"الباص إن حكى"... رحلة في ذاكرة لبنان في ذكرى حربه الأهلية

مشروع "الباص إن حكى" مصدر الصورة BBC World Service
Image caption ظلت بوسطة عين الرمانة، التي أطلقت شرارة الحرب الأهلية في لبنان قبل 37 عاما، أحد مخازن الذكريات الأليمة في لبنان

عشية الذكرى الـ37 لاندلاع شرارة الحرب الأهلية في لبنان، انطلق اليوم الجمعة من "هنغار أمم للتوثيق والأبحاث" في حارة حريك ببيروت مشروع "الباص إن حكى... رحلات في ذاكرة لبنان واللبنانيين"، وذلك في إطار الجهود الرامية لعدم تكرار تلك المأساة وتذكير الأجيال الراهنة بخطورة أن تنحى البلاد مثل ذلك المنحى المظلم.

المشروع هو جهد مشترك بين كل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (مشروع تعزيز السلم الأهلي في لبنان) ومؤسسة "أمم للتوثيق والأبحاث"، وبعثة الإتحاد الأوروبي في لبنان والحكومة اللبنانية.

فقد حضر انطلاق الحدث وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور ممثلا عن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، وإلى جانبه نواب ودبلوماسيون وممثلون للجهات الراعية والمشرفة على الفعالية.

وقال دييغو إسكالونا باتوريل، ممثل بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان، إن الاتحاد وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قررا أن يدعما معا عمل مؤسسة "أمم للتوثيق والأبحاث" الهادف إلى جمع تاريخ لبنان وذاكرته والمحافظة عليهما وصونهما ونشرهما".

وأضاف: "إننا نؤمن بأن القيمة الرمزية الكبيرة للباص الجديد تشكل رسالة قوية نريد أن ننقلها بصورة مشتركة إلى المجتمع اللبناني، تماما كما يمثل باص (بوسطة) عين الرمانة الذي تمت مهاجمته قبل 37 عاما، والمعروض هنا في الهنغار، في ذاكرة اللبنانيين رمزا للحرب والانقسام".

"مبادرة خلاقة"

من جهته، قال روبرت واتكنز، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان: "يشرفني أن أكون معكم اليوم لإطلاق المبادرة الجديدة، فهي مبادرة خلاقة تسعى إلى تقريب وجهات نظر الناس حول قضايا الماضي الصعبة من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا".

وأضاف: "إن تواجدنا اليوم هنا في هذا المكان ليس صدفة، فمنذ 37 عاما شارك الباص الذي سوف تمرون بجانبه في حدث مريع أطلق شرارة الحرب الأهلية التي تركت أثرا لا يُمحى في تاريخ البلاد وفي هوية شعبها".

وتابع قائلا: "يُقال إن الوقت يمحو كل الجراح، ولكن هذا لا يأتي من نسيان الماضي ببساطة مهما نوينا. وعوضا عن ذلك، فإن المضي قدما يأتي من فهم الماضي، وطرح أسئلة مؤلمة وتقبل الأجوبة الصعبة والعمل معا على كتابة مستقبل جديد يساعد الوقت على جعل هذه العملية ممكنة."

وأردف قائلا إن الوقت وحده ليس كافيا، ولهذا السبب، فقد حول مؤسسة "أمم للتوثيق والأبحاث" مكتبها إلى مركز توثيق عن الحرب الأهلية لتقديم قاعدة للبنانيين لحوار مفتوح حول تاريخهم المشترك.

وقال: "إن الهدف ليس إلغاء الأبعاد المختلفة للموضوع، ولكن جمع وتقوية مسارات بناء الذاكرة الجماعية والمصالحة من أجل تخفيف الاختلافات وتشييد الثقة."

وأكد أنه "عبر هذه المبادرة تخرج "أمم للتوثيق والأبحاث" الحوار إلى الطريق وتغير بطريقة رمزية الفكرة التي يتمحور حولها الباص القديم المركون في الخارج، وتحولها إلى وجهة نظر إيجابية يجسدها الباص الجديد.

"طموح جامح"

أما لقمان سليم، ممثل مؤسسة "أمم للتوثيق والأبحاث"، فقال إن الفكرة ظلت "طموحا جامحا وحبرا على ورق" إلى أن أفضى نقاش مستفيض، جرى في خريف 2011 بين "أمم للتوثيق والأبحاث" من جهة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، إلى بلورة شراكة تهدف إلى تشجيع اللبنانيين، ولا سيما الأجيال الصاعدة منهم، على تدبر ذاكرة بلدهم المثقلة بأوزار الماضي وأعبائه.

وقال إن المشروع يهدف أيضا إلى "كف يد ذلك الماضي عن المضي قدما بالتحكم بحاضر اللبنانيين، وفي تأخيرهم عن المستقبل الآمن المستقر الذي ليس منهم من لا يصبو إليه"، مشيرا إلى أن الأمر انتهى بترجمة تلك الشراكة إلى فكرة اقتناء باص وتحويله إلى وحدة جوالة لخدمة أهداف تلك الشراكة".

وأضاف: "لا أريد أن يُفهم أن الغرض من العودة إلى السلم اللبناني الناقص هو جلد الذات، بل كلِّي يقين بأن الكثيرين من جيران لبنان الأبعدين والأقربين مرشحون للاستفادة من التجربة اللبنانية في طلب السلام المستدام."

وختم بقوله: "لعل بيت القصيد من هذه التجربة اللبنانية هو الدعوة، بالفعل وبالكلمة، إلى مبادأة الماضي القريب منه والبعيد، بالقراءة، مع التسليم سلفا بأن من أسماء القراءة الحسنى الاختلاف في القراءات."

شرارة الحرب

وكانت بوسطة (باص) عين الرمانة، التي أطلقت شرارة الحرب الأهلية في لبنان قبل 37 عاما، هي الحاضر الأبرز في الفعالية، إذ جال عليها الحضور قبل الكشف عن "نقيضها"، أي مشروع "الباص إن حكى" الذي يروي أحداث الحرب الأهلية ويستعيد ذكراها وعِبَرها.

وتظل الإشارة إلى أن الباص (البوسطة) هو عبارة عن وحدة ستجول على مختلف المناطق اللبنانية، وتضم أرشيف مؤسسة "أمم للتوثيق والأبحاث" عن الحرب الأهلية، من يوميات وأحداث ورصد للضحايا والمفقودين والمرتكبين والمشاركين والفاعلين.

والباص هو كنابة عن مكتبة رمزية وأجهزة كومبيوتر محمولة موصولة بأرشيف "أمم للتوثيق والأبحاث"، إضافة إلى ماسح ضوئي وأدوات تسجيل سمعية وبصرية.

وقد وضع القائمون على المشروع جدولا بأنشطة خاصة بكل من الأطفال والشباب والراشدين لتتناسب مع طبيعة المحطات التي سيزورها الباص.

وتعليقا على المشروع الجديد، قالت جوانا نصار، المسؤولة عن مشروع تابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ويرمي إلى تعزيز السلام في لبنان: "يمكن للمصالحة بين اللبنانيين أن تكتمل فقط من خلال مخاطبة الذاكرة الجماعية."

أمَّا محمد مقداد، أحد الذين أصيبوا إصابة بالغة في يده عندما كان عمره تسعة أعوام فقط خلال الحرب الأهلية اللبنانية، فقال إنه يرى في الباص الجديد "طريقة جيدة للتغلب على ذاكرة الحرب."

وقالت سونيا نكد إن الباص يساعد الشباب اللبناني على "إدراك أن الحرب يمكن أن تندلع في أي وقت إذا كانت الظروف مهيأة لذلك."

المزيد حول هذه القصة