الجالية اليهودية في تونس... مستقبل غامض

آخر تحديث:  الخميس، 25 أكتوبر/ تشرين الأول، 2012، 17:03 GMT
يهودية تضيء الشموع

راجت انباء عن تهديدات للجالية اليهودية الصغيرة في تونس

تاريخ اليهود في تونس ضارب في القدم، فقد عاش اليهود في الشمال الافريقي قبل وصول الاسلام والمسيحية الى المنطقة. وتباينت احوالهم بين الازدهار في اوقات الرخاء او الاكتواء بنار التمييز في اوقات الشدة، غير انهم في الوقت الراهن يواجهون خطر الانقراض، ولم يبق منهم سوى 1500 شخص فقط من أصل مئة ألف شخص عاشوا هناك قبل قيام دولة اسرائيل عام 1948.

بعد اندلاع الثورة التي اطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي العام الماضي، بزغت في الافق دلالات لا تبعث على التفاؤل، بعد ان نظم السلفيون المتشددون اكثر من مرة مظاهرات مرددين خلالها "الموت لليهود".

وأثارت هذه التحركات مشاعر القلق لدى الاقلية اليهودية في تونس.

وقال جاكوب ليلوتشي، اليهودي الوحيد الذي سعى - دون نجاح - الى الفوز بمقعد في جمعية صياغة الدستور التونسي الجديد، "منذ 15 عاما، بدأنا الحديث عن الجالية اليهودية في صيغة الزمن الماضي".

وعلى الرغم من مشاعر اليأس التي تخالج ليلوتشي حيال المستقبل، فهو أيضا يشعر بالتفاؤل وأصبحت فيلا صغيرة على شاطئ بحر مدينة "حلق الوادي" في بؤرة أحلامه.

هذا المنزل الابيض الذي يتكون من طابقين ويعود الى حقبة الاستعمار له باب معدني ازرق يحمل لافتة مكتوب عليها "مطعم مامي ليلي Mamie Lily Restaurant" ، وليلي - التي سمي المطعم باسمها - هي والدته البالغة من العمر 85 عاما وهي طاهية محترفة.

يقول ليلوتشي "انها قلب وذاكرة الطهي اليهودي في تونس".

يذكر ان ليلوتشي غادر تونس عام 1978 لدراسة التسويق والاقتصاد في فرنسا، لكنه قرر العودة الى جذوره عام 1996 ليعيش الى جانب والدته وتأسيس "اخر مطعم للوجبات اليهودية في تونس".

وقال "اريد ان ادعو زبائني الى رحلة ثقافية، الى منزل يهودي قديم وبحضور والدتي في المطبخ".

وأضاف "عندما تتحدث (أمي) الى الزبائن، تبدو كأم يهودية تتحدث الى اطفالها، وترشدهم بعبارات (لا تكثر من الملح هنا، هذا ليس جيدا، لا ... هذا يكفي، لا ينبغي لك ان تأكل هذا."

الثقافة اليهودية

يهودي في معبد

عدد اليهود في تونس قبل عام 1948 بلغ نحو 100 ألف شخص

قال ليلوتشي توجد اثار للثقافة اليهودية في كل مكان في تونس، في الموسيقى والحرف اليدوية والادب والاسماء. ويأمل في ان يأتي اليوم الذي يدرك فيه عموم التونسيين ثقافتهم وتاريخهم المشترك بغض النظر عن الديانة.

ومثلها مثل معظم التونسيين تستطيع ليلي المزج بين اللغتين العربية والفرنسية بسهولة. وردا على سؤال في شأن تقييم اوضاع الحياة في تونس اليوم، اجابت بالفرنسية "كانت الحياة في ايام حكم بن علي افضل."، وبعد سؤالها عن تلك الافضيلة وسببها اجابت باقتضاب "نخاف من السلفيين."

ويتوقع ليلوتشي نهاية للحياة اليهودية في تونس، على الرغم من اعتقاده بانها ستبقى في جزيرة جربة في الجنوب.

وعلى بعد بضعة ابنية من مطعم مامي يوجد بيت موردخاي، وهو معبد يهودي حديث وصغير يصعب تمييزه عن المنازل التقليدية في الشارع الضيق.

واعرب ايلي اتون، وهو رجل اعمال يبلغ من العمر 39 عاما، عن تفائله باندلاع الثورة التونسية في العام الماضي.

وقال "في البداية اردنا رؤية تونس منفتحة وحديثة ككل ما نراه في دول غرب اوروبا. اردنا ان نصبح مثل العالم الحديث، لكن للاسف بعد بضعة اسابيع واشهر اصبح هناك حفنة من التونسيين يعارضون الحداثة التي يرغب فيها غالبية التونسيين."

واضاف ان من بين الاشياء التي تثير قلقه هي عدم رؤية رغبة حقيقية من جانب الحكومة للعمل ضد هؤلاء الناس.

وعندما نقل مراسل بي بي سي هذا القلق الى راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، وهو حزب اسلامي يقود الحكومة الائتلافية الراهنة، قال الغنوشي "القانون التونسي يمنع التحريض على العنف ضد اي جماعة، لذا أطمئن ممثلي الجالية اليهودية بان هؤلاء المسؤولين سيمثلون للمحاكمة."

واشار قائلا ان احدا لم يحاكم حتى الان، وان امريكا قضت عشر سنوات تتعقب بن لادن.

يعتبر بعض التونسيين المنهاج الفكري لحزب النهضة احد اشكال المواربة في الحديث، حيث يوجهون اتهامات للحزب بالادلاء بوعود كاذبة بشأن القيم الديمقراطية المتمثلة في حرية التعبير والمساواة في الحقوق للمدنيين وسيادة القانون - لكنها في واقع الامر اكثر اهتماما بالفكر السلفي المتشدد.

مستقبل غامض

في منطقة جربة، معقل اليهودية في تونس التي تضم احد اقدم المعابد اليهودية في العالم، لا يبدو للسلفيين اي وجود، ومع ذلك فإن انباء عن تهديدات للجالية اليهودية الصغيرة قد راجت.

وقال يهودي يبلغ من العمر 53 عاما انه رأى شعار "الموت لليهود" مكتوبا على الجدران، وكتب طامسا احداها "الموت لمن يريدون الموت لليهود".

ويقول الرجل انه عاش في الغرب لمدة تسع سنوات، لكنه عاد لانه - حسبما يقول - يحب اسلوب حياته التقليدية.

وبسؤاله عن تقييمه للمستقبل، قال ان الامر برمته في يد الحكومة، ان كانت تريد اقرار الأمن والاستقرار، حينئذ لن يجد اليهود شيئا يخافونه.

ويقول مراسل بي بي سي ان جميع من سألهم، عما إذا كانوا يرغبون في الرحيل، لا يريدون مغادرة تونس او حتى يفكرون في هذا الامر.

لا يوجد اي من اليهود، الذين عاشوا في المجتمعات العربية وبلغ تعدادهم نحو 800 الف قبل 1948 ، من يريد المغادرة.

لكن في معظم الحالات، التي حصلت فيها هجرة، كان هناك إكراه على الرحيل، حيث غادر معظمهم من هاجروا الى اسرائيل، فيما غادر نحو 200 ألف شخص الى دول الغرب، ويعتقد انه لم يبق الان سوى اقل من 200 ألف.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك