وجهة نظر: سوريا مرشحة للدخول في صراع طويل الامد

آخر تحديث:  الخميس، 30 أغسطس/ آب، 2012، 13:42 GMT
سوريا

حرب تمتد وليس لها نهاية في الأفق، بالرغم من المكاسب المؤقتة التي حققها الجانبان

مع انتشار العنف في كل ركن في سوريا تقريبا، لم يعد هناك شك في أن البلاد قد دخلت مرحلة الحرب الشاملة، ففي شهر أغسطس/آب وحده قتل أكثر من ثلاثة آلاف سوري.

وقد بلغ عدد القتلى في مجزرة داريا أكثر من 400 شخص في يومين فقط، وفقا لبعض التقارير، وهذا ليس مؤشر فقط على زيادة أعداد القتلى من السوريين بشكل يومي، لكنه أيضا يعد علامة على زيادة الوحشية وتصعيد كبير لحرب أهلية مستعرة.

وهناك مؤشر آخر على أن الصراع في سوريا يتزايد بشكل يخرج عن نطاق السيطرة، وهو ذلك العدد الهائل من اللاجئين السوريين داخل البلاد وخارجها.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 170 ألف لاجئ سوري سعوا للحصول على ملاذ آمن في تركيا ولبنان والأردن والعراق، وهو الرقم الذي ارتفع سريعا في الأسبوع الماضي.

وقال متحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين متحدثا للصحفيين إن عدد اللاجئين السوريين الفارين إلى تركيا ارتفع إلى خمسة آلاف شخص في اليوم الواحد، وذلك بعد أن كان المعدل قبل أسابيع قليلة من 400 إلى 500 شخص يوميا.

كما ارتفع عدد اللاجئين إلى الأردن لأكثر من عشرة آلاف و200 شخص خلال الأسبوع الماضي، بعد أن كان أربعة آلاف و500 شخص في الأسبوع الذي قبله.

ويقدر عدد السوريين الفارين من ديارهم بأكثر من مليون سوري وهم الذين تركوا منازلهم لكنهم لا يزالون داخل البلاد.

انتشار الجيش

إنها حرب تمتد وليس لها نهاية في الأفق، وبالرغم من المكاسب المؤقتة التي حققها الجانبان، الحكومة والمعارضة، في مناطق مختلفة من البلاد، لم يتمكن طرف من حسم الأمر لصالحه بالضربة القاضية.

ومن المرجح أن يطول الصراع في سوريا ويستغرق وقتا طويلا، ولا يعرف أحد كم من الوقت سوف يستمر هذا الصراع، وما هي عواقبه على هذه الدولة الممزقة وعلى جيرانها.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتوحيد صفوفها، لا تزال المعارضة السورية منقسمة عمليا وأيديولجيا، مع وجود العشرات من الفصائل المسلحة التي تقاتل بطريقتها الخاصة، بالإضافة إلى الإسلاميين الذين تتزايد أعدادهم ووسائلهم بما يثير قلقا داخل سوريا وخارجها.

وقد تمكن الجناح العسكري للمعارضة من ضرب قلب نظام الأسد، ومع ذلك لا تبدو المعارضة قادرة على امتلاك قدرات ووسائل تعزز مكاسبها.

ويشعر نظام الأسد، بالرغم من القوة العسكرية الكبيرة التي يمتلكها، بأنه مبعثر، ويدرك جيدا خطورة الأمر مع توسع القتال جغرافيا.

وهناك توتر داخل قوات الجيش الأساسية التي تنتشر بحذر شديد وغير قادرة على سحق المعارضين الذين أصبحوا أكثر فعالية وأكثر تنظيما وتسليحا، ومهارة.

وتعد معركة حلب مثال واضح على هذا المأزق، فبعد أكثر من أربعة أسابيع من محاولات النظام "تطهير" المدينة، لا يزال الآلاف من المقاتلين صامدون في كثير من أحياء أكبر المدن السورية.

وقد أقر الرئيس السوري أن هناك حالة من الجمود من الناحية العسكرية، وذلك في مقابلة له مع قناة دنيا التلفزيونية الخاصة، حيث قال "أستطيع أن ألخص كل هذا الشرح في جملة واحدة: نحن نتحرك إلى الأمام، والوضع أفضل من الناحية العملية، لكنه لم يحسم بعد، وهذا يستغرق وقتا."

لكن يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو لماذا يثبت نظام الأسد أنه أكثر صمودا وتماسكا من النصائح الحكيمة التي تأتيه من العواصم الغربية؟

الولاء الشديد

هناك عدة أسباب لذلك، أهمها أن قوة نظام الأسد لا تعتمد فقط على الإكراه والهيمنة، ولكن أيضا على السيطرة السياسية، وخيار المصير المشترك، وتحقيق التوازن بين المصالح المتعددة والفئات المجتمعية.

فقد وطد الرئيس الأب وكذلك الإبن العلاقات مع رجال الأعمال من السنة والشيعة والدروز، ودعما الشبكات المالية والتجارية، وخاصة في دمشق وحلب، وهما مركزين رئيسيين للسياسة والاقتصاد وموطنين لأكثر من ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 23 مليون نسمة.

ومما ساعد على مرونة نظام الأسد هو الولاء الشديد الذي زُرع بين أعضاء القيادات العليا في البلاد خلال الأربعين سنة الماضية.

وهذا الولاء ليس قائما فقط على العلويين، ولا على المال فقط، ولكن على النفوذ والخصوصية التي أفادت أعوان النظام من كل الطوائف.

وقد استفاد النظام أيضا من تماسك الأقليات وتعايشها معا والتي اعتمدت على النظام بصفته الحامي لها بنجاح.

ومع انتشار القتال، ووضوح ذلك الولاء، يصبح الخوف بين هؤلاء المؤيدين الرئيسيين من أنهم سيذبحوا ويعدموا واقعا حقيقيا.

إنها لعبة قاتلة للبقاء على قيد الحياة، وقد اختار الكثيرون التعلق بما يعرفونه اي النظام.

إن إبراز الجمود بين النظام والمعارضة المسلحة هو تدخل من قبل القوى الخارجية التي حولت سوريا الى حرب بالوكالة.

فمن ناحية، هناك المملكة العربية السعودية، وتركيا، وقطر، وهم يدعمون المعارضة بالسلاح والمال، ومن ناحية أخرى هناك إيران التي تقدم الدعم المحوري لنظام الأسد، والتي جعلت الأمر واضحا بأنها لن تسمح بالإطاحة به بالقوة.

وعلى الرغم من النبرة القوية للقوى الغربية، فقد ألزمت نفسها بحقيقة أنه لا يمكن القيام سوى بالقليل لوضع نهاية عاجلة للنزاع السوري.

وباستثناء الصوت الوحيد للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي، ربما بدافع من السياسة الداخلية، دعا المعارضة السورية للقيام بتشكيل حكومة مؤقتة يمكن لحكومته أن تعترف بها، ليس لدى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الإرادة السياسية والرغبة للتدخل العسكري في سوريا.

ومن المفارقات أيضا أن سخرت وزارة الخارجية الامريكية من اقتراح هولاند واعتبرته سابق لأوانه.

'كل شبر من الأرض "

ونظرا لهذا النقص في التنسيق، وبالإضافة إلى أن روسيا ستعارض بشدة إنشاء مناطق عسكرية آمنة في سوريا، فمن غير المحتمل أن يتكرر السيناريو الليبي في سوريا.

وبينما تتجه سوريا نحو حرب شاملة لا نهاية لها في الأفق، بدأت المزيد من الأصوات في المنطقة بالدعوة الى حل سياسي، وإلى أن يتفاوض المعسكران المتقاتلان للخروج من هذا الموقف المدمر.

وقال نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبوع الماضي إن "الوضع في سوريا يتحرك من سيء إلى أسوأ، تخيل الموقف الذي يقتل فيه سوري واحد، ثم فكر في المئات الذين لا نستطيع أن نراهم."

ويأتي الأخضر الإبراهيمي الذي خلف كوفي عنان كمبعوث لسوريا في إطار السعي للوصول إلى حل، حيث قال "علينا أن نحاول، وعلينا أن لا نتخلى عن الشعب السوري."

وقد طرحت إيران ومصر أيضا مبادرات لحل الصراع.

وللأسف، فإن الاحتمالات لا تشير إلى التوصل إلى حل سياسي لأن كلا المعسكرين يرى في القتال أمرا حتميا وقد استمرا في العناد لفترة طويلة.

و قالت المعارضة مرارا إنها لن تتفاوض مع نظام الأسد ما لم يتنح أولا عن الحكم، وهو أمر غير مرجح حاليا.

وقال وزير الخارجية السوري وليد المعلم للكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الإندبندنت "نحن نقاتل جماعات مسلحة داخل حلب، وفي ضواحي دمشق، وقبل ذلك في حمص وإدلب، وهذا يعني القتال داخل المدن السورية، ومسؤوليتنا هي حماية شعبنا."

جاء ذلك في أعقاب أخبار عن أن طائرات هليكوبتر عسكرية قامت باسقاط منشورات تحذر المقاتلين من أن الجيش السوري سوف "يطهر كل شبر من الأراضي السورية" وأنه يجب عليهم أن يقوموا بتسليم أسلحتهم أو يواجهون الموت.

وإذا كان التاريخ يرشدنا، فالحروب الأهلية تنتهي عندما يقوم طرف واحد بتوجيه ضربة قاضية أو أن يصاب المقاتلون بالاجهاد.

وفي الحالة السورية، لا يعد أي من الموقفين أمرا محتملا في الوقت القريب، وفي الوقت نفسه، سوف تستمر معاناة الشعب السوري مهما كانت انتماءات أفراده.

فواز جرجس هو أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد حيث يدير مركز الشرق الأوسط. وقد صدر له حديثا كتاب بعنوان: "أوباما والشرق الأوسط: نهاية عصر أميركا؟"

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك