اصوات الاعتدال في سوريا، مطوقة في الوسط

امرأة الثوب الاحمر مصدر الصورة BBC World Service
Image caption وقفت ريم وحيدة في شارع مزدحم تدعو الى وقف القتل

وقفت في دمشق الشهر الماضي شابة لوحدها وسط شارع مزدحم خارج البرلمان السوري (مجلس الشعب)، مع رايتها التي رفعتها والتي بدت بحجمها تقريبا، مكتوب عليها "اوقفوا القتل".

كان المارة يقفون ويعبرون عن تأييدهم وثنائهم لها، لكن السلطات الحكومية اعتقلتها.

هذه الشجاعة الفردية "للمرأة بالثوب الاحمر" سجلت في لقطات فيديو، فتحولت الى قضية اكبر واوسع، حيث شرع آخرون في تقليد جرأتها وشجاعتها الفريدة.

تقول ريم دالي، بصوت ناعم جدا: "بدأ الموضوع كصرخة غضب فردية، لكنها انتشرت بسرعة، بل ان من يدعم النظام انضم الينا، لاننا جميعا نريد وقف الاقتتال، وبناء سوريا تضم جميع السوريين".

بعد وقت قصير من لقائي لها، اعتقلت ريم دالي مجددا اثناء حضورها تجمعا تأبينيا لضحايا التفجيرين القويين اللذين ضربا دمشق الاسبوع الماضي، وخلفا عشرات القتلى ومئات الجرحى.

انقسام خطير

الانقسام في سوريا خطير، والاصوات المعتدلة تغرق وسط ضجيج وصخب الاصوات الاعنف والاعلى التي تجتذب الانتباه، هذا الاصوات موجودة بين طرفي الصراع.

داخل مكتبه الجديد المطل، بمنظر بانورامي، على العاصمة دمشق، يأمل الصحفي زيد حيدر في افتتاح فرع القناة الفضائية الجديدة، قناة الميادين، التي تتخذ من بيروت مقرا لها.

يقول زيد حيدر: "بدأت التهم تلصق بنا لاننا، في تقديري، حصلنا على ترخيص من الحكومة السورية، لكننا نرد ان نقدم شيئا مختلفا، فنحن ضد التدخل الاجنبي، وضد الحل العسكري، سواء من هذا الجانب او ذلك".

وردا على سؤال حول ما اذا يعتقد ان هناك مساحة سياسية لتقديم شيء مختلف، قال زيد حيدر ان هذا ليس من اولوياته حاليا.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption حيدر يقول ان الناس قد تشكك بقناتهم لانها رخصت بسوريا

واضاف ان "تذوق القهوة في الصباح لم يعد كما كان في الماضي، الامر ليس حول ما تفعله او ما تنجزه في هذا اليوم او غيره، بل حول ما اذا ستصل الى بيتك سالما".

البعض يخاف التفجيرات، والبعض الآخر يخشى الاعتقالات، ففي حملة تمشيط واسعة، رفعت السلطات السورية من وتيرة الاعتقالات والاحتجازات لعدد من المثقفين والناشطين، العديد منهم لا علاقة له بتلك الاحتجاجات.

"لا تلومونا"

يرد احد المسؤولين الحكوميين المدافعين عن حملة الاعتقالات بالقول: "هل تلومونا عندما نكون تحت تهديدات من هذا النوع".

لكن تلك الحملة طرحت عدة تساؤلات حول التزام دمشق بالاصلاح، اذ يقول دبلوماسي اوروبي في دمشق: "تواجه الحكومة السورية مصاعب اكبر في التعامل مع المعارضة السياسية مقارنة بالمعارضة المسلحة، ونحن في انتظار ان نرى دلائل على رغبة حقيقية في التغيير".

حملة الاعتقالات تلك تأتي في وقت تتزايد فيه جهود الامم المتحدة لمحاولة دفع هذا البلد المنقسم نحو الحوار السياسي، لكنها لن تجد ذلك النوع من الاصوات المستقلة التي غيبتها السجون والاعتقالات، وصاروا ابعد من مرمى المنظمة الدولية.

فايز سارة كان يعتقد بمصداقية التعهدات الحكومية، وحضر العام الماضي مؤتمر الحوار الوطني الذي نظمته الحكومة.

"العنف لا يولد الا العنف"

لكن عندما زرته في مكتبه كان الحزن والاكتئاب قد سيطرا عليه، ففي الاسبوع الماضي اعتقل ابناه في السادسة صباحا، ومنذ ذلك الحين لم يسمع عنهما شيئا.

يقول فايز سارة، بتنهيدة عميقة ودمعة خجولة خفية: "الامر لا يتعلق بابنائي فقط، بل بزملاء قضوا، مثلي، وقتا في السجن، وفقدوا بعضا من افراد اسرهم واقاربهم".

وردا على سؤال حول ما اذا كان قد فقد الامل في حل سلمي للازمة، قال فايز سارة: "العنف لا يولد الا العنف، والدم لا يؤدي الا الى مزيد من الدم".

ويضيف: "ربما احتاج الامر الى اكثر من الاحتجاجات السلمية لتغيير النظام، لكن في الوقت الحاضر اعتقد ان الاحتجاج السلمي هو الحل الامثل".

لكن الامر على الارض مختلف، فالطرفان، الحكومة والمعارضة، متهمان بانتهاك الهدنة التي بدأت منذ شهر بوساطة الامم المتحدة.

قلق متزايد

فقوة وتعقيد التفجيرين المنسقين في دمشق الاسبوع الماضي اعطي مزيدا من المصداقية الى تقارير استخبارية تشير الى ان جماعات مسلحة، ربما يكون منها تنظيم القاعدة، تحاول استغلال الفوضى الحالية لصالحها.

الصحفي زيد حيدر يقول ان "هناك طرف ثالث لا يريد حلا سياسيا للازمة، وانا سأكون قلقا جدا اذا تبين ان الدولة ليست من القوة بحيث تستطيع التعامل مع حالات كهذه. على الجانبين التصرف بحكمة".

الحديث مع السوريين من الذين ما زالوا يؤيديون الموقف الحكومي من الاصلاحات يظهر وجود قلق متزايد حول مستقبل بلادهم.

فقد قال مسؤول حكومي، طلب ان يبقى اسمه سرا وان يكون حديثه غير رسمي، في تعليقه حول التغيير، انه "من الصعب ان يطوق الانسان في الوسط، فالبلطجية من كلا الطرفين يستغلون الظروف الحالية".

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption فايز سارة لا يعلم شيئا عن ابنيه اللذين اعتقالا في الصباح الباكر

لكن ناشطة اطلق سراحها من السجن حديثا رفضت تماما فكرة ان هذا يفضي بالضرورة الى حرب اهلية في سوريا.

تقول امرأة اسمها ليلى ان "السلاح يبدو الصوت الاعلى، لكن الاحتجاجات بالتأكيد سلمية اكثر من كونها مسلحة".

وتضيف ان "التقديرات تقول ان الجيش السوري الحر المعارض يعد بالآلاف، وربما بعشرات الآلاف، لكن هناك مئات الآلاف من الناشطين، الى جانب الناس المؤيدين للثورة لكنهم لا يتخذون مواقف ناشطة".

تقول ريما دالي: "نحن ننظر بأمل كل يوم. الامل ليس امرا مجردا او افتراضيا بالنسبة لنا، وعندما نساعد بعضنا يعتبر هذا امل، وعندما نحاول فتح حوار وبناء جسور مع الناس من ذوي الآراء المختلفة، يعني ان لدينا امل".

التحدي الآن يتمثل في قدرة هذه الاصوات المتأملة المعتدلة، التي تتبنى آراء وافكار متباينة، على ايجاد مساحة وحضور وسط موجات الصخب والعنف والمواجهات والمعارك.