قضاء مصر: أداة لتغيير المسار السياسي أم التزام بالقانون فحسب؟

احتجاجات أمام المحكمة الدستورية مصدر الصورة AP
Image caption احتجاجات أمام المحكمة الدستورية

بعد حكم المحكمة الدستورية العليا في مصر بحل إحدى غرفتي البرلمان وبقاء أحد المرشحين المحسوبين على النظام السابق في السباق الرئاسي، اتفق محللون وخبراء أن مؤسسات القضاء في مصر هي من يتحكم في المشهد السياسي ويغير مساراته.

ولكنهم اختلفوا إذا ما كان ذلك من قبيل المؤمراة والتواطؤ مع الحاكم أم من قبيل الالتزام بمبادئ القانون والدستور بعيداً عن الضغوط الشعبية والسياسية.

وفيما يرجع بعض الخبراء تدخل مؤسسات القضاء في المشهد السياسي إلى عدم التوافق بين القوى السياسية التي تتصدر هذا المشهد بل وعدم كفاءة السياسيين وهشاشة الحياة السياسية والحزبية، يقول آخرون إن اللجوء للقضاء يكون بموافقة اللاعب السياسي الأول (المجلس العسكري الحاكم) حيث أنه الوحيد القادر على تنفيذ ما ستسفر عنه الجولات القضائية من أحكام وقرارات.

يقول عماد الدين حسين مدير تحرير صحيفة الشروق المصرية المستقلة إن القضاء في مصر هو من يغير المسار السياسي في الدولة منذ فترة ليست بالقليلة. وأرجع حسين ذلك إلى غياب الحنكة السياسية من قبل القوى السياسية وفشلها في عقد الصفقات والمواءمات السياسية.

ويوضح حسين ما ذهب إليه في أن المسار السياسي في مصر ينم عن عدم خبرة من قبل القوى السياسية لكنه ينم أيضاً عن توجهات للاستئثار بجزء كبير من السلطة من جانب الحكام على الأقل خلال العشرين عاماً الماضية.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت الخميس بعدم دستورية القانون الذي جرت بموجبه انتخابات مجلس الشعب – الغرفة الدنيا من البرلمان المصري – بسبب ما أسمته غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.

وهناك ما يشبه الاتفاق بين فقهاء الدستور على أن هذا الحكم يستوجب أيضاً حل مجلس الشورى (الغرفة العليا للبرلمان) التي انتخب أعضاؤها وفقاً لقانون مماثل برغم خلافهم حول الحل بقرار من المجلس العسكري أو بدعوى قضائية مماثلة.

وقضت ذات المحكمة في ذات الجلسة بعدم دستورية قانون العزل السياسي بسبب أنه يوجب منع من تقلد مناصب أثناء فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك من ممارسة حقوقه السياسية.

وفُسر الحكم بأن ذلك يتيح للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أن تستمر وبأحقية الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك في خوضها أمام محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين.

خمول سياسي و قلة خبرة

تداخل القضاء والشأن السياسي ليس بالأمر الجديد، فعادة ما يلجأ السياسيون إلى مؤسسات القضاء لتعديل ما يرونه خطأ في السياسة ولكن تبقي الكلمة النهائية لما يريده من بيده مقاليد الأمور في تنفيذ ما يحكم به القضاء في القضايا ذات الجوانب السياسية، حسب حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

ويقول نافعة إن "الخمول السياسي" بمعنى تراجع دور القوى السياسية المدعومة شعبياً والشخصيات الفاعلة هو ما يجعل من بيده الأمر يتصرف كما يشاء.

وفي أحكام سابقة، قضت محكمة القضاء الإداري التي تفصل في النزاعات التي تكون الدولة طرفا فيها ببطلان تشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور ووجوب إعادة تشكيلها وهو ما تم بالفعل، فيما قضت محكمة جنائية بالسجن المؤبد على الرئيس السابق مبارك ووزير داخليته فيما برأت مساعدي العادلي ونجلي مبارك.

وحكمت المحكمة الإدارية بإيقاف تصدير الغاز لإسرائيل قبل أن تجب القرار محكمة أعلى في عهد مبارك الذي قضي بعد ذلك بإزالة اسمه وقرينته سوزان ثابت من كل مؤسسات وشوارع ومرافق الدولة.

يقول عماد حسين أن القضاء في النهاية سلطة من سلطات الدولة تخضع للسلطة الأعلى ولو كان ذلك من قبيل التنظيم ولكنه في النهاية ربما يصبح مستأنساً من قبل من يحكم.

وبعد الثورة رخصت محاكم لأحزاب تقوم على أساس ديني وحلت محاكم آخرى الحزب الوطني الذي كان يرأسه مبارك ومنعت ثالثة أعضاء الحزب الوطني المنحل من خوض الانتخابات قبل أن تلغي القرار.

وسمحت اللجنة القضائية العليا للانتخابات الرئاسية التي تتكون من 5 قضاة للفريق أحمد شفيق بخوض انتخابات الرئاسة برغم صدور قانون العزل بينما قضت باستبعاد حازم صلاح أبو اسماعيل الذي حكمت إحدى المحاكم لصالحه.

واستبعدت نفس اللجنة التي ثار جدل حول ما إذا كانت قضائية أو إدارية أيضاً من سباق الرئاسة نائب رئيس الجمهورية السابق عمر سليمان ونائب مرشد الإخوان خيرت الشاطر لأسباب قانونية.

وكتب عمرو الشوبكي في مقال له أن الديمقراطية لا تترسخ إلا بعد أن تستقر دولة القانون، ولا تتقدم الدول إلا حين يبتعد القانون عن التدخل فى السياسة وتبتعد الأخيرة عن توظيف القانون لصالح أهوائها.

ويضيف الشوبكي أنه فى مصر لدينا مشكلة حقيقية لأن البعض أعطى للقضاء مساحات للتدخل فى الشأن السياسى غير مستقر عليها فى البلدان الديمقراطية مثلما كان يجرى قبل الثورة.

وهو ما يؤكده أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي الذي كتب: "عندما تعجز الحياة السياسية بفاعليها وتفاعلاتها عن صناعة بيئة آمنة للمجتمع وتتوالى أزماتها، تضطلع سلطات ومؤسسات وجهات غير سياسية بمهام وتتخذ من القرارات ما يصبح وثيق الصلة وعظيم التأثير على السياسة. وفى مصر اليوم تقوم السلطة القضائية، ممثلة فى فرعها الدستورى وفرعها الإدارى، بهذا على نحو غير مسبوق".

وهكذا يدور الجدل حول أحكام القضاء في مصر وكونها سياسية ملونة أو قانونية بحتة ولكنها تظل هي المحرك للمسار السياسي و يكون ما تحكم به دائما رد فعل على عدم توافق القوى السياسية.

المزيد حول هذه القصة