وجهة نظر: روسيا في عيون العرب

فلاديمير بوتين مصدر الصورة BBC World Service
Image caption فلاديمير بوتين أعاد الدفء للعلاقات العربية الروسية

خلافاً للعهد السوفيتي الذى كانت فيه موسكو الداعم لكل الثورات وحركات التحرر الوطنى فى العالم، لم تعلن روسيا تأييداً صريحاً للثورة والثوار فى أي بلد عربي. فقد إلتزمت موسكو الصمت إزاء الأحداث لحين نضجها وإزاحة من بالسلطة كما حدث فى تونس ومصر، أو وقفت موقف الحياد أو المتابع المتأنى الذي وصل حد البطء فى رد الفعل فى حالة اليمن والبحرين. في حين أبدت مواقف مؤيدة للسلطة الحاكمة في ليبيا، وكان هذا التأييد أوضح ما يكون في الحالة السورية.

ولكن موسكو حرصت في ذات الوقت على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الثوار، فى محاولة لتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن، والتأكيد الدائم على نزاهة مواقفها، وحرصها على الاستقرار الداخلى والإقليمي للدول العربية. وذلك بهدف الإبقاء على علاقاتها بالدول محل الثورات بغض النظر عن الطرف الذى سيسطر على السلطة ويكون له الغلبة فى النهاية.

وقد تباينت ردود الفعل العربية الرسمية والشعبية إزاء الموقف الروسى، وحكم هذا التباين الانقسام العربى ذاته والكيل بمكيالين الذى اتسمت به المواقف العربية وخاصة الخليجية.

ففى الوقت الذى تدخلت فيه دول الخليج لقمع الثورة فى البحرين، ودعمت بقوة على عبد الله صالح فى مواجهة ثوار اليمن، وكانت مع بقاء مبارك في السلطة فى مصر، واستقبلت بن على بعد هروبه من تونس، فإن هذه الدول وقفت موقفاً مغايراً بالكامل فى الحالة السورية ومن قبلها الليبية.

مواقف متباينة

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption العلم الروسي في سماء دمشق ترحيبا بوزير خارجية روسيا

وهكذا فقد رحبت دول الخليج وعدد من الدول العربية الأخرى بالموقف الروسى الذى جاء متسقاً مع توجهاتها في كل حالة بعينها، ولم يبرز الشقاق إلا فى الحالة السورية حيث تباين موقف العرب والروس فى ضوء الدعم الروسى لنظام الأسد فى مواجهة الضغوط الخليجية والغربية.

وفى كل الحالات لم يكن هناك هجوم أو شجب رسمى عربى للموقف الروسى من جانب أي من الأطراف العربية، بل يمكن القول بأن إلتزام روسيا الحياد بصفة عامة وتأكيدها رفض التدخل الخارجى فى الشأن الداخلى للدول العربية كان محل قبول وتقدير من الدول العربية.

أما على الصعيد الشعبى، فلم يكن الموقف الروسى من الثورات العربية محط اهتمام شعبى واسع النطاق أو مثيراً للجدل إلا فى الحالة السورية. فقد انطلقت روسيا من رؤية تميز بين أهمية قيام النظام السورى بإصلاحات حقيقة، وبين الحيلولة دون التدخل الغربى فى سوريا والتى سيكون لها تداعيات كارثية ليس فقط على وحدة الكيان السورى وإنما على إستقرار وأمن المنطقة كلها.

ومن الواضح أن موسكو قد توصلت إلى قناعة مفادها أنه لا تعارض بين الأمرين. فتأييدها للأسد ليس ضد الثوار ولكن ضد المحاولات الأمريكية والفرنسية للنيل من كيان الدولة السورية بتأجيج الحرب الأهلية من وجهة النظر الروسية.

وكثيرا ما أكدت موسكو على إنها تريد استقرار الأوضاع في بلدان الشرق الأوسط ورأت أن سوريا بمثابة "حجر زاوية" في أمن تلك المنطقة الحيوية، ومن ثم فإن عدم استقرار الأوضاع أو نشوب حرب أهلية فيه سيؤدي بدوره حتما إلى زعزعة الوضع في بلدان مجاورة خاصة في لبنان، وإلى المزيد من الصعوبات في المنطقة كلها، وتهديد حقيقي للأمن الاقليمي.

دعم الأسد

مصدر الصورة AP
Image caption مندوب روسيا في مجلس الأمن يستخدم الفيتو لمنع إدانة الاسد

وفى هذا الاطار أبدت روسيا دعماً سياسيا ودبلوماسياً وعسكرياً واضحاً لنظام الأسد، رغم تكرار دعوتها للقيادة السورية لوقف العنف ومواصلة إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية عميقة، بل والتحذير الذي أعلنه الرئيس مدفيديف من أن موسكو قد تغير موقفها تجاه دمشق في حال فشل الرئيس الأسد في إقامة حوار مع المعارضة، وأن "مصير محزن ينتظر الأسد اذا لم يبدأ حوارا مع المعارضة ويباشر الاصلاحات".

وكلن موسكو رفضت الدعوة الأوربية والأمريكية لتنحي الأسد، وأحبطت المساعي الغربية المتكررة لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين سوريا لاستخدام العنف في قمع المتظاهرين.

هذا الموقف أفقد روسيا كثيراً من الشعبية التي كانت تحظى بها فى الشارع السورى نتيجة مواقفها الداعمة للحق العربى والشرعية الدولية خاصة فى القضية الفلسطينية والأزمة العراقية، والأزمة السودانية، وتمثل هذا التحول في نظرة السوريين لروسيا في إندلاع مظاهرات يوم 13 سبتمبر/أيلول الماضي في بعض المدن السورية تحت شعار "ثلاثاء الغضب من روسيا"، تنديداً بالموقف الروسي الداعم للقيادة السورية والمعرقل للعقوبات الدولية، ورفع المتظاهرون شعارات ضد روسيا منها ''لا تدعموا القتلة... لا تقتلوا السوريين بمواقفكم''، ''النظام يذهب ويبقى الشعب".

وفى مشهد لم تألفه الساحة العربية، حتى أثناء الغزو السوفيتي لأفغانستان، أحرق المتظاهرون العلم الروسي في مدينتي حمص ودرعا.

مصدر الصورة Reuters
Image caption مظاهرات ضد روسيا في مدن سورية أخرى بعد استخدام موسكو الفيتو

أما خارج سوريا فقد تباينت ردود الفعل الشعبية تجاه الموقف الروسى، ففى الوقت الذى تتعالى فيه أصوات الثوار مطالبة موسكو بدعم نظرائهم فى سوريا والكف عن دعم الأسد ونظامه، فإن شرائح لا بأس بها من المواطنين والنخب ترى أن موقف روسيا كان "محترما"، وأن روسيا لم تسع كالدول الغربية إلى التدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية لتحقيق مصالح تخص الغرب وحدة على حساب أمن واستقرار الشعوب، وأرواح الملايين منهم.

وقد تزايد هذا التوجه فى مصر مع التغير الذى انتاب المزاج العام المصرى والذى أصبح أكثر ميلاً للاستقرار بعد أن انهك العام الأول للثورة الكثيرين ممن كانوا يعانون اقتصاديا واجتماعيا فى فترة ما قبل الثورة.

دور بوتين

وينصرف هذا التباين وإن كان بشكل أقل وضوحاً في ما يتعلق بعودة فلاديمير بوتين إلى قمة السلطة فى روسيا.

فالملاحظ أن الانتخابات الرئاسية الروسية لا تحظى باهتمام واسع على الصعيدين الرسمى والشعبى في العالم العربى، ويمكن تفهم ذلك فى ظل الهموم التى تعتصر الشعوب العربية عامة. ففى ظل إنشغال النظم العربية بترتيبات البيت من الداخل وبالترتيبات الإقليمية فى ضوء تداعيات الثورات العربية، فإن عودة بوتين إلى السلطة لا تحتل أولوية ملحوظة، بل إن كثيراً من هذه النظم ترحب فى واقع الأمر بعودته.

ذلك أن استعراض المرشحين الخمسة لرئاسة روسيا يوضح أن بوتين هو المرشح الأوفر حظاً فى الانتخابات، وأن المرشحين الأربعة الأخرين لا يمثلون تحديا حقيقيا له. كما إن بوتين هو مهندس العلاقات العربية الروسية، وكان له الدور الرئيسى فى الدفع بالتعاون العربى الروسى لمستويات غير مسبوقة منذ تفكك الاتحاد السوفيتى.

مصدر الصورة Reuters
Image caption الأسد ولافروف.. أحجمت روسيا عن الإدانة الصريحة للرئيس السوري

فعلى مدى فترتى رئاسة بوتين للجمهورية الروسية استطاع من خلال زيارات متعاقبة ومكثفة للمنطقة العربية إعادة إطلاق علاقات موسكو مع حلفائها التقليديين فى العالم العربي على أسس جديدة، وفى مقدمة تلك الدول سوريا ومصر وليبيا والجزائر، كما تمكن من إحداث تطور غير مسبوق فى علاقات روسيا بدول الخليج العربى وخاصة المملكة العربية السعودية بعد عقود طويلة من توقف العلاقات بينهما منذ ثلاثينات القرن الماضى، وخلق مصالح حقيقة تسعى الدول العربية للحفاظ عليها وتنميتها مع موسكو.

أما على الصعيد الشعبى وباستثناء بعض أوساط شباب الثورة الذين يبدون تأييداً للمتظاهرين فى موسكو وسان بطرسبرج عبر الفيس بوك، فإن الأمر لايشغل القطاع الأوسع من المواطنين أو حتى النخبة التى تبدو منشغلة بهمومها الاقتصادية والاجتماعية والتطورات السياسية الداخلية السريعة والمتلاحقة.

وهكذا فإن العبارة التي تقول إن "الولايات المتحدة هى العدو المحبوب للعرب، فى حين أن روسيا هى الصديق المكروه"، تظل الأكثر تعبيراً عن حال روسيا فى العالم العربى وانطباعات العرب عنها.

المزيد حول هذه القصة