قضية الهاشمي وصراع المالكي مع قطر والسعودية.. وأربيل

طارق الهاشمي مصدر الصورة BBC World Service
Image caption قطر قالت ان تسليم الهاشمي للعراق انتهاك للاعراف الدبلوماسية

بعد أربعة ايام من مغادرة نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي الأراضي العراقية، صدر التعليق الأول عن مكتب رئيس الجمهورية جلال طالباني.

تحت عنوان "توضيح من مكتب فخامة رئيس الجمهورية"، جاء في البيان أن الهاشمي "غادر البلاد بعد أن وجه رسالة إلى فخامة الرئيس حول اعتزامه القيام بجولة تشمل عددا من الدول، وغادر فعلا قبل أن تصدر موافقة عن رئيس الجمهورية."

بهذين السطرين حسم رئيس الجمهورية جلال الطالباني سؤالا فشلت كل التحليلات القانونية والسياسية في الإجابة عليه: هل الهاشمي فعلا، كما يقول، في زيارة رسمية كنائب للرئيس؟

إذا كان رئيس الجمهورية لم يوافق على سفر نائبه، المطلوب في بغداد على خلفية اتهامات بدعم الإرهاب، فهو بالتأكيد ليس في مهمة رسمية.

ولم يكتف البيان الرئاسي بتوضيح هذا الجانب، بل أضاف أنه "فيما يخص المقابلات الصحفية المنسوبة إليه (الهاشمي) فإن ما ورد فيها من مواقف حيال السلطات والقيادات العراقية لا يتطابق مع رؤية فخامة رئيس الجمهورية ومواقفه الداعية إلى تعزيز التفاهم الوطني وتفادي الشحن الطائفي."

وقد جاء هذا الكلام ردا واضحا على مقابلة تلفزيونية أجراها الهاشمي بعد وصوله إلى قطر، اعتبر فيها أن رئيس الوزراء نوري المالكي يقود حملة تضييق منهجية ضد السنة في البلاد بدوافع طائفية.

"إحراج" للهاشمي

بيان رئيس الجمهورية أعطى دفعا جديدا لموقف المالكي في خلافه مع القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي.

ويقر سليم الجبوري النائب عن تكتل العراقية بأن البيان يشكل إحراجا للهاشمي الذي كرر تأكيده بأنه في زيارة رسمية.

وحول التكهنات عن احتمال عدم عودة الهاشمي إلى العراق، قال الجبوري لبي بي سي "في رأيي الشخصي، فإن وجوده (في اربيل) قد ترك حرجا واضحا لدى الأكراد" مضيفا أن الهاشمي سيعود إلى العراق ولكن "ليس مبكرا".

كما قال الجبوري إن الهاشمي تلقى دعوة للبقاء ضيفا من كل من قطر والسعودية، وكذلك "يمكنه البقاء في تركيا."

غير أن موقف كتلة العراقية بزعامة إياد علاوي والتي ينتمي إليها الهاشمي كان ضعيفا إزاء المالكي حتى قبل صدور البيان الرئاسي.

فبعد أن صدرت بحق الهاشمي مذكرة التوقيف بتهمة دعم الاعمال الإرهابية، جاء رد العراقية، التي اعتبرت أن وراء صدور المذكرة دوافع سياسية، بتعليق مشاركتها في البرلمان والحكومة. لكنها عادت عن هذا القرار دون الحصول على أية مكاسب من المالكي.

وبذلك ظهر زعماء العراقية بمظهر من يعجز عن التأثير في مجريات الأمور ولا يملك سوى خيار التصعيد الكلامي.

الخلاف بين أربيل وبغداد

لكن المالكي يواجه خصما داخليا آخر يملك من القوة والخيارات ما لا يملكه قادة العراقية.

ففي أواخر الشهر الماضي، شن رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني هجوما عنيفا على المالكي، معتبرا أن حكومته فاشلة وأنه يسعى لاحتكار السلطة. كما قال إن الاقليم لن يسلم الهاشمي لأن ذلك يتعارض مع خلق الأكراد.

ولم يكتف البارزاني بالكلام. فبعد مرور بضعة أسابيع على تصريحاته، قررت الحكومة الاقليمية في أربيل وقف تصدير النفط على خلفية رفض بغداد دفع مستحقات شركات النفط العاملة في الشمال.

قد يعود الاقليم عن القرار سريعا، وقد تتطور المواجهة، لكنها تشير إلى أن الاقليم يملك خيارات عملية في مواجهته مع المالكي.

هذا ويبدو خلاف المالكي مع اربيل أكثر عمقا من خلافه مع العراقية، فهو يطال بنية الدولة الفيدرالية، ويطرح أسئلة محورية لا جواب عليها سوى في إطار اتفاق شامل:

  • ما هي السلطات التي ينبغي أن تمسك بها الحكومة الاقليمية في أربيل، وماذا يبقى من سلطة للحكومة الاتحادية في بغداد؟
  • ومن يملك سلطة توقيع عقود النفط، وما هي آلية توزع العائدات؟

ويبقى الحلم الكردي باقامة الدولة حاضرا في خلفية كل النقاشات والتصريحات. فالقادة الأكراد وإن لم يسعوا إلى إقامة الدولة الآن، قناعة منهم بأن الظرف الدولي والاقليمي ليس مؤاتيا، لا يهملون ذكر حق الشعب الكردي في تقرير مصيره في كثير من المناسبات.

نزاع عراقي قطري؟

أما البعد الخارجي في البيان الرئاسي المقتضب، فقد جاء في الجملة الختامية. يقول البيان إن صدور تصريحات الهاشمي "خارج البلاد يمكن أن ينال من المكاسب المهمة التي حققتها جمهورية العراق بانعقاد مؤتمر القمة الذي كان إقرارا بان العراق استعاد عافيته وعاد لتبوء الموقع اللائق به في الأسرة العربية والأجنبية والدولية. "

عند هذه النقطة تمتد نزاعات العراق الداخلية إلى الأفق الاقليمي. فقد شملت جولة الهاشمي العربية الدولتين الخليجيتين الأشد امتعاضا من الدور الاقليمي الذي بدأ العراق يلعبه. ويبدو أن قرار قطر والمملكة العربية السعودية استقبال نائب الرئيس العراقي جاء ردا على الخلاف بين بغداد من جهة والدوحة والرياض من جهة أخرى حول قضايا المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في سوريا.

ففي حين تدفع قطر والسعودية نحو تسليح المعارضة السورية وتعتبر كل ما هو دون ذلك تخليا عن المنتفضين ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، برز موقف عراقي صلب في معارضته لما أسماه المالكي خلال القمة العربية في بغداد "عسكرة" الانتفاضات العربية.

وجاء اعلان بغداد الصادر عن القمة العربية ليعكس الموقف العراقي، فبدت الدوحة والرياض على الهامش بعد أن اعتادتا، منذ بدء الانتفاضة في ليبيا، على صياغة الاجماع العربي وفقا لسياستهما.

العراق "عاد بقوة"

ظل العراق منذ الاجتياح الأميركي عام 2003 ساحة للصراعات الاقليمية، لكنه الآن يبدي محاولة لانتزاع موقع له كطرف فاعل في المنطقة. وربما شكلت استضافة بغداد القمة العربية الشهر الماضي البداية الرمزية للمحاولة العراقية.

وينفرد العراق في المنطقة بعلاقاته الطيبة مع طهران وواشنطن، فهل يمكن لدوره الجديد أن يحظى برضى حليفيه المتخاصمين؟

في مؤتمر صحافي قبل انعقاد القمة العربية، قال وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري إن العراق "عاد وبقوة". وأضاف أن العراق لا يتبع أحدا، بل له رأيه وسيكون أقوى بعد القمة.

جاءت تصريحات زيباري ردا مبطنا على من يقول إن الدبلوماسية العراقية تابعة لإيران، وهو اتهام يزعج الحكومة العراقية وتسعى جاهدة لإقناع العالم بعكسه.

الدولة العراقية الآن، مثقلة بهموم داخلية وخارجية، تريد أن تقول للعالم إن العراق لم يعد ساحة ممزقة بين الأقطاب المتنازعة في المنطقة، بل أصبح هو نفسه قطبا جديدا لا يتأثر فحسب، وإنما يؤثر في محيطه.

محاولات بغداد لا تزال في بدايتها، والنتائج، كما مصير المنطقة بأكملها، مفتوحة على احتمالات متعددة.

المزيد حول هذه القصة