الجزائر: بلد يتوق إلى التغيير

آخر تحديث:  الجمعة، 12 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 18:30 GMT

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يحكم منذ عام 1999

قصة الراهبة كوليت، وهي الفرنسية التي عاشت في أحد الأديرة في الصحراء الكبرى بالجزائر، تحكي الكثير حول هذا البلد الكبير المليء بالألغاز.

قبل أسابيع قليلة، حضر كاهن بولندي لتناول العشاء معها، وهو الأب كريس، وهو واحد من عدد قليل من المبشرين الكاثوليك الذين يعيشون في عمق الصحراء الكبرى.

ويأتي الأب كريس إلى الجزائر العاصمة بين الحين والآخر ليلتقي بالأصدقاء ويتحدث إليهم.

وعندما سألناه عن رحلته العام الماضي إلى واحة غرداية، قال كريس إنه كان من الجميل أن يأخذ راحة من وجبة الكسكسي الشهيرة في الجزائر، في وقت كنا نسرف نحن في تناول الوجبات الصينية الجاهزة.

وأضاف الأب كريس أن الأمور كانت جيدة، وأن الناس كانوا يتعاملون معه بلطف، وفي بعض الأحيان كانوا يأتون إليه لتناول الشاي وللدردشة معه، لكن عيد الميلاد الماضي كان مختلفا، وذلك بسبب الراهبة كوليت.

وكانت الراهبة كوليت تعيش مع مجموعة أخرى من الراهبات في مدينة أدرار، والتي تقع في أعماق الصحراء الكبرى، وفي ليلة عيد الميلاد، سافر الأب كريس لمسافة 600 كم جنوبا للمشاركة في القداس الذي يقيمه الدير كل عام، وقد أمضى أسبوعا سعيدا هناك، وألقى كلمات الوداع قبل أن يغادر.

ورافقته الراهبة كوليت إلى الحافلة التي ستقله، وكانت كوليت مفعمة بالحيوية وهي في السبعينات من عمرها، وكانت تصر على حمل حقيبته بنفسها، على الرغم من ضعفها في مثل ذلك الطقس الحار.

وبعد نصف يوم تقريبا، وصل الأب كريس إلى البيت وتلقى اتصالا هاتفيا يخبره بوفاة الراهبة كوليت في نفس ذلك اليوم.

وعلى الفور تجمعت زميلاتها من الراهبات وبدأن في البحث عن تابوت لها، وفي الإعداد لنقل جثمانها إلى المقبرة الكاثوليكية في مدينة غرادية.

ولكن المسلمين هنا لا يدفنون موتاهم في توابيت، وقد استغرق الأمر بعض الوقت للعثور على نجار يستطيع أن يصنع لها تابوتا، واستغرق الأمر وقتا أكثر ليجد النجار النوع المناسب من المسامير لتثبيت غطاء التابوت جيدا.

واستغرق الأمر كذلك وقتا طويلا لتجهيز الأوراق الخاصة بدفن شخص يحمل جنسية أجنبية في الأراضي الجزائرية، حيث كانت الراهبة كوليت فرنسية الأصل.

وأخيرا دفنت الراهبة بسلام في غرادية، ولكن قصتها تلخص كل التناقضات التي تحدث في الجزائر اليوم.

فهناك بيروقراطية شديدة، فلكي تذهب للسباحة في الجزائر، عليك أن تقدم شهادة صحية، ونوع فصيلة الدم، وجواز السفر، ويجب أن تكون كلها مترجمة إلى اللغة العربية، وموقعة ومختومة من قبل رئيس البلدية، بالإضافة إلى تقديم ثمانية صور شخصية.

فقد شهدت الجزائر حربا أهلية دموية قبل 16 عاما، وقتل فيها سبعة رهبان على يد من يعتقد أنهم من الإسلاميين في بلدة تبرين الجزائرية، لكنها الجزائر أيضا هي المكان الذي أعيد فيه افتتاح كنيسة نوتردام افريقيا منذ عامين، والتي كانت إحدى المعالم الشهيرة في العاصمة الجزائرية، وذلك بعد أن طواها النسيان لعقود من الزمان.

والجزائر أيضا هي البلد التي غابت عن الربيع العربي، فقد تركت الحرب الأهلية في البلاد وراءها شعبا متأثرا بمعاناته من العنف، لكن هذا لا يمنع أنها بلد تتوق إلى التغيير، فقادتها الذين هم الآن في السبعينات من العمر لا يزالون هناك منذ استقلال البلاد عن فرنسا قبل 50عاما.

وهي دولة تتمسك بالماضي، فلا يزال الأطفال هناك يستخدمون الطباشير للكتابة في المدارس، ولا تزال البنوك تستخدم أنظمة وأدوات بالية لنقل الأموال داخل نفس المبنى.

وهي في نفس الوقت دولة تشهد حراكا ملحوظا، فقد شهدت الانتخابات البرلمانية الأخيرة فيها حصول المرأة على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية مقارنة بأي بلد في العالم العربي، وبالتالي اضطرت الحكومة لبناء دورات مياه جديدة وبشكل عاجل داخل مبنى البرلمان، وذلك بعد أن كانت هناك دورة مياه واحدة فقط للنساء في جميع أنحاء ذلك المبنى.

إنه بلد يبحث عن هويته، فمع أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في البلاد، إلا أن الجيل الذي تلقى تعليمه تحت الحكم الاستعماري الفرنسي لا يستطيع القراءة أوالكتابة بهذه اللغة.

وكذلك تستخدم الكتب والصحف والقنوات التلفزيونية اللغة العربية الفصحى، لكنها لا تزال هي اللغة التي يبذل معظم الناس جهدا للتحدث بها، وبدلا من ذلك يقومون باستخدام نسخة من اللغة العربية التي تتضمن الكثير من مفردات اللغة الفرنسية، والأسبانية والأمازيغية.

والآن يستعد الأب كريس لمغادرة المكان، فعليه أن يلحق بالحافلة المتجهة إلى مدينة غرادية في وقت باكر من صباح اليوم التالي، وذلك في رحلة طويلة كما يقول، ولكنها تمنحه الوقت للتفكر في التناقضات والمفارقات الموجودة في هذا البلد الكبير المليء بالألغاز.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك