تحليل: هل تتمكن سوريا من تجنب الانزلاق الى حرب اهلية كارثية؟

سوريا مصدر الصورة BBC World Service
Image caption قتل 108 في الحولة

يحاول العالم الخارجي، الذي ارعبته مجزرة الحولة وغيرها من اعمال العنف التي تشهدها سوريا يوميا، ايجاد طريقة ما لتجنيب البلاد خطر الانزلاق الى حرب اهلية كارثية عن طريق عملية سياسية ما زالت مبهمة المعالم.

ولكن رغم خيبة الامل الكبيرة التي يشعر بها المجتمع الدولي ازاء تطور الاوضاع في سوريا، ما زال يؤمن بأن الحل الوحيد يكمن في خطة السلام التي تحمل اسم مبعوث الامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان - وهي الخطة التي لم تحقق الا قدرا متواضعا من النجاح رغم التأييد الذي تتمتع به من جانب العالم بأسره بما فيه، نظريا على الاقل، النظام السوري ذاته.

مع ذلك، فشلت الى الآن المحادثات التي اجراها عنان الثلاثاء مع الرئيس السوري بشار الاسد في دمشق في الاتيان بأي اشارة الى "الخطوات الجريئة" التي قال إنه يتوقع ان يتخذها الرئيس السوري للبرهنة على سعيه الجدي لتطبيق خطة السلام ذات النقاط الست.

وبلغ القنوط والاحباط حدا بعنان لدرجة انه تجنب الاشارة الى ضرورة ان تتقيد المعارضة السورية بخطته عندما كرر - في بيروت بعد ايام ثلاثة من لقائه بالاسد - ضرورة ان يتخذ الرئيس السوري الخطوات الجريئة التي يطالبه باتخاذها.

فقد كان واضحا ان هدف عنان هو اقناع النظام، وهو الطرف الاقوى في المعادلة السورية، باتخاذ خطوات كبيرة لحقن الدماء منها سحب قواته واسلحتها الثقيلة من المراكز السكانية، وهي خطوة كان من المفترض ان ينفذها النظام منذ اسابيع باعتبارها الخطوة الاولى لتنفيذ الخطة على الارض.

ولكن شيء من ذلك لم يحدث، رغم التعهدات المكتوبة التي بعثت بها الخارجية السورية لعنان في ابريل / نيسان الماضي بأن دمشق قد اوفت بكافة التزاماتها.

يخشى النظام السوري من ان يعمد المسلحون المتمردون الى ملء الفراغ الذي يشكله انسحاب جيشه من المدن، مما سيؤدي الى فقدانه السيطرة على اجزاء كبيرة من البلاد.

بعبارة اخرى، وكما بينت ذلك الاحداث المتتالية على الارض، لا يستطيع النظام تنفيذ اي بند يتضمن سحب قواته من المدن لأن في ذلك هلاكه المحتم.

لم يبق ذلك لعنان سوى محاولة اقناع النظام بأن المعارضة ستحترم وقف اطلاق النار، وان الدول التي تزودها بالاسلحة ستمتنع عن ذلك.

وهذا السبب كان وراء الزيارات التي قام بها عنان - عقب زيارته الاخيرة للعاصمة السورية - الى عدد من الدول المجاورة، حيث تركزت المحادثات التي اجراها في هذه الدول على ضرورة وقف تهريب الاسلحة عبر الحدود.

ولكن، نظرا لشراسة المواجهة الدائرة في سوريا، يبدو ان المهمة التي يسعى عنان من اجل تحقيقها محكوم عليها بالفشل.

الدور الروسي

العنصر الغائب من المعادلة السورية في الوقت الراهن هو الضغط الذي مارسته روسيا بنجاح على دمشق لاجبارها على القبول بخطة عنان بالاساس، وللتخلي عن الشروط التعجيزية التي وضعتها لقاء تنفيذ الخطة اول الامر.

فبالرغم من الضغوط الدولية المتصاعدة عليهم عقب مجزرة الحولة، ما زال الروس يجادلون ضد فكرة فرض عقوبات اكثر شدة على النظام السوري.

ولكن عرقلة هذه الجهود تجعل موسكو مسؤولة عن ضمان امتثال النظام السوري لخطة عنان التي يقول الروس إنها السبيل الوحيد لاحراز اي تقدم.

اما اذا كان الوضع في سوريا يتدهور فعلا نحو التشرذم والحرب الاهلية، سيتوجب على روسيا الاختيار سريعا بين محاولة الاتيان ببديل للنظام السوري الحالي بأمل انقاذ ما يمكن لها انقاذه من نفوذ، وبين الاستمرار في دعم النظام الحالي مهما كانت العواقب.

اما فيما يخص الموقف على الارض، فيبدو ان ثمة تغيرا قد بدأ بعد اشهر من الجمود بين انتفاضة لا تريد الاضمحلال من جهة ونظام راسخ من جهة اخرى.

فللمرة الاولى، يلحظ المرء ان التجار السنة في اسواق دمشق - الذين كانوا الى وقت قريب من اقوى مؤيدي النظام - عمدوا منذ ايام الى اغلاق محالهم واعلان الاضراب احتجاجا على مجزرة الحولة رغم محاولات ازلام النظام اجبارهم على فتح محالهم التجارية.

يشير هذا الى ان خليطا من الانهيار الاقتصادي والمجازر الطائفية قد نجح في نقل العصيان الى قلب العاصمة ومركز قوة النظام.

اجراس انذار

يقول بعض اهالي دمشق إن رجال "الشبيحة" باتوا اكثر ظهورا ويلعبون دورا قمعيا واضحا في مركز العاصمة، وانهم بدأوا بارتداء زي شرطة مكافحة الشغب. ويقول هؤلاء إن الشبيحة بدأوا - من خلال تصرفاتهم الوحشية وتدخلاتهم الفجة - باستعداء الطبقة الدمشقية الوسطى.

وفي الواقع، فإن احساس النظام بالضعف واستعداده للرد بعنف قد يكون قد ازداد اذا ثبتت صحة التقارير التي تحدثت عن قيام متسلل من المعارضة بدس السم لعدد من كبار مسؤوليه - بمن فيهم نسيبه آصف شوكت - اثناء اجتماع امني الشهر الماضي.

فبالرغم من نفي النظام لهذه التقارير واستخفافه بها، ما زالت بعض الدوائر تعتقد بصحتها.

ومهما كان الامر، فإن مستوى العنف في سائر مناطق البلاد قد عاد - او حتى تجاوز - مستواه عند البدء بتطبيق خطة عنان في الثاني عشر من ابريل الماضي.

ومن شأن الاحداث الاخيرة، كمجزرة الحولة وغيرها من الفظائع المنسوبة للشبيحة - الذين ينحدرون من الاقلية العلوية التي ينتمي اليها الرئيس الاسد - تعزيز الجانب الطائفي لانتفاضة قام ويقوم بها افراد الطبقات الفقيرة من الاغلبية السنية.

وهذا هو السبب الذي يدعو الى دق اجراس الانذار بقوة في شتى العواصم العالمية.

فالجميع يدركون انه لو تدهور الوضع في سوريا، ذات العديد من الطوائف والمجموعات الاثنية، الى حرب طائفية مفتوحة، سيؤدي ذلك - وكما حذر بان كي مون الامين العام للامم المتحدة - الى "اندلاع حرب اهلية لن تتعافى منها البلاد ابدا."

والنموذج لذلك شاخص امام السوريين: لبنان، البلد الجار الذي يشترك مع سوريا في تنوعه الديني والعرقي، والذي شهد حربا اهلية دامت 15 عاما ما زالت تهدد بالاندلاع ثانية.

فاذا جرى الامر نفسه في سوريا، سيكون لذلك عواقب لا يمكن حسابها ليس للبلد وحد فحسب بل للمنطقة بشكل عام.

وهذا هو سبب توجس زعماء العالم، ولكنهم عاجزون عن ايقاف عجلة الاحداث من الدوران نحو قدرها المحتوم.