفراد الشعب يحثون المجتمع الدولي على اتخاذ إجراء لتسريع إسقاط النظام، وذلك عن طريق إقامة مناطق آمنة قد تلجأ إليها –كما يُعتقد- أعداد كبيرة من قوات الأمن المنشقة، مما قد يشعل فتيل إسقاط الآلة العسكرية التي مازالت تقمع الانتفاضة.

المزيد حول هذه القصة