"الاقتصاد" و"الحضور الدولي" محركان أساسيان لجولات الرئيس المصري الخارجية

آخر تحديث:  الأربعاء، 10 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 05:09 GMT
مرسي

قال مرسي في أول خطاب بعد تنصيبه إن المصريين لا يصدرون الثورة.

تباينت آراء المراقبين إزاء الحراك المكثف الذي قامت به البدلوماسية المصرية خلال الأشهر الثلاثة الأولى لولاية الرئيس المصري محمد مرسي والذي شمل محطات لم يقف بها رئيس مصري منذ عدة عقود.

وفيما يرى البعض أن محطات مرسي الخارجية أعطت إشارات قوية على رغبته في تغيير نهج كان قائما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، يوجه آخرون اتهامات بـ"غياب الرؤية الواضحة لتوظيف هذه الزيارات لخدمة المصالح الوطنية المصرية واعتبارها مجرد زيارات لا يمكن ترجمتها إلى سياسة خارجية واضحة".

ويشير منتقدون إلى أن جولات مرسي الخارجية تكلفت الملايين من الجنيهات رغم حصيلتها "الهزيلة" وإنه كان الأولى البدء بحل مشاكل داخلية في وقت لا يزال الكثير من المصريين يعانون من ظروف اقتصادية صعبة ومعدلات بطالة مرتفعة.

لكن بدا الرئيس المصري منتبها لهذه الانتقادات، إذ حرص على تبرير نشاطه المكثف في الخارج خلال "كشف حساب" قدمه للشعب المصري خلال كلمة باحتفالات الذكرى التاسعة والثلاثين لحرب أكتوبر السبت الماضي.

وأكد مرسي على أن نتائج زياراته الخارجية تتضمن جذب "استثمارات تقدر بـ16 مليار جنيه مصري، فضلا عن توقيع 17 اتفاقية اقتصادية"، مشيرا إلى أنه لا يتقاضى "مليما واحدا كبدل سفر عن زياراته الخارجية."

ويعتقد حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن البعد الاقتصادي كان محددا رئيسيا في تحركات مرسي الخارجية، لاسيما فيما يتعلق بزيارته إلى الصين التي استغرقت ثلاثة أيام وحرص خلالها مرسي على اصطحاب وفد كبير من رجال الأعمال.

لكن تقول نورهان الشيخ أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أنه يستحيل جذب استثمارات لمصر في ظل مناخ من عدم الاستقرار و"ضعف الداخل سياسيا وأمنيا واقتصاديا".

الأزمة السورية

بدا الرئيس المصري حريصا على الظهور في المحافل الدولية من خلال حضور العديد من الاجتماعات الهامة مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ومؤتمر دول عدم الانحياز في طهران والقمة الأفريقية في أديس أبابا.

ويرى نافعة أن تحركات مرسي الكثيفة تعكس اختلافا واضحا عن نهج نظام الرئيس السابق حسني مبارك الذي "كان يهرب دوما من المواجهات الخارجية"، لافتا إلى سعي مرسي لإعادة مصر إلى الساحة الدولية كلاعب فاعل وقوي.

وأكد مرسي في تصريحاته المختلفة على التأكيد على أن مصر تتحرك نحو التعامل "بندية" مع الدول الأخرى "دون الخضوع" لأحد، مؤكدا على أن مصر "لا تتدخل في شؤون أحد ولا تسمح لأحد أن يتدخل في شؤوننا".

ولم يمنع ذلك مرسي من المطالبة أكثر من مرة برحيل نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، وهو موقف تعتبره نورهان الشيخ "تغيرا سلبيا" في السياسة الخارجية المصرية وينبع من رغبة مرسي – الذي كان مرشحا لجماعة الإخوان المسلمين ورئيسا لذراعها السياسية حزب الحرية والعدالة – في وصول الإسلاميين في سوريا لسدة الحكم.

وتقدم الرئيس المصري بمبادرة خلال إحدى زيارتيه للسعودية تدعو إلى تشكيل مجموعة اتصال رباعية تضم تركيا والسعودية وإيران ومصر بهدف حل المشكلة السورية.

وأضاف في وقت لاحق خلال كلمته أمام حزب العدالة والتنمية في تركيا أنه "لن نهدأ حتى تتحقق إرادة الشعب السوري ويختار قيادته وتزول القيادة الحالية".

ويرى نافعة أن خطاب مرسي السياسي يكشف عن موقف واضح تجاه الأزمة السورية لكن لا زالت تعوزه الفعالية على الصعيد الدبلوماسي.

ويضيف: "لدينا موقف قوي من الأزمة السورية، لكن هل انعكس ذلك على قدرة مصر على التحرك بفاعلية لوقف الدماء في سوريا أو الوصول لتسوية؟ في الواقع، لم تتمكن مصر من بعد من حسم الأزمة عسكريا أو سياسيا."

وأكد مرسي خلال حوار أجراه مع إحدى القنوات المصرية على رفضه أي تدخل عسكري عربي أو دولي كسبيل لحسم الأزمة السورية.

ويأتي الملف السوري في إطار تنافس إقليمي بين القاهرة وطهران، بحسب ما يقوله حسن نافعة الذي يعتقد أن مرسي يريد التطبيع مع إيران لكنه "يخشى ثقل وزن إيران على الساحة الإقليمية ولا يزال هاجس التمدد الشيعي ماثلا في ذهنه."

ويقول إن مخاوف مرسي هذه دفعته في بعض الأحيان للقيام بأشياء استفزت إيران كما الحال عندما حرص على التأكيد على هوية مصر السنية في كلمته أمام مؤتمر عدم الانحياز بطهران.

لكن المؤكد أن زيارة مرسي لطهران كانت لها الكثير من الدلالات، حيث هي الأولى لرئيس مصري بعد قطعية بين البلدين امتدت لعدة عقود.

مخاوف دول الخليج

ويرى مراقبون أن أي تغير في العلاقة بين القاهرة وطهران سيكون له تأثير على العلاقة بين مصر ودول الخليج التي حرص مرسي على طمأنتها في مستهل ولايته بتأكيده على أن "المصريون لا يصدرون الثورة ولا نتدخل في شؤون أحد ولا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا."

واستهل مرسي جولاته الخارجية بزيارة السعودية، فيما اعتبره خبراء بأنها محاولة لطمأنة دول الخليج التي لديها تخوفات من تبعات التغيرات السياسية في دول ما يعرف بالربيع العربي.

كما تعهدت قطر الشهر الماضي بضخ استثمارات قيمتها 18 مليار دولار في مشروعات سياحية وصناعية في مصر خلال السنوات الخمس المقبلة.

لكن بقيت المخاوف قائمة، لدى بعض الدول على الأقل، حيث حذر وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان الاثنين من خطر جماعة الاخوان المسلمين على سلامة دول الخليج ودعا تلك الدول إلى التعاون لمنع الإخوان المسلمين من التآمر لتقويض الحكومات في المنطقة.

العلاقات المصرية الأميركية

كما كان من اللافت أن مرسي لم يقم حتى الآن بزيارة رسمية لواشنطن التي كانت محطة رئيسية لسلفه مبارك في كل ولاية رئاسية جديدة.

لكن ترى نورهان الشيخ أن مسألة زيارة مرسي لواشنطن مرتبطة بالأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة على ضوء الانتقادات الموجهة للرئيس الأميركي باراك أوباما من حملة منافسه في السباق الرئاسي ميت رومني بشأن دعم الإخوان المسلمين خلال ما يعرف بـ"الربيع العربي".

وتؤكد الشيخ على أن الولايات المتحدة قدمت دعما كبيرا سياسيا ودبلوماسيا للإخوان المسلمين حتى وصلت إلى قمة السلطة في مصر وذلك رغم تصريحات أوباما الشهر عن أن "مصر ليست دولة حليفة للولايات المتحدة كما أنها ليست دولة معادية".

وجاءت تصريحات أوباما على خلفية مظاهرات استهدفت السفارة الأميركية قام خلالها آلاف المتظاهريين المصريين بإنزال العلم الأميركي من ساريته وحرقه احتجاجا على عرض فيلم اعتبر مسيئا للإسلام والنبي محمد.

لكن بدا مرسي حريص على طمأنة الشعب الأميركي حيث قال خلال لقاءه بممثلي المنظمات الإسلامية والمسيحية واليهودية في نيويورك "نقدر لأميركا دعمها للربيع العربي ولمسايرة الديمقراطية في مصر"، مشيرا إلى أن مصر تتحرك حاليا نحو مزيد من التعاون القائم على التوازن والمصالح المشتركة.

وتحصل مصر على معونة أميركية سنوية تصل إلى 1.3 مليار دولار.

دول حوض النيل

وفي تحول آخر عن نهج السياسة الخارجية لحقبة مبارك، لاسيما خلال أعوام حكمه الأخيرة، جاءت أفريقيا في مرتبة متقدمة على أجندته الخارجية.

وقام مرسي بأول زيارة لرئيس مصري إلى أديس أبابا منذ محاولة اغتيال تعرض لها مبارك في العاصمة الإثيوبية عام 1995.

كما حرص مرسي على تلبية دعوة أوغندا لزيارتها والمشاركة في احتفالات العيد القومي الخمسين لاستقلال أوغندا، مع الاستفادة من الزيارة للقاء عدد من القادة الأفارقة المشاركين في الاحتفالات.

ويرى المراقبون أن هذا التحول يهدف تعميق التعاون مع دول حوض النيل وبهدف للوصول إلى تسوية لأزمة تقسيم مياه النيل.

وكان عدد من دول من حوض النيل التسع وقع عام 2010 اتفاقا إطاريا مثيرا للجدل بمدينة عنتيبي الأوغندية لإعادة اقتسام مياه النيل بغياب مصر والسودان، وهو ما تسبب في أزمة بين مصر والدول الموقعة التي تشمل إثيوبيا وأوغندا.

ويقول حسن نافعة إن السياسة الخارجية في عهد مرسي مختلفة إلى حد كبير من حيث التوجهات ومن حيث الخطاب السياسي وكثافة النشاط، لكن لم يختبر بعد التغيير الملموس على الأرض ومردود ذلك على الاقتصاد الوطني ومواجهة التحديات الخارجية.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك