محمد مرسي: رئيس جديد .. وقصر عتيق

مصر مصدر الصورة x
Image caption الرئيس الجديد سيواصل إدارة البلاد من القصر القديم

يتغير الرئيس في مصر، فيغير القصر الذي يحكم منه!

فقد دأب الرؤساء الذين تناوبوا على حكم مصر، منذ منتصف القرن الماضي، على تغيير مقار إقاماتهم والأماكن التي يديرون منها شؤون البلاد.

ولكن يبدو أن الرئيس المصري الجديد سيكون استثناء من هذه القاعدة.

فلن يلجأ على الأرجح إلى استبدال مقر آخر بمكان إقامة سلفه، كما اعتاد سابقوه. وذلك على الرغم من أن مصر تشهد تغيرا جذريا على مستوى الحكم، إذ يتولي محمد مرسي رئاسة البلاد بعد ثورة شعبية أطاحت حكم سابقه.

من البيت إلى القصر

واختار الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر إدارة معظم أعماله الرئاسية من منزل متواضع تمتلكه الدولة في منشية البكري، بالرغم من لجوئه إلى قصر القبة لدى إجراء المقابلات الرسمية.

وحذا أنور السادات حذو سلفه، حيث أدار شؤون البلاد من منزل له في محافظة الجيزة القريبة من العاصمة المصرية. وهذا البيت أيضا تمتلكه الحكومة المصرية. وصدر قرار من مجلس الشعب لاحقا -بحسب الكاتب الصحفي عبد الله السناوي- يتيح استمرار زوجتي الرئيسين الراحلين السكن في هذين المنزلين.

أما الرئيس مرسي، فمن المقرر أن ينتقل للإقامة في فيلا السلام ليتمكن من الانتقال يوميا بسهولة ليمارس مهامه الرئاسية من قصر "الاتحادية" الواقع إلى جوارها مباشرة، وهو القصر ذاته الذي كان الرئيس السابق حسني مبارك يستخدمه في عقد المؤتمرات الصحفية مع ضيوفه الأجانب، وإلقاء الخطابات، ومن بينها تلك التي أدلى بها خلال الثورة المصرية مطلع العام الماضي.

عشرات القصور

وكانت فيلا السلام تستخدم في عهد مبارك لإقامة الأجانب لدى نزولهم ضيوفا في مؤسسة الرئاسة.

ويبلغ عدد القصور الملكية والرئاسية المصرية أكثر من مئة، من بينها نحو سبعة قصور فقط -بحسب الدكتور عبد المنعم الجميعي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة- استخدمت في إدارة شؤون البلاد، منها قصر عابدين وقصر القبة وقصر الطاهرة.

وتطور تصميم قصور الحكم في مصر على مدار التاريخ الحديث، إذ اختفت الغرفة التي يجري الاحتفاظ فيها بالوثائق المهمة التي اشتهر بها قصر عابدين. كما اختفى التصميم العتيق الذي يحتفظ "للحريم" فيه بمكان يصعب الوصول إليه بسهولة.

وبدلا من احتواء القصر على باب خاص يشرف على شريط السكك الحديد، بات في القصور الآن -بحسب الجميعي- مهابط للطائرات المروحية.

تغيير ذكرى سيئة

ومن غير المتوقع أن يبدل الرئيس المصري محل إقامته، في الأمد القريب على الأقل.

وربما يعود هذا لأسباب اقتصادية. فهو الرئيس الذي جاءت به ثورة تطالب بمحاربة الفساد وإخضاع ميزانيات الدولة لرقابة شعبية حقيقية.

كما قد يعود هذا أيضا لرغبة مرسي في أن يحول المكان الذي كان يذكِّر كثيرين بالظلم إلى منبر للعدل ومحور للتحول الديمقراطي، كما يقول الدكتور محمد خالد أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، الذي شبه هذا الاتجاه بقرار السادات إعادة افتتاح قناة السويس في الخامس من يونيو/حزيران، وهو ذات اليوم الذي شهد هزيمة عام 1967، في محاولة جادة لمحو الذكرى السيئة بأخرى طيبة في السجل المصري.

وبالرغم من أن ثورة يوليو/ تموز صادرت منذ عام 1952 عددا كبيرا من القصور الملكية فلم يشأ أحد من رؤساء الجمهورية أن يسكن فيها، كما كان مقررا.

وعلى مدار التاريخ الحديث تحكمت في خيارات سكنى الأسرة الأولى عوامل عديدة. ويختار الحاكم عادة مقر الحكم لدى أشهر المعالم المعمارية في البلاد.

واضطر أبناء محمد علي الذين ورثوا حكم مصر من بعده إلى الانتقال بمقر الحكم من القلعة التي كانت تشرف على أهم مداخل القاهرة، إلى قصر عابدين، الواقع على بعد مئات الأمتار من ميدان التحرير، قلب العاصمة المصرية.

ويعود هذا -كما يقول الدكتور خالد أستاذ التاريخ الإسلامي- إلى تضخم الجهاز الإداري الذي استعان به كل من الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق.

أزمة القاهرة

والمثير للاهتمام، أن المشكلة المرورية مثلت -على ما يبدو- العنصر الأبرز في تحديد محل إقامة الرئيس المصري في تاريخنا المعاصر. فقد قطن الرئيس السابق -كما يقول السناوي- في بيت يمتلكه قريب من "الاتحادية"، حصل عليه حينما أصبح نائبا للرئيس.

وحينما تولى مبارك الحكم أدار البلاد من قصر الاتحادية الذي أنشئ عام 1910 كفندق بضاحية مصر الجديدة، ثم أعيد تجديده في عهد السادات، ليكون مقرا لاجتماعات "اتحاد الجمهوريات العربية"، وهو اتحاذ جمع بين سوريا وليبيا ومصر، ومنه استمد القصر اسمه. ثم حوله مبارك إلى قصر رئاسي لقربه من بيته. ومن أبرز معالم القصر قبته المميزة.

وتمثل أزمة المرور واحدة من أعقد التحديات في العاصمة المصرية التي يقطنها ستة عشر مليون نسمة، بحسب إحصائية عام 2006.

وربما حدا ذلك بمرسي لأن يستهل عمله بهذه المشكلة فور إعلان فوزه بالرئاسة. إذ بحث مع هيئة "جايكا" اليابانية، ذات الخبرة في هذا المجال، حسم المشكلة في غضون ثلاثة أشهر، حتى قبل أن يؤدي اليمين الدستورية.

بعيدا عن الزحام

وطالما طالت الانتقادات مؤسسة الرئاسة في عهد مبارك، بسبب الإجراءات الأمنية التي كانت تصاحبه خلال تحركاته، مما يفاقم من المشكلة المرورية المزمنة بالقاهرة.

وقد حدا هذا بالرئيس المصري السابق إلى الإقامة في مدينة شرم الشيخ بشبه جزيرة سيناء، وإجراء معظم المقابلات الرئاسية غير الرسمية هناك.

وبالرغم مما توحي به عبارة "القصور الجمهورية" من فخامة وأبهة، فإنها تعبر في مصر عن مشكلة ذات أوجه عدة.

ولعل أهمها -كما يقول السناوي- أعباء صيانة القصور الرئاسية وإدارتها، إذ تصاعدت المطالب أخيرا بضرورة إخضاع ميزانياتها للرقابة الدقيقة من جانب مجلس الشعب، بعد أن كانت هذه الرقابة في السابق تتسم بالإجمال والسطحية.

ويضيف السناوي أنه آن الأوان لأن يكون للرئاسة قصر محدد واحد، لا يتغير بتغير الرئيس.

وتسابق لجان من المجلس الأعلى للآثار الزمن لحصر المقتنيات الموجودة في القصور الرئاسية تمهيدا لاستلامها مجددا عند خروج مرسي من القصر.

وكان بعض خبراء الآثار قد اتهموا الرئيس السابق بالتفريط في مقتنيات أثرية احتوت عليها القصور عند توليه المسؤولية.

ولكن الدكتور الجميعي يقول إن أحدا لم يتمكن من إثبات وقوع سرقات للمقتنيات الثمينة بالقصور الرئاسية والملكية، لعدم تمكين الخبراء من إتمام عملية جرد في السابق، بما يتيح إجراء مقارنة صحيحة.

المزيد حول هذه القصة