الازمة السياسية الكويتية في مفترق الطرق

آخر تحديث:  الثلاثاء، 23 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 15:12 GMT
الكويت

بدأ المأزق الراهن في صيف عام 2011

تقف الكويت على مفترق ازمة سياسية عميقة تشكل خطورة على البلاد منذ تحريرها في اعقاب حرب الخليج عام 1991.

ونظرا لحالة الجمود التي شهدتها الحكومات الكويتية منذ عام 2006، بات الانقسام السياسي يدور في فلك الصراع من اجل السلطة بين المجلس الوطني والحكومة التي عينها أمير البلاد.

وفي الوقت الذي تتسم فيه المصاعب التي تواجه الكويت اختلافا عن تلك الاضطرابات التي تجتاح المنطقة على نطاق اوسع، فقد أذكى الربيع العربي احتجاجات شعبية وسياسية وكذا تخطى الخطوط الحمراء التي باتت حصينة داخل المجتمع الكويتي.

وكانت النتيجة تصفية حسابات بين أسرة الصباح الحاكمة وشرائح متزايدة من الكويتيين.

البداية

بدأ المأزق الراهن في صيف عام 2011 عندما بدأت مجموعات من الشباب الدعوة الى استقالة الشيخ ناصر المحمد الصباح، رئيس الوزراء وابن شقيق الأمير.

وتزايدت حدة العنف في نوفمبر/تشرين الثاني بعد ان احبطت المحكمة الدستورية مساعي البرلمان لاستجواب رئيس الوزراء على خلفية فضيحة، وعليه اقتحم نحو مائة محتج بما في ذلك نواب في البرلمان واحتلوا لفترة وجيزة مبنى مجلس الأمة (البرلمان).

وعلى الرغم من كون الامير الشيخ صباح الاحمد الصباح قد أعلن صراحة عدم الاستسلام لضغوط الشارع، كان رد فعل عشرات الالاف من الكويتيين المشاركة في مسيرات تدعو الى اقالة رئيس الوزراء.

وفي التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني خرجت مظاهرات حاشدة ضمت ما يزيد على 50 ألف شخص وشكلت ضغوطا على أمير الكويت.

"الانقلاب على الدستور"

حل الشيخ جابر المبارك الصباح، نائب رئيس الوزراء وأحد الاعضاء البارزين في الاسرة الحاكمة، محل رئيس الوزراء في تولي مهام منصبه، هذا الى جانب اصدار قرار بحل البرلمان حتى اجراء انتخابات جديدة في فبراير/شباط 2012.

وأسفر ذلك عن انتصار ساحق للمعارضة واصبح المرشحون الاسلاميون والمنتمون الى القبائل البارزة يستحوذون على 34 مقعدا من مقاعد البرلمان.

واستمر برلمان عام 2012 يمارس نشاطه طوال اربعة اشهر اتسمت بالاضطراب، حتى اعلن بطلانه في العشرين من يونيو/حزيران، وحدثت اشتباكات متكررة بين نواب البرلمان مع وزراء الحكومة واجبرت على استقالة وزير المالية ووزير الشؤون الاجتماعية والعمل.

ودفع تزايد حدة التوترات السياسية أمير الكويت الى تعليق المجلس الوطني لمدة شهر، وكان ذلك قبل يومين من قرار اصدرته المحكمة الدستورية يقضي ببطلان الانتخابات التي جرت في فبراير/شباط واعادة البرلمان الذي سبق وحل في ديسمبر/كانون الاول 2011.

وأدى هذا القرار المفاجئ الى دفع الكويت الى هوة صيف اتسم بالغموض وتبادل الاتهامات، حيث اتهم اعضاء بارزون في المعارضة المحكمة بالخضوع لضغوط الحكومة ونظموا "انقلابا على الدستور".

وخلال شهري يوليو/تموز و اغسطس/اب سعى البرلمان الذي اعيد تنصيبه مرتين الى عقد اجتماعات، لكنه اخفق في كل مرة في الوصول الى النصاب القانوني اللازم نظرا لمقاطعة اغلبية نواب البرلمان الجلسات.

وبعد اعلان "الموت السريري" للبرلمان المعاد تنصيبه في منتصف اغسطس/اب، استفزت الحكومة مرة اخرى المعارضة بعد الطلب من المحكمة الدستورية اصدار قرار بشرعية قانون الانتخابات.

يذكر ان هذه التعديلات المهمة اجريت عام 2006 وادت الى تقسيم الكويت الى خمس دوائر انتخابية برلمانية، تضم كل منها عشرة نواب.

وخلفت هذه التعديلات تعديل عام 1981 الذي ادى الى تقسيم الكويت الى 25 دائرة انتخابية في اجراء اعتبر على نحو كبير محاولة من جانب الحكومة لاعادة حشد التأييد لصالحها.

وجاءت اصلاحات عام 2006 بعد حملة عامة طويلة قادتها حركات شبابية كنذير بجيل من محتجي الربيع العربي المترابطين، ومن ثم فتحت مساعي الحكومة لاعادة تفعيل القانون الباب امام جبهات متشددة قديمة في الاوساط السياسية الكويتية.

وفي ظل تصاعد حدة المشاهد التي ابرزت شرطة مكافحة الشغب وهي تحاوط المبنى، رفضت المحكمة الدستورية في الخامس والعشرين من سبتمبر/ايلول، جهود الحكومة الرامية الى اعادة رسم ملامح الحدود السياسية في البلاد. وفي السابع من اكتوبر/تشرين الاول، حل أمير الكويت مرة اخرى البرلمان (الذي اعيد تنصيبه)، مع ارجاء الاعلان عن تاريخ الانتخابات المقبلة حتى العشرين من اكتوبر/تشرين الاول.

جحيم حكومة الفرد

تبدل رد الفعل السياسي، وتعهدت اغلب الجماعات المعارضة ونواب البرلمان من شتى الاطياف الى مقاطعة الانتخابات القادمة، وبدأت الكويت تواجه عودة الاضطرابات الى الشارع السياسي.

وشارك الالاف في مظاهرة قبالة المجلس الوطني في الخامس عشر من اكتوبر/تشرين الاول، ووجه السياسي المعارض مسلم البراك خطابا الى الامير بلهجة غير مسبوقة.

وصرح البراك، الذي سبق وحصل في فبراير/شباط على عدد كبير من الاصوات لم يشهده التاريخ السياسي الكويت، قائلا "لن نسمح لك، يا صاحب السمو، ان تسحب الكويت الى جحيم الاوتوقراطية (حكم الفرد)، لم نعد نخاف سجونك وهراواتك"، وذلك خلال اجتماع حاشد معارض يردد هتافات تقول "لن نسمح لك، لن نسمح لك".

أذكت تصريحات البراك الملهبة للمشاعر موجات صادمة في شتى ارجاء البلاد التي يعد انتقاد الامير بها بمثابة اهانة، وتحركت شرطة مكافحة الشغب لفض التجمعات واعتقال عدد من المحتجين من بينهم الابن الاكبر للنائب المعارض المخضرم ورئيس البرلمان السابق أحمد السعدون.

كما دعا النائب العام الى مقاضاة البراك، واعتقال ثلاثة سياسيين اخرين في المعارضة شاركوا في مسيرات سابقة في العاشر من اكتوبر/تشرين الاول. وبناء عليه تزايدت حدة التوترات السياسية بالفعل وعلت نبرتها قبل ان يعلن أمير الكويت قراره بتعديل قانون الانتخابات.

وجاءت مسيرة حاشدة اخرى في الحادي والعشرين من اكتوبر/تشرين الاول كاحد أكبر الاحتجاجات في تاريخ الكويت حيث شارك فيها ما يزيد على مئة ألف متظاهر اشتبكوا في معارك مع شرطة مكافحة الشغب ورددوا من جديد هتافات "لن نسمح لك".

وأظهرت هذه المظاهرات احتجاجات حاشدة للاسرة الحاكمة واتخاذ خطوة غير مسبوقة لاصدار بيان يدعو الى طاعة الامير، وذلك بعد اسبوع من تدخل مسلم البراك وما تواجهه سلطة امير الكويت حاليا من تحديات جديدة وسبل مخاطر محتملة.

جاء الكويتيون الى هنا مرة اخرى في اجراء مشابه لما حدث عام 1986 عندما علق امير الكويت انذاك الشيخ جابر الاحمد الصباح نشاط البرلمان وكان الاجراء بمثابة صدمة شديدة للحريات المدنية.

بعد ثلاث سنوات من ذلك، نظمت حملة تضم القاعدة الشعبية لاستعادة الديمقراطية بدأت تشكل ضغوطا فعلية على الاسرة الحاكمة. وفي مطلع عام 1990 سعى امير دولة الكويت الى السيطرة على الاحتجاجات من خلال تشكيل مجلس أمة مغاير للسابق.

ورفض معظم الكويتيين الاجراء ووصفوه بغير دستوري كما رفضوا المشاركة في الانتخابات اللاحقة، وعلقت الازمة بعد غزو العراق، بقيادة صدام حسين، الكويت في الثاني من اغسطس/اب.

وبدى الجمود السياسي هذا العام متوازيا مع مأزق بين الاسرة الحاكمة والرأي العام والسياسي، كما تعقد الوضع جراء اخفاق المعارضة الاسلامية المسيطرة في تقديم رؤية بديلة يعتمد عليه.

وقت حاسم

جاءت التوترات قبل اجراء انتخابات مقررة في الاول من ديسمبر /كانون الاول في الكويت التي ظلت لفترة طويلة على جبهة التطور الديمقراطي في منطقة الخليج، اذ اصبح الكويتيون اكثر دراية بحقوقهم الدستورية السياسية، وسوف يعارضون اي مساعي جديدة تقوض جهودهم.

ونظرا لكون الاسرة الحاكمة والمعارضة في موضع لايفضي الى التوصل الى حل وسط، بدا الامل منعدما في التوصل الى حل متفاوض عليه للخروج من المأزق.

وسوف تبرز الاشهر القادمة دروسا مهما لمستقبل الملكية في المنطقة بوجه عام.

وسوف تحدد الفترة السابقة ما اذا كانت الاسرة الحاكمة ترغب طواعية في التنازل عن مسؤوليات مهمة لمؤسسات منتخبة، او ما اذا كان سيجري مقاومة التعبير الشعبي الداعم لاجراء اصلاحات، كما حدث في البحرين، وما يحدث هناك من اعمال قمع تتسم بالعنف.

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك