"اضطراب الفيل" الأكاديمي أمام "الربيع العربي"

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption بدا مؤتمر جامعة أكسفورد محاولة لفهم مجريات "الثورة المصرية"، (تصوير ماريا بتكوفا)

"لن يثور العالم العربي ... لأن فعل (ثار) في اللغة العربية يعني حركة الجمل ... عندما يريد ممارسة الجنس."

ربما تبدو هذه الكلمات التي كتبها عالم السياسة الشهير برنارد لويس قبل 40 سنة متطرفة في موقفها من العرب، لكنها تعكس حال عالم الأكاديميا في العصر الحديث.

فالكثير من الكتاب والباحثين تركوا العرب في وضعية "ثبات" دون تغيير في مواجهة الاستبداد أو تقبل الديمقراطية أو التعايش مع الغرب.

وما عدا ذلك من ثبات، كانت الحركة ضيقة في نطاق ما وصفه الأكاديمي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد "شغبا أكاديميا".

قفز هذا الجدل في ذهني أثناء رحلتي من لندن لحضور مؤتمر مهم عن "الثورة المصرية" نظمته الدكتورة ريم أبو الفضل من قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد البريطانية الشهيرة ، لكن طغت على الجدل إثارة قرب الإجابة على الأسئلة:

هل يتغير موقف الأكاديميا الغربية من العرب بعد قيام ثوارت في دول ذات أنظمة مستبدة مثل مصر وليبيا وتونس؟

وهل يعتذر الأكاديميون أنفسهم عن خيبة توقعاتهم بعدم حدوث الثورة؟

"لا رؤية مستقبلية"

حضور جلسات المؤتمر يعكس تغيرا في موقف الأكاديميا بالفعل.

غاب سيل التوقعات عن العالم العربي ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما كانت الحال في المؤتمرات السابقة للثورات العربية.

وبدلا من كشف المستقبل اتجه المؤتمرون إلى محاولة "أكثر تواضعا" حيال الماضي والحاضر لفهم حقيقة ما حدث مع الاعتراف بالفشل أمام "الربيع العربي."

جون شالكرافت، أحد أبرز الأكاديميين بجامعة لندن للاقتصاد قال إنه يجب أن "نعترف بأننا فشلنا في توقع حدوث ثورات عربية أو التفكير بذلك."

مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، اتفق بالقول: "توقعنا، عن خطأ، استمرار الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في المنطقة... ".

أما هبة رؤوف، من جامعة القاهرة أيضا، فقالت إن فشل الأكاديميا في فهم الثورات العربية "يكفي لأن يجعل الكثير من علماء السياسية عاطلين عن العمل".

"نظريات جديدة"

الواضح، من فعاليات المؤتمر، هو سعي الأكاديميين الحاضرين لطرح نظريات وطرق بحث جديدة لدراسة "الربيع العربي" بعيدا عن النظريات القديمة المستوحاة من الفلسفة الغربية.

عمرو عثمان، من جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، قال إن "النظريات البنوية" التي اتبعها علماء الغرب مثل ميشيل فوكو لم تعد مناسبة لفهم الثورات العربية أو توابعها.

واعتمد عثمان في بحثه على فهم العالم العربي عبر مفكريه العرب، ليركز في بحثه عن مصر على حوارات مع يحيى الجمل وفاروق جويدة وعبدالحليم قنديل وغيرهم.

جون شالكرافت، المحاضر بجامعة لندن للاقتصاد، ذهب إلى أمريكا اللاتينية لفهم ما يحدث في العالم العربي عبر نظرية "الأفقية" التي تعني احتجاج مجموعات من البشر دون قائد ودون هدف الوصول إلى الحكم بل لممارسة الضغط على أهل السياسية.

"الماركسية .. الكنزية ... الإسلام السياسي، كلها نظريات لم تعد صالحة لفهم ما يحدث".

أما هبة رؤوف عزت فقالت إن التوصل إلى النظريات الجديدة "يحتاج إلى وقت،" وقالت إنها توقفت عن النشر لسنوات إحساسا منها بالمسؤولية إتجاه واقع "لا يمكن تفسيره عبر الأدوات الحالية للبحث".

لكن "العادات القديمة تموت بصعوبة"، كما يقول المثل الانجليزي

"حرب أهلية"

فرغم تنبيه رؤوف الى أن "أدوات البحث" ليست كافية للتحليل أو التوقع، دخلت في باب التوقع بخصوص الشأن المصري.

فوسط حالة التسلح بين الأشخاص في مصر، توقعت الأكاديمية المصرية "إما حربا أهلية، أو إحلال السلام من منطلق أن الجميع مسلح."

مصطفى كامل السيد لم يتوقف أيضا عند التوقعات: "الانتخابات لن تؤدي إلى حل المشكلة … إذا فاز الإسلاميون فسيمتعض غير الإسلاميين وإذا فاز غير الإسلاميين فسيمتعض الإسلاميون."

"جديد العالم العربي"

مع نهاية المؤتمر، توصل الكثير من الحاضرين أن الأكاديميا ستشهد حالة من الانتعاش بعد ركود طويل سادته "نظريات نمطية" عن العالم العربي.

فآدم هنية، من جامعة لندن، عبر في بحثه عن رغبة في فهم تأثيرات علاقة الاستثمارات الخليجية بالسياسات المتبعة في مصر قبل تنحي الرئيس السابق حسني مبارك وبعده.

أما ماري ديبوش، وهي باحثة فرنسية، فعبرت في ورقتها عن الرغبة في فهم احتجاجات العمال في مصر التي مازالت "محلية ومنقسمة".

روبرت ولترينج، من جامعة أمستردام" شدد على ضرورو فهم ظواهر جديدة مثل "الألتراس".

وانعكس ذلك في عنصر من "التجديد" الذي بدأ في المؤتمر، وكأن الحاضرين والباحثين لم يشهدوا هذا المناخ الجديد من قبل بتعبيراته وتشبيهاته.

فهبة رؤوف شبهت ما حدث في الأيام الأولى للاحتجاجات على حكم مبارك بأنها "نجاح في جعل الفيل يضطرب" في إشارة إلى إرهاق قوات الأمن عبر تغيير مكان الاحتجاج وتوقيتاته.

أما هبة الله سالم، من الجامعة الأمريكية، فخصصت بحثها عن النكات التي أطلقها المصريون قبل تنحي مبارك وبعده.

وتعدد هبة بعض النكات التي ينخرط الجمهور في الضحك عليها، روح مرح جديدة في قاعات المؤتمرات عن الشرق الأوسط بعيدا عن جدية عناوين مؤتمرات الماضي أمثال "العلاقة بين الإسلام والديمقراطية" و "مناخ الاستبداد" و "الإرهاب وأسامة بن لادن".

المزيد حول هذه القصة