مشاهدات عائد من سوريا

حلب
Image caption لافتات التأييد للرئيس السوري تملأ ساحة سعد الله الجابري في حلب

يسترسل "مصطفى" سائق التاكسي وهو يقلني من المطار إلى وسط دمشق، عن خصوصية سوريا التي لا تعرف تمييزا بين ديانة أو قومية، لأن "السوريين كبروا في صفوف الدراسة دون أن يسأل أحدهم الآخر عن دينه أو ملته".

لكنه وبعد تعارف خفف من توجسه، أظهر تذمره مما يحدث من الحكم في سوريا، إذ كيف يخضع "أهل البلاد" لحكم طائفة صغيرة، تسمح لإيران بنشر التشيع وسط سنة سوريا مقابل مئة دولار للطفل الواحد كما يقول.

حكايات مصطفى القادم من الزبداني ، المنتجع الجبلي الموازي للحدود اللبنانية على بعد 45 كيلومترا من دمشق والذي شهد مظاهرات مناوئة للسلطة تمكنت من قمعها سريعا ، قد لا تكون حقيقية بكاملها، لكنها تظهر وجها للأزمة في سوريا لا يعترف به كثيرون.

في مقابلها يحدثني "حسين" العلوي الهارب من حمص، عن شعارات المتظاهرين و المسلحين التي تصب اللعنات على روح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، أو التي تهتف في مناطق الاشتباك "النصيري في التابوت، والمسيحي عبيروت".

وفي موازاتها تستشعر الأقليات المسيحية خوفا مستترا وقد أصبحت تسير على حبل مشدود، خوفا من الوقوع بين مطرقة النظام وسندان المسلحين، وتحسبا مما قد تخبئه الثورة لأبنائها.

لن تعدم إجابة حين تسأل عمن يلعب الورقة الطائفية في النزاع السوري، فالمعارضة تتهم النظام بنشر حالة من الهلع والخوف في أوساط سورية التي أشبه بفسيفساء يضم 29 أقلية وعرقية.

والنظام يتهم المعارضة بأنها "تعسكرت" وصارت "وهابية" والدليل على ذلك ، هو "إعلان السعودية وقطر عزمهما على تسليح المعارضين".

وكلا الجانبين لا يتورع عن استخدام كل الوسائل التي تدعم موقفه بغض النظر عن أخلاقيتها في الصراع.

معضلة إعلامية

يستلهم الإعلام الرسمي ومتحدثوه التجارب التي وقعت في المحيط العربي من العراق إلى ليبيا، لتخويف السوريين من المصير الذي ينتظر بلادهم لو انتصر من يسميهم "بالعناصر المأجورة"، والسوريون الذين يتقبلون هذه الرسالة يرددونها باستمرار للتأكيد على أن بلادهم مستهدفة وأن "العرب أول من خذلهم".

ورغم ذلك لم تقدم السلطات السورية على التشويش على القنوات الفضائية "المعادية" أو قطع خدمة الإنترنت، واكتفت بمراقبتها بذكاء تحسد عليه.

فخلال إقامتي في سوريا، كان من الصعب أن أتلقى اتصالا أو رسالة نصية على هاتفي البريطاني أو السوري، ولم أكن أعرف ما لحق بما يصلني من رسائل

كما أن وسائط الاتصال عبر الانترنت مثل "سكايب" كانت محجوبة في فندقي. بل أن الإعلام السوري كان يباهي بأن مخابرات سلاح الجو كانت على علم بالاتصالات بين الفضائيات العربية والنشطاء على الأرض في حمص وأنها اخترقت هواتفهم التي تعمل عبر الأقمار الاصطناعية.

الإعلامي العربي الزائر لسوريا هو موضع شبهة من الحكومة والمعارضة على السواء، فالنبرة الوطنية التي ارتفعت حدتها في الآونة الأخيرة بين مؤيدي النظام ترى فيما يحدث "مؤامرة إعلامية" بالدرجة الأولى أذرعها قنوات عربية وأن الثورة "انتفاضة فضائية" بالأساس.

والمعارضة لا تفتأ توثق كل ما يصدر عن الصحافة العربية والأجنبية لتضعه في خانة إما مع أو ضد، ولا مانع لديها من التشهير بمن تتهمهم بالانحياز للنظام.

لا نقطة وسطى في هذا الصراع، إما أن تغطي جانب المعارضة والمسلحين فتتسلل عبر الحدود، أو تحصل على تأشيرة دخول من السلطات السورية وتلتزم بالقواعد التي وقعت عليها.

اكتفيت في جولتي بثلاث مدن هي دمشق وحلب واللاذقية، لا أزعم أن أحدا أصدر لي أمرا بمن التقي أو ماذا أقول.

لكن حادثة بسيطة كانت مثيرة للضحك، فقد أقنعت زميلي بالعودة لأنه كان مريضا، وبدأت في التجول بأسواق المدينة وشوارعها وحيدا، وفي اليوم التالي تلقى زميلي اتصالا أمنيا يسأله عما كنت أفعل وحدي في تلك الليلة.

لكنني في وسط دمشق تمكنت من إجراء مقابلة مع أحد المعارضين على خلفية هتافات المؤيدين في وسط الشارع، دون أن يعبأ له أحد من المؤيدين الذين وصفهم بـ"البسطاء" الذين يشحنهم النظام وإعلامه بالخوف.

من الإنصاف القول أن حاجز الخوف قد سقط فعلا، فالسوريون يقولون أمورا ويتحدثون في قضايا كانت من المحرمات قبل عام، وما تبقى من هذا الخوف هو مسألة ربما تكون نفسية من إرث الماضي المخيف.

سألت محدثي وهو قيادة دينية مقربة من النظام عن كيف تتعاطى الدولة البوليسية مع هذه الأزمة ، صحح لي معلوماتي قائلا" الدولة الأمنية، وليست البوليسية". فسورية محكومة بأربعة أجهزة أمنية، قد لا تتوافق بالضرورة مع بعضها.

وتذكرت ما حدث معي في مطار دمشق أثناء دخولي بأجهزتي ومعداتي، وكان علي أن أتعامل مع ممثلي تلك الأجهزة الأربعة في نفس الوقت، أحدهم قرر مصادرة هاتف "الثريا" لأنه ممنوع، والآخر فحص السترة الواقية والخوذة، وأجاز لي الدخول بهما، وآخر فحص جهاز الكمبيوتر وأمتعتي الشخصية، وآخر ليدقق في أوراقي. وتنتهي كل هذه المعاناة باعتذارات، تنم عن تخبط وولع بتطبيق اللوائح بدافع الخوف، لا الخطر.

بقاء النظام

Image caption صناعة السياحة اصيبب بضربة قوية

كان السؤال الرئيسي مع كل من التقيتهم سواء كانوا مسؤولين أو قيادات دينية، أو إعلاميين، عن قدرة النظام على تجاوز تلك الأزمة؟ أحد الصحفيين المقربين من الحكم أجاب ببساطة: قد يحدث ولكن بمعجزة، ربما تدرس في كتب العلاقات الدولية لاحقا.

والمؤكد أن كثيرا من السوريين لم يحسموا موقفهم بعد، وستجد بعضهم يصبون غضبهم على الحكم وعلى المعارضة ويتهمونهم بتخريب البلد. ويكفي أن تذهب في جولة ليلية بدمشق رغم انقطاع الكهرباء لترى المطاعم والمقاهي مليئة بروادها، وكأنهم لم يسمعوا عن "الصراع ومشاهد الدم".

لكن تقييما موضوعيا لأداء النظام يشير إلى أنه يحاول تجاوز الأزمة، من خلال علاقاته الدولية – خاصة إيران وروسيا والصين، ودول أخرى مثل فنزويلا، وداخليا من خلال رهن مصالح طبقات وطوائف عده ببقائه.

وضمن هذا التقييم، السعي المتواصل لإثبات أن معركة المعارضة تتعلق بشخص الرئيس بشار الأسد الذي يطالبون بإسقاطه، وليس بدافع الديمقراطية "التي يتبناها بإصلاحاته" على حد قولهم.

في مواجهة العقوبات الاقتصادية مثلا، تحاول الحكومة تفعيل نظام المقايضة لبيع ما لديها من سلع والحصول على السلع التي تخضع للعقوبات، وفي مواجهة أزمة البنزين الحادة، تشرف الحكومة على بيع البنزين في أيام محددة بمحطات تشهد زحاما شديدا في وسط دمشق أيام الجمعة، وللتصدي لأزمة الكهرباء والتي ربما تكون الأخطر، قررت الحكومة التخلي عن احتكارها لتوليد الطاقة، وإشراك القطاع الخاص في هذا المجال، وهو ما يعني ضمنيا استمالة قطاع جديد من رجال الأعمال المؤيدين، وتقاسم عبء الأزمة مع هذه الشركات حتى لا يكون من نصيب الحكومة وحدها.

وتظل معضلة الأزمة في سوريا هي وجوهها المتعددة، فالمعارضة معارضات عدة، وللنظام أجنحة متعددة لا تتصارع بالضرورة وإنما توزع الأدوار. فعندما سألت قائدا أمنيا عن دور الشرطة فيما يحدث، قال لي أنها "ملحقة بالجيش لمواجهة المسلحين"، لأنها ليست مؤهلة للتصدي لهذا النوع من العمليات العسكرية.

والجيش لا يزال مؤسسة عسكرية عقائدية، ربما لا يكون من أكثر الجيوش تقدما، لكنه يبدو حتى هذه اللحظة متماسكا، سواء بالدافع الوطني للحفاظ على الدولة أو بالامتيازات التي يجنيها قادته، رغم حدوث بعض الانشقاقات القليلة.

بعدما أصبح السفر بالطرق البرية أمرا متعذرا بسبب العنف، كان من المألوف أن أرى في المطارات نعوش القتلى من العسكريين ملفوفة في الأعلام السورية، يتحلق حولها الأهل في نوبات البكاء. كما كان بوسعي، أن أتسمع لمحادثات المجندين من أبناء الفلاحين، بعضهم يتحدث عن بطولاته وآخرون يتحدثون عن التوجس الذي يتعامل به معهم قادتهم خوفا من ذهابهم في أجازة وعدم عودتهم إلى الخدمة. الجيش بالنسبة لكثيرين هو أداة الحسم لبقاء النظام أم سقوطه.

وتظل الأسئلة قائمة، عن المدى الزمني الذي تتحمله الأغلبية الصامتة، التي تلتزم الحياد، هل تثور أم تهاجر، وما هي قدرة النظام على ابتكار حلول لمشكلات قد تفوق طاقته؟ وهل تماسك الجيش لا يزال دفاعا عن الدولة أم ولاء للنظام ؟ لا يملك زائر سوريا أجابات واضحة لهذه الأسئلة.

المزيد حول هذه القصة