العراق عشية الانسحاب الامريكي

انسحاب مصدر الصورة Reuters
Image caption الجيش الأمريكي يسلم المعسكرات للقوات العراقية

شارع العطار في الكرادة الشرقية بات سالكا بعد ازالة الحواجز الكونكريتية والاسلاك الشائكة من مدخله، بيد انه ليس الشارع الوحيد الذي اعيد فتحه، فخلال الاسبوعين او الثلاثة الماضية دبت الحركة من جديد في كثير من طرقات جانب الرصافة من بغداد ما خفف شدة الاختناقات المرورية، واشاع جوا من الارتياح بين السكان قبل اسابيع قليلة من الموعد الرسمي لاكمال القوات الامريكية إنسحابها من العراق.

مع ذلك هناك من يقول إن الاجراء جرى بعد ان باتت بعض الحواجز مكانا لزرع عبوات ناسفة.

في الاونة الاخيرة تزايدت التفجيرات في عدة مدن شملت الخالص في محافظة ديالى وعدة مناطق في بغداد، لكن كان من اهمها تفجير قرب مجلس النواب في المنطقة الخضراء قال رئيس الوزراء نوري المالكي إنه كان يستهدفه بمحاولة اغتيال.

قد لا يأبه كثيرون بالانسحاب فالقوات الامريكية خرجت من المدن منذ فترة طويلة ولا تُرى إلا عندما تجتاز قوافلها، عادة ليلا، المدن من قاعدة الى اخرى، ومروحياتها التي تحلق في سماء المدن.

إلا ان القلق ينتاب الاوساط السياسية العراقية جميعها، فلا يوجد في الافق ما يشير الى حل الخلافات المستشرية بين اطرافها منذ الانتخابات النيابية الاخيرة.

وتسود ريبة شديدة بين الكتل وتتخندق بعناد في مواقعها وتتبادل الاتهام إما باحتكار السلطة او بالسعي للاستيلاء عليها، ويرى كثيرون ان الانسحاب الامريكي سيولد فراغا يشجع القوى الاقليمية، وفي مقدمها ايران، على السعي لملئه بدءا من طريق دعم حلفائها المحليين.

وبينما يعبر المالكي عن قناعته بقدرة العراق على تجاوز المرحلة لا يبدو ان احدا يتفق معه في ذلك وقد لا يؤمن هو نفسه بما يردده علنا.

ولعل ابلغ تقييم للوضع الامني ورد على لسان الجنرال فرانك هيلمك نائب قائد القوات الامريكية في العراق قبل اسبوع من موعد مغادرة قواته البلاد، فقال للصحافيين إن احدا لا يعرف ما الذي سوف يحدث بعدئذ، موضحا إن القوات العراقية وحدها ليست بقادرة على حماية حدود البلاد واجوائها ومياهها الاقليمية من اي خطر خارجي.

اما اذا حافظت القوات العراقية من شرطة وجيش على تماسكها الداخلي، فانها تواجه جماعات ومنظمات مسلحة من مختلف الاطراف، فالتيار الصدر لا يخفي ان ذراعه العسكري لم يتوقف يوما عن تنفيذ عمليات ضد القوات الامريكية (مقابلة زعيم التيار مقتدى الصدر مع بي بي سي عربي)، وهدد باستهداف السفارة الامريكية، بينما تواصل جماعات اخرى تفجير العبوات الناسفة والقنابل الاصقة والاغتيال بكاتم الصوت.

قضايا غير محسومة

ولم تؤد المساعي السياسية لرص الصفوف الى حل اي من المشاكل، فلم تحسم مسألة تعيين وزيرين للدفاع والداخلية، ولم يشكل مجلس السياسات ولم يحل خلاف بغداد واربيل في شأن كركوك والمناطق محل النزاع بينهما ولم يشرّع قانون النفط والغاز ما زاد من حدة الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم الماضية في توقيع اتفاقات مع شركات نفطية مختلفة آخرها الاتفاق مع عملاق النفط الامريكي اكسون اويل.

كما لم يجر الالتزام بالبحث في تعديل الدستور، وهو تعهد قُطع للحركات "السنية" مقابلة مشاركتها في العملية السياسية، ولم يجرتعداد للسكان.

كما يهدد الانقسام والتشرذم الكتل السياسية، وبخاصة الممثلة في مجلس النواب، بسبب الخلافات بين اطرافها لكن تبدو تلك الكتل احرص على الحفاظ على مكاسب ضيقة من تقديم تنازلات متبادلة بهدف ضمان استقرار سياسي وامني في المرحلة المقبلة.

فالفساد مستشر في اجهزة الدولة، وبات العراق في المرتبة 175 من بين 184 دولة في اشتداد الفساد بموجب تقرير منظمة الشفافية الدولية، ويُبتلي الشباب بالبطالة وقلة فرص العمل وفقدان الامل في المستقبل ويعيش كثيرون هاجس عودة العنف على نطاق واسع على شاكلة التصفيات الدموية الطائفية في 2006 – 2007.

في هذه الظروف ليس من الواضح بعد إن كان غياب الدور الامريكي المباشر سيضع الازمة السياسية في العراق على طريق الحل ام سيؤدي الى مزيد من التعقيد وإنتقال الصراع بين الكتل الى الشارع .. وهو امر يخشاه حتى اكثر المتفائلين.