الأردن: الضغوط تتصاعد على الملك عبدالله مع "تعثر عملية الاصلاح"

الاردن مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يشهد الاردن احتجاجات ضد الفساد منذ اشهر عديدة

يتصاعد الضغط على ملك الاردن عبدالله الثاني للاستجابة لمطالب يصر عليها شعبه مماثلة لتلك التي قلبت الشرق الاوسط رأسا على عقب في الاشهر الـ 18 الماضية.

ويبدو ان الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي وعد بها الملك بدأت بالتعثر، مما اضطر الملك الى اقالة الحكومة في الاسبوع الماضي وتعيين رابع رئيس للوزراء منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

وكان الاردن قد شهد احتجاجات ومظاهرات، خصوصا في المحافظات الفقيرة الواقعة جنوب العاصمة عمان، حتى قبل اندلاع الثورات التي اطاحت حكومتي مبارك بمصر وبن علي في تونس.

وبينما كانت الاحتجاجات التي شهدها الاردن اصغر حجما واكثر سلمية من مرادفاتها في دول اخرى في المنطقة، فإن مطالب الاردنيين لا تختلف كثيرا عن تلك التي تظاهر ويتظاهر من اجلها غيرهم من العرب: فهم يريدون ان يكون لهم دور اكبر في الحياة السياسية - خصوصا فيما يتعلق بانتخاب رؤساء حكوماتهم - ويطالبون بحلول لمشكلتي البطالة والفساد.

يذكر ان نسبة البطالة في الاردن تبلغ 11,4 في المئة حسب الاحصاءات الرسمية، ولكن مصادر مستقلة تقول إن النسبة تبلغ ضعف ذلك.

ومن المقلق للنظام الاردني ان الخطاب قد تطور - خاصة في المناطق التي تشهد حراكا قويا، كالطفيلة في الجنوب - من مطالب بالاصلاح الى مطالب بتغيير النظام برمته.

ورغم ان الاردن تمكن حتى الآن من تجنب الاضطرابات السياسية الشديدة التي اطاحت عدددا من الانظمة العربية، فإن الوقت لا يجري لمصلحة الملك عبدالله الذي دأب على التهرب من الانتقادات عن طريق تغيير رؤساء الحكومة بين الفينة والاخرى.

"خطوات جريئة"

وبالرغم من ان الكثير من الاردنيين فوجئوا بإعلان رئيس الوزراء السابق عون الخصاونة استقالته في السادس والعشرين من الشهر الماضي، فإن الخصاونة - الذي تولى منصبه قبل ستة أشهر فقط - كان يتهم بالتلكؤ في اصدار القوانين اللازمة لاجراء انتخابات نيابية هذا العام.

ولم يضع الملك عبدالله الكثير من الوقت في تكليف فايز الطراونة، وهو رئيس حكومة ورئيس بلاط سابق، بتشكيل حكومة جديدة تتمكن من دفع عملية الاصلاح الى الامام.

ومن اللافت ان الطراونة، الذي يحسب على التيار المحافظ، وعد باتخاذ ما وصفها بـ"خطوات جريئة" لبلوغ ذلك الهدف.

يقول موسى شتيوي، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية، "شعر الجميع بالتفاؤل عندما كلف الخصاونة بتشكيل الحكومة السابقة نظرا لسجله المحترم، ولكنه اخفق في اظهار الخصال القيادية الضرورية لدفع عملية الاصلاح."

واضاف شتيوي متسائلا "كان الملك قد دعا للاصلاح وقال إن العملية ينبغي ان تبدأ بالانتخابات. فكيف يمكن ان يحصل ذلك والحكومة تتلكأ في اصدار قانون الانتخابات؟"

"الارادة الشعبية"

وكانت المعارضة، وعلى رأسها جبهة العمل الاسلامي الذراع السياسي للاخوان المسلمين، قد انتقدت مشروع قانون الانتخابات الجديد لأنه لا يضمن تمثيلا حقيقيا لكل اطياف المجتمع الاردني على حد تعبيرها.

وكانت جبهة العمل الاسلامي قد قاطعت الانتخابات الاخيرة التي اجريت عام 2010، قائلة إنها همشت لمصلحة العشائر المؤيدة للملك.

وحمل جميل ابو بكر، الناطق باسم الجبهة، البلاط الملكي ودائرة المخابرات العامة ذات النفوذ القوي في الاردن مسؤولية تعثر العملية الاصلاحية، وقال "إن على المخابرات تجنب التدخل في السياسة."

وقال ابو بكر "إن الشعب مقتنع الآن بأن مشكلاته لن تحل بعزل رئيس الوزراء او تشكيل حكومة جديدة، لكن الحل الوحيد يكمن في انتخاب برلمان جديد يمثل ارادة الشعب، وفي انبثاق الحكومة ورئيسها من هذا البرلمان."

وجاء في تقرير اصدرته أخيرا مجموعة الازمات الدولية ان اجهزة الامن الاردنية قد نجحت في شق صف المعارضة بالتركيز على الانقسامات التاريخية بين العشائر الاردنية من جهة والاردنيين من ذوي الاصول الفلسطينية من جهة اخرى.

كما يدفع الناشطون المعارضون ثمن معارضتهم وانتقادهم للملك بتجاهل المطالب الشعبية اعتقالا وسجنا.

تنازلات ثانوية

يقول المحلل السياسي الاردني لبيب قمحاوي إن الملك عبدالله "يحاول كسب الوقت،" ويضيف "ان الاصلاح يستوجب وجود محاسبة دقيقة واجواء ديمقراطية وشعب يتمتع بحق انتخاب حكومته وليس حكومة يختار الملك اعضاءها. ولكن الملك عبدالله ليس في وارد التنازل في هذه القضايا الجوهرية."

وكان الملك عبدالله قد قال في يونيو / حزيران الماضي إن الاحزاب السياسية الاردنية ستحتاج الى فترة قد تتجاوز 33 سنة من اجل تكوين تحالفات يمينية ويسارية ووسطى، الامر الذي قال إنه ضروري قبل ان يتمكن الاردنيون من انتخاب رئيس وزرائهم."

ويتساءل المحلل قمحاوي كيف يمكن للملك ان يدعي انه الدعي للاصلاح وضامنه (كما قال أخيرا امام البرلمان الاوروبي) وهو يعلم ان الاصلاح سيقوض موقعه هو قبل غيره.

وقال "إن الاصلاح عملية تسير ضد الملك في المحصلة النهائية، فالشعب ينتفض ويطالب بالاصلاح لأن الملك ينتهك الدستور. لا يوجد في الاردن فصل بين السلطات لأن السلطات كلها تتركز في يدي الملك."

واضاف ان الملك عبدالله امر البرلمان باغلاق كل ملفات الفساد التي كان يناقشها، مما ادى الى تبرئة عدد من المسؤولين من التهم التي كانت موجهة اليهم. يذكر ان الملفات التي تغلق لا يمكن اعادة فتحها مجددا.

مخاطر

ويعتقد شتيوي ان الهم الذي يشغل بال غالبية الاردنيين هو الاستقرار، خصوصا بعد ان رأوا نتائج ثورات الربيع العربي، وقال "اكثرية الاردنيين يؤيدون الاصلاح، ولكن قلة منهم فقط مستعدون لاتخاذ الخطوات الجذرية اللازمة لتغيير النظام."

وقال "ولكن اذا فشلت حكومة الطراونة في التوصل الى حلول للمشكلات التي تواجه البلاد بحلول منتصف الصيف المقبل، سيواجه الاردن مشكلة حقيقية."

ويتفق قمحاوي مع هذا التحليل، إذ يقول "يبدو ان الملك اعطى الاردنيين خيارا واحدا فقط: اما الاستقرار باستمرار الوضع الراهن، او الاصلاح مع الفوضى. اعتقد ان هذه لعبة خطرة جدا."

ومضى للقول "في نهاية المطاف، قد يقرر الشعب المخاطرة اذا ضاق ذرعا بالظروف التي يعيش فيها. وفي هذه الحالة، اعتقد اننا مقبلون على صيف ساخن في الاردن."

المزيد حول هذه القصة