صراعات تؤجج القتال بين السودان وجنوب السودان

مجموعة من مقاتلي الحركة الشعبية قطاع الشمال في جنوب كردفان مصدر الصورة AFP
Image caption تتهم الخرطوم فرع الشمال بتلقي الدعم من جوبا

فيما توشك دولتا السودان وجنوب السودان على الانزلاق إلى حرب شاملة، تشتد وتيرة حرب أهلية ذات صلة داخل السودان، حيث يحاول متمردون في ولاية جنوب كردفان الاستفادة من التصعيد بين الدولتين في هجليج.

ويقول حاكم الولاية أحمد هارون، الذي اتهمته محكمة الجنايات الدولية بالضلوع في جرائم حرب، إن دولة جنوب السودان تدعم المتمردين.

وعلى الرغم من أن جوبا تنفي هذه الاتهامات، إلا أنه لا يمكن الوصول إلى حل للمشكلات بين البلدين من دون التعامل مع القتال بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

كانت أثار القصف واضحة بمدينة تلودي، التي تقع في منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان السودانية وشاهدت فجوة في صهريج وقود بمحطة الكهرباء.

بدا أن النيران استمرت لثلاثة أيام، فيما ظلت الكهرباء مقطوعة لفترة أطول.

وقال هارون وسكان محليون لـ"بي بي سي" إن تلودي تعرضت للقصف من جانب متمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان(قطاع الشمال) في إطار هجوم فاشل على المدينة.

وتقول الحكومة إن مشروعات تنموية مثل الطرق والسدود تعرضت لأضرار كبيرة بسبب القتال الدائر.

ويشير خبراء في الشأن السوداني إلى إن الاشتباكات الكثيرة تعود بصورة جزئية إلى عقود من الإهمال وعدم الاهتمام بمناطق مثل جنوب كردفان.

لكن هذه الحرب الأهلية داخل السودان تبدو لها أهميتها بالنسبة للمشاكل القائمة بين السودان وجنوب السودان.

حارب مقاتلو الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) في السابق، الذين رفعوا السلاح ضد حكومة الخرطوم داخل جنوب كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب متمردي الحركة الشعبية السابقين الذين حققوا الاستقلال لجنوب السودان.

وبموجب اتفاق السلام الشامل الموقع عام 2005، كان من المفترض معالجة أوضاع مقاتلي الحركة الشعبية (قطاع الشمال) في إطار دولة السودان، لكن ذلك لم يحدث.

جيوش بالوكالة

وفي الوقت الحالي، تسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) على معظم مناطق جبال النوبة بجنوب كردفان، ويمكنها تهديد مدن مثل تلودي.

يقول هارون "تأتي الصورايخ والمؤن والإمدادات من جنوب السودان."

ويضيف "الحدود قريبة جدا، وهم (حكومة جنوب السودان) من يقدمون كل الأسلحة، حتى الآن لا يزال الجنود (الحركة الشعبية -فرع الشمال) جزءا من جيش جنوب السودان."

ولكن دولة جنوب السودان تصف هذا الأمر بانه محض هراء.

ومع ذلك، اتهم تقرير حديث صادر عن مركز "رصد الأسلحة الخفيفة" السودان بدعم متمردين في جنوب السودان.

ويظهر جنرالات جيش تحرير جنوب السودان وجماعات جنوبية متمردة أخرى بصورة منتظمة في الخرطوم.

وقام المركز البحثي بتتبع المكان الذي تحصل منه مختلف مجموعات المتمردين على سلاحهم، وتشير الأدلة إلى أن كلا الدولتين تشرفان على جيوش تعمل بالوكالة داخل أراضي الدولة الأخرى.

ويثير توقيت بعض الهجمات شيئا من الدهشة، فعندما استولت القوات السودانية على منطقة أبيي المتنازع عليها العام الماضي، قام جيش التحرير في جنوب السودان بهجوم داخل أراضي الجنوب فينفس اليوم، مما شغل جزءا من جيش جنوب السودان.

وتزامن تقدم جيش جنوب السودان لأول مرة على هجليج مع هجوم الحركة الشعبية لتحرير السودان- فرع الشمال للسيطرة على تلودي.

وقالت مصادر إن متمردين دارفوريين من حركة العدالة والمساواة يقاتلون داخل هجليج وحولها حاليا.

مدنيون

وتمثل حركة العدل والمساواة واحدة من العديد من الحركات بدارفور التي شكلت تحالفا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان-فرع الشمال.

ومن الواضح أنهم يستفيدون من احتلال جنوب السودان لحقول النفط للقيام بهجمات أخرى في جنوب كردفان.

ويعني ذلك أنه عندما تجتمع الوفود من الخرطوم وجوبا لمناقشة الأمن في أديس أبابا، فإن الجيوش التي تعمل بالوكالة ستحتل مكانة هامة في النقاش.

لكن هذه المحادثات الثنائية علقت إثر الموجة الأخيرة من القتال.

ويعاني المواطنون من هذه التطورات، حيث يدور حديث عن قيام طائرات سودانية بقتل وجرح المدنيين بجبال النوبة.

ولا شك في أن ذلك يحدث.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أن مئات الآلاف من المواطنين قد ينزحوا عن جبال النوبة.

كما يعاني أيضا المواطنون بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

ويتحدث هارون عن مقتل 35 شخصا وإصابة 54 آخرين. كما أجبر أكثر من 28000 على النزوح بسبب الهجوم على تلودي.

ويستحيل التأكد من هذه الأرقام من مصدر مستقل، لكن بيانا صادرا عن الأمم المتحدة يؤكد نزوح الكثير من المواطنين من تلودي.

حرب أديان

حصل الكثير من المواطنين في تلودي على أسلحة للدفاع عن أنفسهم، ومعظم هؤلاء من العرب الذين يعتقد أنهم يدعمون الحكومة.

ويقول ياسر عرمان، الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال "يخسرون الحرب في جنوب كردفان، ويعتمدون على محاولة تقسيم الناس على أساس ديني وعرقي".

ويعد النزاع بجنوب كردفان أكثر تعقيدا من مجرد صراع بين النوبة الأفارقة السود والعرب، كما يتم تصويره في بعض الأحيان.

ويوجد داخل النوبة معتنقيين للإسلام والمسيحية وأديان أخرى. لكن أتباع هارون يرون الحرب في في بعض الأحيان حرب أديان.

وقال ابراهيم محمد موسى، الذي انضم إلى قوة شبه عسكرية تابعة للشرطة "ندافع عن ديننا، لذا لن يدخلوا إلى هذه المنطقة."

وبينما كان هارون يجوب أنحاء تلودي استقبله رجال يصيحون "الله أكبر"، وبالنسبة إلى هؤلاء يعتبر هارون بطلا، لكن آخرون كثر لا يرون ذلك.

يذكر أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت لائحة اتهام ضد هارون بسبب دوره الواضح في ما وُصف بـ"جرائم حرب" في دارفور.

ورفض هارون أي مزاعم بشأن ارتكاب قواته مخالفات بجنوب كردفان.

ويقول "نبذل قصارى جهدنا دائما لاختيار الأهداف العسكرية. لكن في الحرب لا يمكن قياس الأشياء بدقة. وفي بعض الأحيان تكون هناك نيران صديقة".

واتهمت الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) هارون بارتكاب أعمال وحشية في جبال النوبة وأماكن أخرى في المنطقة.

وقال عرمان لبي بي سي "أصبحت الحرب الأجندة الوحيدة لمن هم داخل نظام (الرئيس السوداني عمر) البشير".

سألت هارون عما إذا كان يخشى من صدور اتهامات جديدة من محكمة الجنايات الدولية بالضلوع في جرائم بجنوب كردفان، فأكد أنه لا يكترث لذلك.

وأضاف "هذه محكمة سياسية وليس محترفة".

ويتهم هارون الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال بالضلوع في انتهاكات لحقوق الانسان.

وبصورة عامة، فإن من الصعب تخيل تحقيق سلام بين السودان وجنوب السودان في حال استمرت الحرب في جنوب كردفان.

المزيد حول هذه القصة