مصر: تساؤلات حول الكشف عن وثائق مهمة لأمن الدولة بعد عقود من السرية

مصر مصدر الصورة AFP
Image caption الوثائق في عهدة الجيش والمحققين ولا يتوقع الافراج عنها

كان لجهاز أمن الدولة المنحل في مصر أساليبه الشهيرة لمراقبة المواطنين.

فعندما اقتحم متظاهرون مقار الجهاز في شهر مارس/اذار من العام الماضي، ظهرت عشرات الآلاف من الملفات والوثائق السرية التي كانت في متناول المقتحمين، وجمعها الجيش بعد ذلك.

اللحظة كانت مشابهة لاقتحام سجن الباستيل في فرنسا.

وعندما سمع المتظاهرون شائعات بأنه يجري التخلص من هذه الملفات في مقار أمن الدولة، سارعوا لاقتحامها من أجل إنقاذ الوثائق.

واكتشف بعضهم غرف اجتماعات بها هواتف مطلية بالذهب وأرضيات من الرخام وسجون تحت الأرض.

وسرعان ما عثروا على ملفات معظمها ممزقة إلى قصاصات بيضاء صغيرة، ويظهر أنه جرى التخلص منها منذ وقت قصير.

وفي هذه الليلة، أظهر تسجيل فيديو مصور بواسطة هاتف نقال أحد المتظاهرين يحمل آلة تعذيب قال إنها استخدمت في تعذيبه.

وأضاف: "إنها مثل آلة الشواء، كانوا يعلقونني ثم يمر التيار الكهربائي خلالها".

وشكل بعض المتظاهرين سلاسل بشرية حول الملفات السليمة حتى وصول وفد من القضاة للاطلاع عليها وتسليمها للجيش.

وتم إخبارهم أن تحقيقا رسميا بدأ بشأن هذه الملفات، ولكن لم يعلن عن أي نتائج بعد مرور عام، ولا تزال الملفات تحت سيطرة الجيش.

ولكن ليس جميعها.

متظاهر عثر على ملفه

محمد عبد الحكيم دياب، صحفي يبلغ من العمر 71 عاما، كان بين المتظاهرين الذين اقتحموا مقر جهاز أمن الدولة في مدينة السادس من أكتوبر التي تبعد 30 كيلومترا عن القاهرة.

مصدر الصورة
Image caption عثر الصحفي المصري على ملفه في مباحث امن الدولة

كان لدى السيد دياب سببا شخصيا للذهاب إلى هناك، حيث كان تحت المراقبة منذ أربعين عاما أثناء تولية قيادة منظمة شبابية اشتراكية.

وغادر دياب مصر إلى منفى اختياري حيث عمل صحفيا في بريطانيا، وعاد إلى مصر فقط بعد تنحي الرئيس السابق حسني مبارك.

وفي مفاجأة كبيرة، وجد دياب الملف السري الخاص به في المبنى.

وقال دياب متحدثا عن هذه اللحظة: "بينما كنت أسير داخل المبنى، تعرف بعض الأشخاص علي وأخبروني أنهم عثروا على ملف يحمل اسمي، كان أمر لا يصدق، وغادرت المبنى سريعا لأخذ نسخة من الملف ثم سلمته إلى قوات الجيش".

واصطحبنا دياب إلى منزله لإطلاعنا على الملف الذي يحوي 25 ورقة.

وقال دياب: "علامات الحرق على حافة الأوراق تظهر محاولة للتخلص منها، وكان الملف يضم معلومات عن عائلتي وشقيقي وشقيقتي والمؤهلات العلمية التي حصلا عليها."

وكان الملف يحمل تاريخ 21 نوفمبر عام 1981.

وقال دياب: "إنهم يقولون إن عائلتي كانت سعيدة باغتيال الرئيس أنور السادات، وهذا غير صحيح، كما يقول الملف إنني ذهبت إلى جنوب لبنان وكنت قائدا لجماعة مسلحة هناك، وأنا لم أذهب أبدا إلى جنوب لبنان في حياتي ولا أعرف حتى كيف استخدم بندقية."

وفي موضع آخر، قالوا إن جيراني أخبروهم بأن عائلتي كانت تحاول قلب نظام الحكم.

ويعتقد دياب أن هذه الملفات تظهر كيف كانت الحكومة المصرية ضعيفة.

وقال: "إنها تظهر كيف كان خوفهم، فإذا كانوا أقوياء، لن يحتاجوا لمراقبتنا وكتابة مثل هذه المعلومات الكاذبة".

زوار الفجر

لقد كانت هذه الملفات بمثابة صورة صغيرة للعالم المظلم الذي فرضه جهاز أمن الدولة في مصر.

فقد كانوا يجمعون معلومات عن مدرسين وقضاة وموظفين بارزين في الأجهزة المدنية للدولة.

كما كان أفراد جهاز أمن الدولة يشنون مداهمات على منازل في أوقات متأخرة من الليل دون إذن من النيابة، وهم ما يعرفون بـ"زوار الفجر".

حسام بهجت، الذي يعمل في منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قال: "أصبحت مصر دولة بوليسية، حيث كان الأمن يتدخل في جميع جوانب حياتنا."

ومن الأسباب التي جعلت نشطاء حقوقيون يطالبون بالحصول على هذه الملفات، أنها ستساعدهم في الملاحقة القضائية لشخصيات كانت نافذة في هذا الجهاز.

من جانبها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من أن "أدلة انتشار التعذيب" في مقار أمن الدولة كانت واضحة، ومع ذلك أقيمت دعاوى قضائية قليلة ضد عناصر الجهاز الأمني.

وقال بهجت: "أمن الدولة يعرفون أنه لا يمكن ملاحقتهم، وحتى إذا تم ذلك، وهو أمر مستبعد للغاية، فإن النيابة العامة ستبرئهم."

تحقيقات

ولم يوافق المجلس العسكري الحاكم أو وزارة الداخلية على الحديث في هذا الشأن، لكن سامح سيف اليزل، وهو لواء متقاعد كان يعمل في الاستخبارات العسكرية في عهد مبارك، قال إنه يعتقد أنه سيتم الإفراج عن هذه الوثائق.

وأضاف سيف اليزل: "أعتقد أنه حينما ينتهي المحققون من قراءة الوثائق، سيرفعون دعاوي قضائية في السنوات المقبلة ضد أشخاص متهمين".

لكن فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق، لا يعتقد أنه سيتم الإفراج عن هذه الملفات، وقال: "إنهم لا يمتلكون ثقافة الانفتاح على الآخرين."

وفي خطوة مفاجئة، فإن السيد علام يطالب الآن بالإفراج عن هذه الملفات، وأضاف: "إنها جزء من التاريخ المصري، وهي مهمة كي نتعلم من تاريخنا لتجنب ارتكاب أخطاء في المستقبل".

ومع أنه من غير المرجح الإفراج عن هذه الملفات، فقد أخذ بعض النشطاء هذه المهمة على عاتقهم.

ففي نفس الليلة التي عثر فيها دياب على الملف الخاص به، كان الناشط حسام الحملاوي يبحث عن ملفات في مقر مباحث أمن الدولة بمدينة نصر.

واقتحم الحملاوي المبنى الذي تعرض فيه للتعذيب، وقال: "على مدار أربعة أيام، كنت معصوب العينين وجردت من ملابسي وتعرضت للضرب المبرح".

ونجح الحملاوي في حمل جهازي "دي في دي" من المبنى ولاذ بالفرار.

وقال إنه شاهد لقطات فيديو لنحو اثني عشر ضابطا يشاهدون مدونته الإلكترونية.

وأضاف: "إنهم لم يكونوا يراقبوننا فقط، لقد كنا نراقبهم ايضا، إنهم جلادون مجرمون وساديون ويجب فضحهم".

ويعتقد الحملاوي أن هذه الملفات حاسمة للدعاوى القضائية التي ينوي رفعها.

وعندما سئل عن الوضع حال عدم الإفراج عن هذه الوثائق، قال: "إنها ستكون رسالة للمسؤولين الأمنيين في المستقبل مفادها أنكم تستيطعون فعل ما تريدون ولن تتعرضوا للمساءلة، وهذا سيعني أن الثورة قد فشلت."

ويعتقد قليلون الآن أن الملفات الأمنية السرية لن يتم الإفراج عنها أبدا، ومع احتمال عدم الكشف عن هذه الملفات، يستطيع التاريخ الأمني في مصر أن يتناساها بسهولة.

المزيد حول هذه القصة