بيرة ورقص شرقي ونقاشات سياسية في حانة مصرية

مصدر الصورة AP
Image caption حياة الليل في القاهرة

الحياة في الملاهي الليلية داخل القاهرة لم تعد تتسم بالحيوية كما كان العهد بها قبل نصف قرن. ومع ذلك لازالت مبيعات البيرة مستمرة، وتقدم داخل الملاهي أطباق تقليدية تحتوي على المكسرات، بل يمكن أن ترى محترفات الرقص الشرقي في بعض الأماكن. وبالطبع تمثل السياسية عنصرا أسياسيا في حوارات المصريين.

في نهاية ممر قصير، ظهر باب غرفة بلا نوافذ ينتشر داخلها الدخان وبها الكثير من المناضد والكراسي. وكانت رائحة البيرة تسيطر على المكان.

كنا قد وصلنا إلى إحدى الحانات "البلدي" – وهي الصورة المصرية التقليدية لأماكن تناول المشروبات الكحولية.

على الرغم من وجود أغلبية مسلمة ملتزمة في مصر، فإن هذه الحانة تمكنت من البقاء ضمن أبرز أماكن اللهو الليلية في القاهرة.

خلال الأربعينيات والخمسينيات كانت الحانات والملاهي الليلية وسط العاصمة المصرية تعج بالرواد. وتحدث الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل عن الكثير من هذه الأماكن في رواياته.

مصدر الصورة AP
Image caption الاماكن التي يعرض فيها الرقص الشرقي تتناقص

ولكن أعداد الحانات والملاهي الليلية تناقصت بصورة مطردة في أعقاب انتشار موجة التدين في الثمانينيات وتشديد القوانين الخاصة بالكحوليات.

بيرة

سمعتُ صوت موسيقى خافتا قادما من أعلى، حيث قيل لي إن داخل هذا المكان حفل رقص شرقي.

اكتسبت هذه الحانة جاذبية لبساطتها، حيث كانت تتدلى من سقف الغرفة خيوط حمراء وذهبية.

جلس عند البار شباب ألفوا ارتياد المكان، وأخذوا يشاهدون شاشة تلفزيونية تنقل نشرات إخبارية ورياضية.

ومن حين لآخر كانوا يلتقطون شيئا من أطباق المكسرات الموجودة أمامهم، ويحتسون بعدها جرعات من بيرة "ستيلا" المصرية.

ذهبت إلى هناك في رفقة مجموعة من الثوريين والفنانين والطلاب والموظفين بعد أن انتهوا من رسم شعارات مناوئة للجيش على حوائط المدينة في وقت سابق.

كنا أصغر سنا نوعا ما من الجمهور المعتاد، ومع ذلك حظينا بترحيب دافئ.

وبينما كنا نجلس على مقاعدنا، كان أحد الباعة في الشارع يتجول ممسكا بحفنة من البيض المسلوق المقشر. دفع البائع البيض والخبز المصري بالقرب من أنوفنا لإثارة شهيتنا.

وفي أحد الأركان بدأ فنان من مجموعتنا يرسم المشهد على طاولتنا.

تناقش شاب بحدة مع فتاة جذابة حول أفضلية فرقة "بينك فلويد" الموسيقية على فرقة "البيتلز"، وتبادلا ذكر أسماء ألبومات الموسيقى المميزة.

جلس إلى جواري مصور يدعى "علي"، وهو شاب ذو شعر مجعد ومن المؤيدين للثورة.

كان علي يتحدث همسا، وبدا أنه يعاني من مشكلة في الحنجرة. ظننت ذلك نتيجة تعرضه لقنابل الغاز المسيل للدموع خلال أعمال الشغب الأخيرة. ولكن سرعان ما عرفت أن هذا ليس السبب.

رفع رقبته ليريني ندبا بقي من عملية جراحية أجراها بعدما أصيب في وجهه خلال مسيرة احتجاجية تحولت إلى مواجهات عنيفة بين المشاركين والجنود أمام مبنى التلفزيون المصري في ماسبيرو. سقط العديد من القتلى خلال هذه المصادمات التي وقعت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وعند سؤاله عما إذا كانت ضعفت همته بعد ما عاناه، رد قائلا: "علي الاستمرار، فأنا أعمل على توثيق الثورة."

مفارقة

جلس على الطرف الآخر من الطاولة شاب يدعى "علي" هو الآخر. كان يرتدي بنطالا محكما وقصيرا، وكان يضع على كتفيه حقيبة بيضاء وعلي عينيه نظارة أنيقة.

بدا مثل فنان يجوب في قرية غرينتش في نيويورك. وفي الواقع، يقضي علي حاليا فترة خدمته في الجيش المصري.

أخبرني أنه قضى إجازته الاسبوعية يلقي الحجارة على جنود كانوا يحرسون مبنى وزارة الداخلية. وأضاف: "الخدمة العسكرية في مصر إجبارية، وهناك الكثيرون مثلي."

خلال ساعات قليلة سيعود "علي" إلى منزله ليستبدل ملابسه المدنية بملابس الجيش المموهة ويعود لأداء الخدمة العسكرية.

المفارقة أن هذين الشابين اللذين كانا يتبادلان أطراف الحديث بحانة في وسط العاصمة يجسدان صراعا مريرا بين حكم المدنيين والعسكر تشهده البلاد منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك العام الماضي.

قال علي إنه مضطر للرحيل، فقد قاربت الساعة الثالثة صباحا، وعليه العودة لأداء خدمته في الخامسة.

سألته: "هل ستذهب مباشرة من الحانة إلى موقع الخدمة؟" فأجاب: "عادي"، مضيفا: "بصراحة، هذا يجعل الأمور أهون."

المزيد حول هذه القصة