البصرة: من معركة الأمن إلى معركة الإنماء

Image caption الاستثمارات الاجنبية تدرس العودة الى البصرة

عندما غادر البريطانيون البصرة، كانت أول مدينة يتسلمها العراقيون بعد الحرب ولم تكن أفضل حالا منها اليوم.

زهاء عقد من الزمن مر على المحافظة وعاصمتها وهي توغل في التداعي حتى أصبح يخيل إلى أهاليها أنهم أصبحوا خارج رعاية الدولة.

وكأن حروب الوطن لم تكن كافية، فكانت للبوابة الجنوبية للعراق حروبها الخاصة بالنكهة البصراوية.

وعندما قرر رئيس الحكومة نوري المالكي أن لتخلي المدينة عن الوطن ثمنا سياسيا أبلغ مما يستطيع تحمله اختار المجازفة. فكانت حملة "صولة الفرسان" محاولة يائسة لإعادتها إلى بيت الطاعة.

ومنذ عام تقريبا عقدت الحكومة الاتحادية أول جلسة لها خارج العاصمة فاستبشر البصريون خيرا ولكن شيئا لم يتغيّر.

روافد ثلاثة تعبر مدينة البصرة أكسبتها يوما لقب بندقية الشرق، غير أنها اليوم تحولت عن وظيفتها الأصلية كمجرى مائي يلطّف لابناء المدينة قيظها لتتحوّل إلى مكب للنفايات.

ولو عاد بدر شاكر السياب من مثواه الأبدي لبكى الأبياتَ حسرةً على حال البصرة وقصّة النفايات. فالمدينة تكاد تختنق بها في صراع بيئي لا تبدو له نهاية قريبة، خصوصا بعد أن أنهي عقدُ الشركة التي كانت تعنى بجمع وإعادة تدوير النفايات دون استبدالها بأخرى.

يقول د. خلف عبد الصمد خلف محافظ البصرة إن العقد مع الشركة التركية كانت تشوبه سقطات إضافة إلى أن القيمين عليها لم يكونوا على دراية كافية بواقع المدينة. كل ذلك جعل من مهمة الشركة فشلا زاد الطين بلة.

محافظة البصرة التي يخرجُ منها أكثر من ثمانين في المئة من واردات الخزينة المركزية في بغداد تتلقى نصيبَها من موازنة الحكومة الاتحادية وفقا لتعداد سكاني رسمي لا يتجاوز ثلاثة ملايين ونصفَ المليون نسمة.

وهذا ما يعتبره محافظ المدينة إجحافا هو أساس تراجع الخدمات إلى مستواها الحالي.

فالدولار الواحد من ثمن كل برميل نفط تصدّره المحافظة احتُسب على اساس سعر المئة دولار للبرميل الواحد. أما وقد تجاوز السعر العالمي عتبة المئة وأربعين دولارا فقد أصبحت حصة البصرة لا تتجاوز أكثر من ثلاثة في المئة مما يدرّه نفطها من واردات.

وتسعى سلطات المحافظة لزيادة تلك الحصة إلى حدود الخمسة في المئة. أضف إلى ذلك أن الشركات المستثمرة في قطاع إنتاج النفط اختارت مع الزمن أن تتناسى البنود التي تنص عليها العقود الموقعة والتي تلزمها بإعادة جزء من أرباحها لتصب في مشاريع انماء المحافظة وتعويضها عن الأضرار البيئية التي تلحق بها، كما تناست الدولة واجباتها في متابعة تلك العقود وتنفيذ كامل بنودها.

ثاني أكبر مدينة في العراق يربط بين شطريها جسر واحد باتجاهين. ولكن جسورَ العبور من دورة العنف التي عصفت بالبصرة بعيد سقوط نظام البعث كان ثمنَها غيابَُ أية معارضة سياسيّة للقوى المتمثلة بحزب الدعوة وحلفائه من الصدريين والمجلس الأعلى.

الأشغال الجارية لإنشاء أربعة عشر جسرا عبر أرجاء مدينة البصرة وحدها يتناوب عليها العمال طوال اليوم. أبرز تلك الجسور واحد يعبر شط العرب على ارتفاع خمسة وثلاثين مترا ليشكل علامة فارقة.

وشركة الإنشاءات عازمة على تسليمها جميعا في وقت واحد بحلول الشهر الثامن من هذا العام.

عبدالله عويز الجبوري مدير شركة "نوار سورا" التي التزمت ثمانية من تلك الجسور إضافة إلى المدينة الرياضية يعتبر أن الحل الوحيد لفك أزمة البصرة البنيوية والتنموية هو في بسط المدينة إلى ما وراء حدودها الحالية باتجاه أراض نظيفة تصلح للاستثمار الإسكاني.

مدن اضافية

ويقترح، باختصار، إنشاء مدن إضافية محاذية للمدينة الحالية، وهو ما يتطلب استعادة مساحات شاسعة من الأراضي التي تمتلكها شركات قطاع النفط بموجب قانون قطاع النفط والغاز الذي لم يدخل عليه تعديل يذكر في هذا الاتجاه.

اما المدينة الرياضية التي كانت موضعَ أخذ وردّ بعد انتزاع الدورة الخليجية من البصرة ومنحها إلى البحرين فلا تبدو بالجاهزية التي صورها المسؤولون العراقيون عندما اعتبروا قرار حجب الاستضافة عن البصرة قرارا سياسيا لا قرارا فنيا.

وبدأت الاستثمارات الأجنبية التي غادرت تبحث لها عن فرص للعودة إلى البصرة. المصانع المتوقفة منذ عشرات السنين تنتظر من ينفض غبارها لتجديد شبابها ومعالجة أزمة بطالة تعتصر شباب المدينة بكافة انتماءاتهم.

وأولى تلك العروض كانت من شركات فرنسية وإسبانية وتركية يُتوقع أن تدر على المدينة المليارات من العملات الصعبة.

الا ان محافظ البصرة يعتبر أن الإصلاح الإداري من شأنه أن يعالج مشكلة الإنماء عن طريق لا مركزية إدارية تعيد إلى المحافظة جزءا من صلاحيات هي حتى الآن بيد الحكومة المركزية، وهو ما يؤخر عجلة المشاريع العديدة التي تحتاجها المحافظة.

ويأمل المحافظ خلف عبد الصمد أن يكون منح البصرة صفة العاصمة الاقتصادية للعراق مدخلا إلى تحقيق ذلك.

البصريون الذين يحلمون بعودة مدينتهم إلى سابق عزٍّ عايشه معاصرو الفراهيدي من الأجيال الغابرة يودّون لو تحقق أمام أعينهم ما يؤكده المسؤولون المحليون من أن مدينتهم تسير بخطى واثقة نحو ذلك الهدف.

ولكنهم يدركون في الوقت ذاته أن الحداثة والديمقراطية صنوان لا ينفصلان، وأن انتقال البصرة لتكون عاصمةً اقتصادية أم إقليما ضمن فدرالية ليست هدفا في حد ذاته بل مجرد بداية مشوار طويل.

المزيد حول هذه القصة