الحكومة اللبنانية بين نارين في التعامل مع تداعيات الوضع في سوريا

آخر تحديث:  الجمعة، 23 مارس/ آذار، 2012، 10:02 GMT
طفل سوري لاجي يشارك في مظاهرة في طرابلس في لبنان

تبذل الحكومة اللبنانية جهودا لتقديم الدعم للاجئين السوريين

يمكن الحديث عن مسارين مختلفين تنتهجهما الحكومة اللبنانية تجاه الأحداث في سوريا. فمن ناحية، تحاول بيروت تجنب أي موقف سياسي واضح بإتجاه ما يحدث وراء حدودها الشرقية، بينما تبذل من الناحية الأخرى جهوداً لتقديم مساعدات إنسانية للاجئين السوريين الذين يدخلون أراضيها.

بات متعارفاً عليه أن الحكومة اللبنانية تعتمد ما دُرج على تسميته في لبنان "سياسة النأي بالنفس" عن التطورات في سوريا. يقول منسّق تيار المستقبل في طرابلس مصطفى علوش: "لا شكّ في أن الحكومة في وضع فيه الكثير من الإحراج"، حيث ترتبط الحكومة اللبنانية الحالية التي يتألف قوامها من حزب الله والتيار الوطني الحر بعلاقات متقدمة مع الجهات الرسمية السورية. وهذا يدفع المعارضة اللبنانية لوصفها بـ "حكومة بشار الأسد في بيروت".

بينما لا تُجاهر الحكومة بأي مواقف داعمة للنظام في دمشق فإنها أيضاً ترفض التصويت على أي قرار إقليمي أو دولي يدينه. في المقابل، تُظهر السلطات اللبنانية تعاوناً "غير مسبوق" مع المنظمات الدولية لإغاثة اللاجئين، حسب تقييم المتحدثة بإسم مفوضية الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين في لبنان دانا سليمان.

سياسة حدّ السيف

في ظل هذا التوجه، تُولي الحكومة اللبنانية أهمية كبيرة للجانب الإنساني على حساب الجانب السياسي، حسب ما يشير إليه عباس هاشم، النائب عن التيار الوطني الحر. يَصفُ هاشم ما تقوم به الدولة في قضية اللاجئين بأنه عملٌ ممتاز يصل أحياناً إلى حد "معاملة ضيوفنا بطريقة أفضل من معاملة اللبنانيين في لبنان، بالرغم من كل الأزمات المالية التي تعاني منها الحكومة ويعاني منها مختلف شرائح المجتمع اللبناني".

فمن خلال الهيئة العليا للإغاثة، تقدّم الحكومة اللبنانية المساعدات الطبية للاجئين، حيث خُصِّصت أجنحة خاصة في بعض المستشفيات لاستقبال اللاجئين الجرحى، كما تُوزّع المساعدات الغذائية عليهم بشكل دوري.

يصف علوش هذه الخدمات بإنها خدمات الحد الأدنى. فالحكومة اللبنانية تعتمد حسب وصفه على "سياسة حدّ السيف فهي توازن بدقة بين ما يُقدّم بحيث لا تفعل القليل تجاه اللاجئين فتغضب المجتمع الدولي و تزيد ضغط المعارضة المتواصل عليها، وفي نفس الوقت لا تقدم الكثير لتتجنب غضب السلطات السورية التي هي حليفة أطرافها".

المخيمات "خط أحمر"

طبقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في اللوائح الرسمية في لبنان نحو 13,000 لاجيء. وتقيم غالبية هؤلاء في منازل عند أقاربٍ لهم أو في بيوتٍ للبنانيين قدّمت لهم لفترة مؤقتة.

و بينما تُقدّم الدولة الخدمات الطبية والغذاء، بقيت قضية السكن في عهدة المجتمع المدني حيث تضطلع بها منظمات أهلية وأحزاب أومن خلال مبادرات فردية. فالدولة اللبنانية ترفض حتى هذه اللحظة إقامة مخيمات للاجئين على أراضيها، بالرغم من أن ذلك قد يُساهم حسب البعض في تخفيف الأعباء المالية للإغاثة.

وكان قد صدر عن حزب الله موقف واضح في هذا الخصوص معتبراً فكرة إقامة مخيمات للاجئين السوريين "خطاً أحمرَ".

و يضيف علوش: "تريد الحكومة قدر الإمكان التخفيف من وطأة قضية اللاجئين مراعاةً لموقف الحكومة السورية. فهم لا يريدون بناء مخيمات حتى لا تظهر قصية اللاجئين كمسألة ضغط إضافي على دمشق."

لكن يشكّك النائب عن منطقة عكّار الحدودية والمنتمي لتيار المستقبل المعارض معين المرعبي بالأرقام الرسمية التي تُقدّم بشأن اللاجئين، معتبراً إن عددهم الحقيقي "هو ثلاثة أضعاف الرقم المعلن". و يتهم المرعبي الحكومة بتعمّد إعطاء أرقام صغيرة عن عدد اللاجئين.

"واجب أخلاقي"

بصرف النظر عن مدى صحة هذه الأرقام، فإن عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين يدخل الاراضي اللبنانية بطرق غير شرعية عبر الحدود بين البلدين. في هذه النقطة، يقول هاشم إن هذه نقطة إيجابية تُحسب لصالح الحكومة التي تتغاضى عن دخولهم ولا تتخلّى عما يسمّيه واجبها الأخلاقي والإنساني تجاه اللاجئين.

فحتى الآن لم يُعلن عن إعتقال أي سوري دخل لبنان عبر الحدود بالرغم من تأكيد هاشم أن مجموعات من المنشقين السوريين قامت بعملية عسكرية ضد الجيش اللبناني. و يضيف: "حتى في هذه الحالة، تعاملت الحكومة مع هؤلاء كمدنيين. كما أن الحكومة لا تعتقل من يقومون بتهريب السلاح عبر الحدود".

في انتظار بيان الجيش

يبقى من الصعب تأكيد كلام هاشم من مصدر رسمي. فالجيش اللبناني يرفض تأكيد أو نفي أي معلومات متعلقة بنشاطات عسكرية على الحدود. المتحدثون بإسم الجيش يرددون المقولة نفسها: " الأوامر واضحة بمساعدة المدنيين وبإعتقال أي مسلح بغض النظر عن إنتمائه لأي جهة".

وهل اعتقل الجيش أحداً منذ بدء الانتفاضة في سوريا؟

يأتي الجواب: "إنتظروا بيانا عنّا". وهل أصدر الجيش أي بيان في هذا الشأن منذ أكثر من عام؟ "لا"، يردّ المسؤول العسكري ضاحكاً.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك