مسيحيو سوريا يخشون المستقبل مع تفاقم العنف في البلاد

كنيسة مصدر الصورة BBC World Service
Image caption كنيسة بدمشق تضررت بالقتال

فرت الكثير من العائلات المسيحية إلى لبنان هربا من أعمال العنف التي تجتاح سوريا.

وهناك في إحدى المدن اللبنانية القديمة، وقفت امرأة سورية تبدو عليها علامات الخوف بوضوح، وقد شرحت لنا أكثر من مرة كيف أن المجتمع الدولي يجب أن يعرف ما يحدث للمسيحيين في سوريا.

لكن هذه المرأة لن تظهر أمام الكاميرات أو تسمح بستجيل شيء بصوتها لأنها تعتقد أن ذلك سيجلب لها مشاكل كبيرة، وقالت لنا "زوجي لا يريد أن نجلب المشاكل لأنفسنا بالتحدث علانية."

وقد فرت هذه المرأة هي وعائلتها إلى لبنان لأن الأمر ببساطة أصبح مخيفا للمسيحيين داخل سوريا كما تقول.

وقد التقينا بالعديد من اللاجئين المسيحيين من العديد من الخلفيات السياسية، وكانوا جميعا يخشون من استهدافهم إذا ما تحدثوا لوسائل الإعلام.

ووافق أحدهم، ويدعى "ميشيل" على إجراء مقابلة معه بشرط عدم الافصاح عن هويته الحقيقية.

كان الرجل يدخن كثيرا، وكان شاحبا ويبدو عليه أنه يعاني قلة النوم.

ويروى ميشيل حكايته فيقول إن المتاعب بدأت في حياته عند اندلاع المظاهرات الأولى ضد نظام بشار الاسد، والتي كان يؤيدها كما يقول.

ويقول "فجأة أستُخدمت الأسلحة ضدنا، وكان هناك عرب من دول مختلفة، واقتحموا منازل المسيحيين واتهموهم بالكفر."

وقال إنهم استهدفوا بيته عندما كان بالخارج، بينما كانت زوجته وطفليه بالمنزل.

وأضاف "لقد كان خوف لا يوصف، فقد أحرقوا إطارات السيارات أمام المنزل وأرادوا أن يحرقوا البيت."

وتابع قائلا "أخذت زوجتي الأطفال وقفزت من فوق الأسوار من شارع لآخر حتى تمكنوا من الفرار."

صورة معقدة

كانت هناك تقارير متتالية بشأن وجود عنف موجه ضد المسيحيين في سوريا منذ بداية الاحتجاجات ضد النظام السوري في مارس/آذار 2011، بالإضافة إلى الهجوم على الكنائس.

إلا أنه من غير الممكن التأكد من صحة هذه التقارير، وذلك لأن السلطات السورية تفرض قيودا صارمة على الصحافة المستقلة.

كما أنه من غير الممكن تحليل كم من هذه الهجمات كانت لها دوافع طائفية، وكم منها كان موجه ضد المسيحيين لوجود اعتقاد سائد بأن بعضهم مؤيد للنظام.

ويشكل المسيحيون نحو 10 في المئة من السكان في سوريا، ويعتبر المجتمع المسيحي في دمشق من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم.

وتمتعت الطائفة المسيحية بالتسامح الديني في ظل حكم بشار الأسد ووالدة حافظ الأسد، وقد شغل العديد منهم مناصب بارزة في الحكومة.

وحذر البطريرك غريغوريوس الثالث، بطريرك كنيسة الملكيين الكاثوليك اليونانية، والتي تعد أكبر تجمع كاثوليكي في سوريا، من التدخل الأجنبي في سوريا، كما اتهم وسائل الاعلام بتشويه الوضع في البلاد.

واعترف أن بعض أعمال العنف ضد المسيحيين في سوريا وقعت بسبب وجود اعتقاد بأن المسيحيين يدعمون الرئيس بشار الأسد.

وأضاف "نعم، ليس كل أعمال العنف ضدهم، ولكن بعضا منها."

إلا أن الصورة لا تزال أكثر تعقيدا، حيث تتنوع آراء المسيحيين تنوعا كبيرا بين تأييد ومعارضة النظام السوري.

"لا مستقبل"

وفي لبنان، التقيت لاجئين مسيحيين ممن يعارضون الرئيس السوري بشار الأسد والذين فروا خلال الأشهر الستة الماضية.

وقد التقيت بممثلي العديد من العائلات المسيحية بالقرب من بلدة جبيل التاريخية.

وأخبرني رجل قدم نفسه باسم هشام أنهم فروا من حمص بعد قصف المدينة من قبل القوات الحكومية.

وقال هشام "قبل اندلاع العنف كان الناس يعيشون بشكل طبيعي، لكن النظام كان يقصف الجميع، ولم يفرق بين مسيحي ومسلم وهذا ما دفعنا للفرار من سوريا."

وسألت امراة ما إذا كانت تشعر أن المسيحيين سيكون لهم مستقبل في سوريا، وهي التي فرت وابنتها الصغيرة إلى لبنان بعد مقتل زوجها.

فأجابت "لا، لست أرى أي مستقبل، ليس فقط في سوريا ولكن في الشرق الأوسط بأكمله، ولو وجد الناس فرصة لمغادرة هذه المنطقة، فسوف يفعلون ذلك."

وما يدور في عقول المسيحيين السوريين، سواء من المؤيدين أو المعارضين لبشار، هي تجربة اخوانهم المسيحيين في العراق.

فهناك تقديرات تشير إلى أن ما لا يقل عن نصف عدد السكان المسيحيين العراقيين قد فروا من البلاد بعد أعمال العنف الطائفي التي اندلعت في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.

وقد ذهب الكثيرون منهم إلى سوريا معتقدين أنها ستكون ملاذا للتسامح الديني.

وقد حذرت حكومة الأسد المسيحيين وأقليات أخرى من أنهم قد يواجهون الاضطهاد على أيدي الإسلاميين حال سقوط النظام السوري.

وفي حين أن هناك مسيحيين بارزين في المجلس الوطني السوري، وهو تجمع رئيسي للمعارضة السورية، هناك مخاوف من تأثير جماعة الإخوان المسلمين عليهم، وهي الحركة الاسلامية التي تعرضت لتدمير شبه كامل من قبل الرئيس السابق حافظ الأسد في أوائل الثمانينات.

وقد أعادت أحداث الربيع العربي النشاط للاخوان في سوريا.

وقال ملهم الدروبي أحد قادة الجماعة لبي بي سي إن المسيحيين ليس لديهم ما يخشونه.

وأضاف "نحن لا نعمل لإقامة دولة دينية، ولا نعتقد أن سوريا هي المكان الذي يمكن أن تكون فيه دولة دينية، لأن سوريا لديها أديان مختلفة، وجماعات عرقية مختلفة، وأجناس مختلفة."

وفي هذه الأجواء المخيفة، سيحاول المسيحيون جاهدين قبول هذه التطمينات.

المزيد حول هذه القصة