أصداء اول مناظرة تلفزيونية في انتخابات الرئاسة المصرية

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

تباينت ردود أفعال المهنيين والسياسيين والمواطنين المصريين حول أول مناظرة تليفزيونية في تاريخ مصر والعالم العربي بين مرشحين رئاسيين، فمنهم من رأها "غير مسبوقة ولكنها انتقائية" ومنها من أكد على افتقارها إلى ضوابط ومعايير إعلامية واجبة في مثل هذه المناظرات.

بينما لم تزل الحيرة عند رجل الشارع المصري الذي لم يعتد على مشاهدة مناظرة تلفزيونية والذي لم يتمكن من حسم موقفه بين ضيفي المناظرة عمرو موسى و عبدالمنعم أبوالفتوح بعد ان ظلت حججهما في النقاش متقاربة ولم يوجه أي منهما "ضربة قاضية" للأخر.

ولعل هذه التجربة أتاحت أيضا أمام خبراء العلوم السياسية والإعلامية والاجتماعية الفرصة لنقد وتحليل الجوانب المختلفة للمناظرة بشيء أكثر عمقا.

يقول محمد شومان عميد المعهد الدولي للإعلام بالقاهرة إن هذه المناظرة أحدثت صدى واسعا في مصر والعالم العربي كحدث غير مسبوق، لكنه يرى أنها افتقدت للعديد من الضوابط والمعايير المعمول بها في المناظرات الرئاسية، وبالتالي كان هناك اهتمام كبير بالترويج الإعلامي وبالشكل على حساب الآليات والمضمون.

ويضيف شومان أن أية مناظرة يعقبها في الغالب استطلاع للراي العام لمعرفة مدى التغير في شعبية المرشحين المتناظرين، وهذا لم يحدث لأننا كنا فقط أمام مشاعر عامة تقيس اتجاهات مسبقة، ولم يتحقق الهدف من المناظرة والذي يعتمد في جوهره على مساعدة المترددين من الجمهور في حسم أصوات.

غياب المعايير

ويرى شومان أن المناظرة افتقدت أيضا لمعايير الحياد، ولم تحقق العدالة بين كل المرشحين لأننا لم نعرف مسبقا على أي أساس تم اختيار عبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى بالتحديد لهذه المناظرة الأولى من نوعها، وكان من المفترض، بحسب شومان، أن تجمع المناظرة بين بقية المرشحين في لقاء واحد، أو على الأقل أن تستضيف المرشحين الذين حصلوا على نسبة محددة في ثلاثة استطلاعات للرأي العام على الأقل.

وأشار شومان إلى أنه لا يثق كثيرا في نتائج استطلاعات الرأي في مصر نظرا لحداثتها وعدم وجود تقاليد تحكم العمل المهني في هذا المجال، وقال أننا لذلك نلحظ التفاوت والتناقض الغريب في نتائج العديد من استطلاعات الرأي المنتشرة في وسائل الإعلام المحلية.

والمتفق عليه عالميا، كما يقول شومان، أن تكون المناظرة في حضور جمهور كبير بمشاركة الإعلاميين والطلبة، وأن الجمهور هو الذي يشارك بالنصيب الأكبر في طرح الأسئلة، وهو ما لم يحدث في المناظرة الرئاسية الأولى في مصر والتي تمت دون جمهور.

الأمر الآخر الذي يراه شومان هو أنه لا توجد هناك مناظرات في العالم تستمر لأكثر من أربع ساعات، ويرى أن هذه علامة قلق وخطر لأنها استباحت حق الجمهور من جانب الإعلانات والدعاية من جهة، وأثقلت عليه من جهة أخرى ليواصل مشاهدة المناظرة بالكامل.

شركات الدعاية والإعلام الخاص

ويرى شومان أن هناك مشكلة أخرى، وهي أن شركات الدعاية والإعلان التي روجت للمناظرة بشكل كبير، وكذلك القنوات التلفزيونية الخاصة هي التي أدارت المناظرة وخاصة فيما يتعلق بتوقيت عرضها، وتحديد الأسئلة المطروحة فيها، وتحديد المدة الزمنية لها، وكذلك المرشحين المشاركين فيها.

مصدر الصورة AFP
Image caption أحدثت المناظرة صدى واسعا في مصر والعالم العربي كحدث غير مسبوق

ويؤكد أيضا أنه كان يفترض أن تكون هناك جهة محايدة تتولى إدارة المناظرات الرئاسية، فمثلا في الولايات المتحدة تسند إدارة المناظرات لهيئة مستقلة تضم عددا من أنصار الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي، وتدار المناظرات وفقا لمعايير موضوعية محددة، حيث تجرى المناظرة عادة بين الحاصلين على 15 في المئة من الأصوات في خمسة استطلاعات للرأي العام.

ويعتقد أنه كان الأولى أن يقوم بذلك التلفزيون المصري حتى يصل هذا اللقاء المهم لكل بيت مصري، أو أن تقوم به جهة محايدة تضع جدولا لاستضافة عدد أكبر من المرشحين وفقا لمعايير محددة مسبقا.

ويقول سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إن هناك تحالفا بالفعل بين رأس المال والإعلام من جهة والسلطة من جهة أخرى لكن السؤال هو: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر ذلك في الرأي العام لدرجة تغيير القناعات لدى جمهور الناخبين؟ ويعتقد أن المناظرة ربما تكون قد حققت مكسبا لمرشحين آخرين استفادوا من غيابهم عن مثل هذه المواجهة القوية بين اثنين من المرشحين المتنافسين.

يشار إلى أن قناتي أون تي في ودريم المملوكتين لرجلي الأعمال نجيب ساويرس وأحمد بهجت اشتركتا في انتاج هذه المناظرة برعاية جريدتي المصري اليوم والشروق.

وكان ساويرس قد أعرب في تصريح له قبل المناظرة عن دعمه لموسى وتمنى له التوفيق على أبو الفتوح.

ويقول صادق إن المجتمع المصري تغير كثيرا، وأصبح من الصعب أن يكون هناك الرئيس المقدس، بل أصبح الرئيس موظفا يسعى لإرضاء الشعب، وأصبح هناك إعلام قوى ورأي عام مؤثر وجمهور يتابع عن قرب ويستطيع أن يحكم على أداء الرئيس بل ويحاسبه على هذا الأداء.

بينما يرى سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون للدراسات السياسية والاجتماعية أن التحالف الإعلامي الذي تم بين قناتي دريم، وأون تي في، وجريدتي المصري اليوم والشروق، كان سابقة ايجابية لها مدلول مهم على أنه حينما يكون هناك حدث قومي كبير تأخذ وسائل الإعلام منهج التعاون أكثر من منهج التنافس.

ويضيف أن قضية تزاوج رأس المال والسلطة موجود حتى في الغرب وفي أمريكا لكن المهم هو أن يخضع ذلك للرقابة وأن يتم تقيمه بشكل دوري، كما ذكر ابراهيم أن حصيلة الاعلانات التي سبقت وصاحبت الترويج للمناظرة بلغت نحو 45 مليون جنيه مصري، ولكنه يرى أن الظاهرة في مجملها ايجابية وينبغي تشجيعها والاستفادة منها.

المجتمع المصري تغير

مصدر الصورة AFP
Image caption حضر المرشحان وغاب الجمهور المباشر في المناظرة.

ويقول صادق إنه لأول مرة في مصر تنزع صورة القداسة عن الرئيس المصري، وأن يكون هناك العديد من المرشحين الذي يتنافسون على اثبات أيهم سيخدم الشعب ويلبي طموحاته ويرتقي بالوطن.

ويرى صادق أن الأثر العام لمثل تلك المناظرات هو إعطاء المواطنيين المصريين وجبة سياسية دسمة وتوعية سياسية هامة لأن الترويج الإعلامي السابق كان كبيرا وبدت المناظرة وكأنها مباراة كرة قدم مرتقبة.

ويقول أن كان كل مرشح حاول كسب المزيد من المؤيدين وخاصة من الفئات التي لم تكن قد قررت من ستختار رئيسا للبلاد.

ويضيف أيضا إن من سلبيات المناظرة أن الطرفين حاولا التعرض لمواقف سابقة للآخر، وبدا المشهد حادا وظهرت بعض الانفعالات وخاصة من عمرو موسى حينما حاول كل طرف أن يدافع عن مواقفه ويهاجم مواقف المرشح المنافس.

تجربة وليدة

ويقول د. سعد الدين ابراهيم إن عشرات الملايين من المشاهدين حرصوا على متابعة هذه المناظرة التي تحدث للمرة الأولى في تاريخ مصر.

كما يرى أن المناظرة كانت ايجابية جدا وأنه كان سعيدا بقيام مقدمي البرنامج بتوضيح المعايير التي اعتمد عليها فريق العمل في اختيار المرشحين.

ويضيف ابراهيم أن الاهتمام بالسياسة في السابق كان محدودا جدا، وربما لم يتجاوز 5 في المئة من الشعب المصري، ولكن المناظرة استطاعت أن تجتذب عشرات الملايين من المشاهدين، وأن معدي البرنامج عرضوا لقطات لأول مناظرة تمت في أمريكا عام 1960 بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون، وكانت هذه إشارة تربط المشاهد المصري بالدائرة العالمية الأوسع، وأن ما يحدث في مصر له جذور في أماكن أخرى وأن ذلك كسر حدة العداء تجاة الجانب الأمريكي.

ويرى صادق أن من ايجابيات هذه المناظرة أن الإعلام لعب دورا كبيرا للترويج المسبق لها مما أتاح للمواطن العادي الذي ربما لم تكن لديه فرصة لمتابعة برامج المرشحين أو التعرف عليهم أن يعمق معرفته بهم عن قرب.

ألمح ابراهيم إلى أن هناك استفادة من التاريخ السياسي الأمريكي رغم ما قد يبديه البعض من عداء أو شكوك تجاه الولايات المتحدة.

ويرى إبراهيم أن الديموقراطية شأنها شأن السوق السياسي الذي يقام في مثل هذه الانتخابات وأن الجمهور تتاح له الفرصة للاختيار وكذلك لتقيم اختياره فيما بعد.

المزيد حول هذه القصة