قصة "فاطمة" ونظام وصاية الرجل على المرأة في السعودية

المرأة السعودية مصدر الصورة BBC World Service
Image caption هناك مطالب بإعادة النظر بنظام الوصاية

تشهد السعودية جدلا في الوقت الراهن حول وضع المرأة في المجتمع، وإمكانية منحها المزيد من الحقوق، خاصة في إطار الإصلاحات التي يتبناها الملك عبد الله بن عبد العزيز، والتي يعارضها التيار الديني المتشدد.

ولعل نظام وصاية الرجل على المرأة من أبرز الأنظمة التي تطالب كثيرات من الناشطات والجمعيات الحقوقية في المملكة بإعادة النظر فيها.

ومؤخرا، حظيت قضية الشابة السعودية "فاطمة"، وهي في منتصف الثلاثينيات، باهتمام ملحوظ على شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام داخل السعودية.

واعتبر كثيرون أن قضية فاطمة تؤكد الحاجة إلى مراجعة نظام الوصاية على المرأة، ومثالا لما يمكن أن يؤدي إليه الوضع الحالي من مشكلات أسرية.

قصة فاطمة

تحدثت بي بي سي مع فاطمة التي طلبت عدم ذكر اسمها بالكامل، وتقول إنها انتقلت إلى بيت أبيها لبضعة أشهر، لكنها اضطرت إلى أن تعود إلى منزل والدتها بعد أن اعتدى عليها والدها بالضرب وهددها ذات مرة بالسكين وأخرجها من المنزل في وقت متأخر من الليل، فاضطرت للعودة إلى منزل أمها وأخيها، حسب روايتها.

وتمضي فاطمة في رواية قصتها فتقول إنها تفاجئت لاحقا بقرار قضائي تم بموجبه سجنها ثلاثة أشهر بعد أن رفع والدها، المنفصل عن أمها، قضية حجر عليها.

وتضيف فاطمة: "لم يكن لدي أدنى شك في أن أكسب القضية لكن أتى الحكم مخيبا وقاسيا". وقد أفرجت المحكمة عنها مؤخرا بكفالة لمدة شهر ونصف لتصالح أباها.

عنف أسري

وتوضح شرف القرافي، العضو في الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان، أنه من باب الحرص على الالتزام بمبادئ الشريعة والمواثيق الدولية التي تنص على حماية جميع أفراد الأسرة، توجهت مساعي الجمعية إلى الصلح بين فاطمة ووالدها، وأن يسمح لها بأن تسكن مع والدتها لأن فاطمة، حسب وصفها، بالغة وراشدة، وهي في منتصف الثلاثينيات، ولم تنفرد بالإقامة وحدها لكنها تسكن مع والدتها وابنتها.

وتضيف القرافي أن قضية فاطمة بتفاصيلها المتشعبة والمعقدة غير معتادة، وأنها لم تمر بقضية كهذه سابقا.

وتشير آخر إحصاءات الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية، وهي منظمة حكومية، إلي أنها تعاملت مع 382 قضية عنف أسري في عام 2010، وهذا يعد ثمانية أضعاف عدد القضايا الواردة إلى الجمعية عام 2004، وهو العام الذي فتحت فيها الجمعية أبوابها.

وقد تعود الزيادة، حسب القرافي، إلى انتشار الوعي بخصوص المراكز المختصة بحقوق الإنسان بشكل عام ومكافحة العنف الأسري بشكل خاص. والنتيجة، كما تقول القوافي أننا "أصبحنا نرصد عددا أكثر من هذه القضايا".

انتقادات

وترى الناشطة والكاتبة السعودية، وجيهة الحويدر، أنه رغم الإصلاحات بشأن المرأة في الحقبة الأخيرة، فإن وتيرتها بطيئة.

وتؤكد الحويدر أنه يمكن تفادي حالات مثل فاطمة "بجرة قلم"، حسب وصفها، من خلال مكافحة جميع أنواع التمييز ضد المرأة.

وترجع الحويدر بعض أشكال التمييز إلى أن نظام الوصاية "يسمح للرجل بالتحكم وبشكل مطلق بجميع شؤون المرأة، وأصبح تطبيق هذا النظام عرضة لنوايا ومزاج الرجل".

وفي حالات كحالة فاطمة ترى الحويدر أن أيدي المنظمات الحقوقية مقيدة أمام "نظام يسمح للرجل أن يمنع ابنته من الدراسة أو العمل أو الخروج من بيتها، ولا سيما حين تتعرض للعنف".

وتقول الحويدر أن حرمان المرأة من حقوقها الأساسية "تقنين واضح للعنف المعنوي حتى وإن لم تتعرض للضرب".

وتعد مسألة تعديل نظام وصاية الرجل على المرأة من القضايا الشائكة في السعودية نظرا للاستقطاب الواضح في هذه القضية بين التيار المحافظ والليبرالي في البلاد.

إلا أن الحويدر تعتقد أن منح المرأة الحق في اتخاذ قراراتها الخاصة بها كالعمل أو الدراسة أو السفر يمكن المضي به دون الرجوع إلى المؤسسة الدينية، كما كان الحال مع الجامعة المختلطة بمدينة جدة التي أثارت حفيظة بعض رجال الدين.

"رخصة شرعية"

ويرى الدكتور محمد النجيمي عضو المجمع الفقهي أنه من الخطأ التصور أن ظاهرة العنف الأسري إفراز لنظام وصاية الرجل على المرأة. ويقول إن "القوامة رخصة شرعية للرجل لقيادة الأسرة مثلما يقود الحاكم بلده".

ويضيف النجيمي أن هناك فهما خاطئا "للقوامة" من قبل بعض الرجال، وأن الهدف منها "ليس التسلط على المرأة".

ويقول النجيمي إن هناك ضوابط شرعية "تمنع الرجل غير المؤهل من أن يمارس صلاحيات الولاية".

ويستطرد النجيمي قائلا ان الشريعة تسمح للمرأة - في ما عدا السفر - بأن تقوم بأنشطة مثل الدراسة والعمل وفتح حساب مصرف دون العودة إلى وليها.

أما بالنسبة لمكان سكن المرأة فيرى النجيمي أنه يجوز للسيدة البالغة أن تقيم عند أمها، لكن "المشكلة هي أن هذه المسألة مسألة اجتهادية، ولا توجد نصوص قطعية، وبالتالي فهي تخضع لاجتهاد القاضي".

ويتابع النجيمي قائلا "أطالب بتقنين المسائل التي تتعلق بالأحوال الشخصية، وكانت هذه دعوة المجمع الفقهي في مؤتمر المجمع بعمان عام 2004"

وبالنسبة لقضية العنف الأسري، يقول النجيمي "أننا بحاجة أيضاً إلى أحكام واضحة ومقننة تجرم العنف الأسري".

تهميش

وبغض النظر عن الجدل القائم حول نظام الوصاية ومدى علاقته بالعنف الأسري، فقد لقيت قضية فاطمة اهتماما ملحوظا من قبل مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محلية.

وتؤكد الناشطة والمدونة مي الشريف على أهمية وصول صوت فاطمة عبر الوسائل المختلفة إلى الملك عبد الله "الذي أكد رفضه لتهميش المرأة في خطابه الأخير أمام مجلس الشورى".

وتتابع الشريف، في صفحتها عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، "فاطمة لم تبالغ بمطالبها ولم تطالب بأن تعيش وحدها... والآن يطالبونها إما بالسجن وإما بالصلح مع والدها".

ويبدو أن فرص عودة فاطمة إلى السجن حاليا أكثر من عودتها إلى بيت أبيها حيث تقول فاطمة "تغيرت مشاعري نحوه وبت أتمنى الموت ولا آراه".

ويبدو أيضا أن تدخل سلطات أعلى من المحاكم هو المنفذ الوحيد، وهو الأمر الذي تدركه فاطمة التي قالت أن الملك وولي عهده "لو علما بقضيتي لما رضيا وقبلا بإهانتي وظلمي".

المزيد حول هذه القصة