الليبيون يحاولون المضي قدما وطي عهد القذافي

آخر تحديث:  الثلاثاء، 23 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 14:59 GMT
ليبيا

ترك القذافي خلفه مرحلة انتقالية سياسية مضطربة لم تحقق الكثير فيما يتعلق ببناء المؤسسات

رحل العقيد معمر القذافي، لكن ظلال فترة حكمه الحديدي التي استمرت لعقود لم تنتهي بعد.

فقد ترك خلفه مرحلة انتقالية سياسية مضطربة لم تحقق الكثير فيما يتعلق ببناء المؤسسات التي تحاول أن تضع الأسس التي تأمل ليبيا أن يقوم عليها حكم ديموقراطي ومستقر.

وبعد مضي عام، أجرت ليبيا أول انتخابات في تاريخها والتي شهدت تصويت الناس بكرامة وسلام، وهو ما كان بمثابة رسالة رفض لعقود من الطغيان، وتقديرا لما يمكن ان يقدمه الحاضر للشعب الليبي.

واستعاد انتاج النفط مستوياته قبل الحرب، واستأنفت بعض الشركات الأجنبية أعمالها، وإن كان معظمها يعمل في قطاع النفط.

ولكن لا تزال هناك عشرات الأمور التي تجري تسويتها الآن، مثل العلاقة المتوترة بين مدينتي مصراته وبني وليد، والتي تصاعدت حدتها في الأسابيع الأخيرة، ويبدو أنها على وشك التحول إلى معركة دامية ليس لأغلبية الشعب الليبي رغبة فيها.

ولا تزال المليشيات المسلحة تشكل تحديا مستمرا لا يمكن لأي مهدءات بسيطة أن تريح الناس منها.

ويتطلع الناس إلى الشعور بتقدم سياسي ملموس، حتى اولئك الذين دعموا العقيد الراحل القذافي، مثل هذا الرجل الذي أجريت معه حوارا في إحدى مواقف السيارات والذي طلب عدم الإفصاح عن هويته.

قال الرجل "لم يتغير شيء، وربما أصبحت الأمور أكثر سوءا الآن."

وأضاف "كانت أعمال القتل والعنف محدودة قبل ذلك، وتقتصر على أشخاص وعائلات بعينهم، وكان الناس يتفهمون ذلك، لكن الآن ليس هناك صواب أو خطأ، وأصبحت المشكلة الآن هي الفوضى، والناس ليس لديهم الآن وجهة محددة، ولا يعرفون من الذي يقودهم."

الكثير من مظاهر الحياة تسير بشكل طبيعي في البلاد، لكن لا يزال هناك شعور "بأننا لا نعرف من الذي يتولى مسؤولية البلاد"، كما يقول العديد من الناس في ليبيا، وهو ما يجعلهم يشعرون باليأس.

"في سلة القمامة"

لم يعد تشغيل المذياع أمرا يثير الذهول، فهناك مذيعون في محطات الإذاعة التي تملكها الدولة يخبرون الناس بأحدث الأخبار التي تخص شخص القذافي، والذي لم يكن ممكنا من قبل.

لقد أصبح مسموحا الآن للناس في ليبيا أن يكون لديهم إعلام خاص.

وقد أتاح ذلك وجود أصوات مختلفة عبر الأثير لم تكن موجودة من قبل، فهناك محطات باللغتين العربية والانجليزية للأخبار والموسيقى، وهناك محطة إذاعية للتيار السلفي، كما أن هناك أول محطة ليبية إذاعية تبث بالكامل باللغة الإنجليزية، وهو ما كان يعد مخالفا للقانون منذ نحو عام.

لقد اعتاد الزعيم الليبي السابق احياء ذكرى انقلاب 1969 بشكل دائم بما يجعله أحد الملامح الثابتة المرتبطة بالدولة الليبية.

وقد غير كذلك اسم ميدان الشهداء في وسط طرابلس إلى الميدان الأخضر، وذلك لكي يعكس اللون الذي اختاره القذافي كلون وطني للبلاد.

وقد وصل الأمر إلى تحويل الأبواب الأمامية للمحال التجارية إلى اللون الأخضر، وقد سارع الكثير من أصحاب هذه المحال الآن إلى تغيير ذلك اللون ووضع ألوان وتصميمات من اختيارهم.

وقد أعيد الآن تسمية شارع الأول من سبتمبر إلى شارع الرابع والعشرين من ديسمبر، والذي كان الاسم الأصلي له خلال فترة الحكم الملكي القديم، والذي يوافق تاريخ استقلال ليبيا عن الاحتلال الإيطالي.

وقد أحدثت وفاة القذافي أيضا وفاة لفكره السياسي، والذي كان مطروحا في الكتاب الأخضر الذي كان يثير الكثير من البلبلة، وكانت محال بيع الكتب ملزمة بعرض هذا الكتاب، ولم يكن مسموحا لها إلا باستيراد عدد محدود من الكتب، وهو ما قد تغير الآن.

فما عليك إلا دخول أحد أقدم هذه المحال التجارية لبيع ونشر الكتب في طرابلس، وهي دار الفرجاني، وسوف ترى هذه التغيرات بوضوح.

ففي المكان الذي كان مخصصا لوضع صورة للعقيد معمر القذافي، تم رسم علم ليبيا الوطني الجديد، وعلى الجانب الآخر من الحائط توجد صورة ضخمة للأب المؤسس الذي تحمل الدار اسمه.

ووفقا لموسى يوسف شاجوش، أحد باعة الكتب بهذه الدار، فقد أصبح الكتاب الأخضر "في سلة القمامة"، وأخذ يشير إلى الكتب الحديثة التي تعرض بعناية وتتضمن أحدث العناوين والمؤلفات.

وقال شاجوش "لقد سجنت لمدة ثمان سنوات، وذلك لأنني حاولت تأسيس حزب سياسي." وقد سارع بتقديم المستندات التي تثبت كلامه، بالإضافة إلى وجود اسمه في قائمة معدة مسبقا للمحكوم عليهم بالإعدام.

ليبيا حرة

هناك تغيرات في الشوارع الضيقة في المدينة القديمة بطرابلس، مع استمرار وجود الطرق الترابية، وأوجه المباني التي سقط من فوقها لون الطلاء، وتظهر الشقوق في جدرانها.

ولا تزال الملابس التقليدية والحلي واللوحات النحاسية اللامعة تنتشر في ليبيا، واختفت اللوحات النحاسية التي كانت تحمل صور القذافي وخلفه قرص الشمس، ولن تجد كذلك القمصان والملابس التي كانت تحمل صوره، ولا الطوابع التي كانت تحمل صورة وجهه.

ويقول عماد، أحد أصحاب المحال التي كانت تصنع وتبيع هذه الصور النحاسية الخاصة بالقذافي إنه باع آخر لوحتين تذكاريتين للقذافي قبل الثورة بيومين.

ويقول عماد إن هناك الآن المزيد من الوحدة الوطنية بين الليبيين، ويضيف "أعتقد أن العالم كله يرى ليبيا بشكل خاطئ، فنحن لدينا مشاكل أقل الآن، ولكنها أيضا أمر طبيعي."

ويضيف "فبعد الثورة، نحتاج إلى ست سنوات تقريبا، فدولة أخرى مثل فرنسا ربما احتاجت لمدة 18 سنة، لكننا لم تمر علينا إلا سنة واحدة بعد الثورة، وأعتقد أنه بعد سنتين سيكون كل شيء على ما يرام."

وخلال السير في واحدة من أزقة المدينة القديمة، رأيت رجلا مسنا تظهر على وجهه التجاعيد وكان يبيع السجاد الليبي التقليدي، وقد همس لي بهدوء قائلا "انتظري"، وذلك بعد أن التقطت له صورا وهو يجلس على مقعده.

ونهض الرجل ودخل إلى متجره الصغير وأحضر مروحة مصنوعة من القش ومثبت في أسفلها علمين صغيرين.

وقد استخدم الرجل اللون الأحمر والأخضر، والأسود، وهي ألوان علم الاستقلال، لعمل هذه المروحة وكتب عليها "تحيا ثورة 17 فبراير، وليبيا حرة."

ثم عاد الرجل مرة أخرى إلى مقعده، وهو يحمل المروحة ويلوح بها في اشارة لي بأنه على استعداد الآن لالتقاط الصور، فهذه هي الصورة التي أراد للعالم أن يراها.

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك