لماذا التواصل الاجتماعي سيحدث التغيير في عمان

آخر تحديث:  الجمعة، 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2012، 19:40 GMT

شهدت عمان تظاهرات جابت شوارعها العام الماضي وأوائل العام الحالي

لم يترك الربيع العربي أي أثر يذكر على سلطنة عمان. فحاكمها السلطان قابوس بن سعيد، الذي يتولى حكم البلاد منذ فترة طويلة، يعمل على تهدئة مظاهر الاستياء وعدم الرضا بين أفراد شعبه عن طريق إجراء بعض الإصلاحات.

إلا أن السؤال المطروح الآن: إلى أي مدى من الزمن يمكن للحكم التقليدي أن يصمد أمام دعوات التغيير؟

استيقظتُ مع شروق الشمس في صمت مطبق يلف منطقة الكثبان الرملية من صحراء الربع الخالي. ولم يكن معي في هذا المكان غير عيسى، وهو بدوي عماني من قبيلة المعشني، الذي كان يقوم بتحضير الشاي.

وفي الليلة الماضية، قام عيسى بتحضير العشاء أيضا، وكان عبارة عن قطع شهية من لحم الجمال قام عيسى بقليها بشحم جمل أيضا.

وبعد أن انتهينا من تناول العشاء، جلسنا نتسامر في الظلام محدقين في مجرة درب اللبانة التي كانت تزين السماء فوقنا، كالقوس الذي يزين سماء ملعب ويمبلي.

فقد كنا نعيش في خيمة في المكان الذي وصفه المستكشف سير رانولف فيينز بأنه "مكان الرياح والعناكب"، وكان يعرف في أيامه بـ"الفساد".

ومنذ ذلك الحين، تغير اسم ذلك المكان إلى اسم ألطف ليصبح "الهشمان"، إلا أنني صدمت عندما رأيت جدران المكان المتهدمة ووجدت مياه ينابيعه لم تعد صالحة للشرب.

وقد بدأت بوادر كثيرة من ذلك التغيير في الظهور على الساحة في السلطنة، وكانت الدولة تبذل كل ما لديها من جهد لكي تحافظ على مظاهر الهدوء الذي كانت تتميز به.

ثم بدأ الربيع العربي يطرق الأبواب. فقد اعتقل الشهر الماضي أحد الصحفيين العمانيين، واتهم بالتشهير، وهي القضية الأشهر بين 42 قضية داخل المحاكم العمانية، كلها متعلقة بالمشاركة في التظاهرات.

فطنة في الاستجابة

شهدت عمان، كما حدث مع أغلب جيرانها، تظاهرات جابت شوارعها خلال العام الماضي وأوائل العام الحالي، إلا أن المتظاهرين كانوا يطالبون بشكل عام بزيادة الرواتب وخفض تكاليف المعيشية، بدلا من أن تكون هناك مطالب ثورية لإسقاط النظام.

وعلى غير العادة، أتت النتيجة بموجة من الإصلاحات، حيث أعلن السلطان قابوس عن وجود عشرات الآلاف من الوظائف الحكومية الجديدة، وعمل على رفع الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى أنه طرح بدلات مالية لإسكان العاملين في القطاع العام.

كما أحدث قابوس ثلاثة تغييرات في مجلس وزرائه خلال 12 شهرا، تخلص فيها من بعض الوزراء الذين كانوا غير محبوبين بين العمانيين.

وكانت تلك الاستجابة الذكية سببا في امتصاص الزخم الذي أحدثته تلك التظاهرات. في مدينة صلالة، وهي مدينة تقع على الساحل الجنوبي من عمان، قال لي أحد رجال الأعمال المعروفين: "لقد حصل الناس على كل ما يطلبونه، ولم يتبقَ شيء يستحق التظاهر من أجله بعد ذلك." بيد أن الجميع لم يتفقوا على ذلك.

فقد أعرب العمانيون ممن تحدثت إليهم عن قلقهم من أن تلك الإصلاحات التي بادر بها السلطان لا تعدو عن كونها محاولة لتأجيل الإصلاحات الهيكلية الحقيقية في السلطنة. يمكن تلك المبادرات أن تبقي الشعب هادئا لخمسة أو عشرة أعوام أخرى، ولكن ماذا بعد ذلك؟

النشاط على الإنترنت

وكما هو الحال مع الأنظمة الدكتاتورية الفاشلة في مصر وليبيا وسوريا، فقد قرن قابوس نفسه بالدولة العمانية. ورغم أنه لم ينجب أولادا، إلا أنه لم يسمّ من يخلفه. الإساءة إليه وتعد خرقا للقانون، إلا أن الإساءة في حد ذاتها يمكن أن تفسر بأشكال مختلفة.

قال لي أحدهم، وقد رفض أن يذكر اسمه، إن "السلطان قابوس يفكر بطريقة الثمانينيات".

وبينما كنت أتناول المثلجات في صلالة، تحدث إلي عبد الله العامري، وهو محلل لأنظمة الكمبيوتر، قائلا: "التغيير يحصل في هذا البلد بالفعل وبطرق مفيدة، إلا أن مسيرته تمضي ببطء شديد."

وبالنسبة لعبد الله، فإن أحد المؤشرات الهامة لديه يكمن في الإعلام الاجتماعي، فالكل هنا، من الرعاة في الصحراء وحتى الطلبة العصريين، يستخدمون موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أو موقع المدونات المصغرة تويتر، أو برنامج واتس آب للتواصل، أو الثلاثة معا.

إن غموض وسائل الإعلام الاجتماعي وعدم إمكانية السيطرة عليها قد أحدثا قلقا في عمان. وكانت الحكومة العمانية مشغولة طيلة الصيف الماضي في التحقيق مع عشرات الناشطين في الإنترنت والزج بهم في المعتقلات.

الخطوط حمراء ليست ثابتة، بل الأمر كله متعلق بالرقابة الذاتية.

قال لي المحامي رياض البلوشي إن "العقبات التي تقف أمام حرية الرأي ليست قانونية، بل ذاتية."

تحت المراقبة

أما الأوضاع في العاصمة العمانية مسقط، التي تقع على الساحل، فتبدو هادئة بطريقة خادعة إذ يشعر السياح والمغتربون الأجانب بحرية وهم يخرجون من الفيلات ومجمعات الأسواق التجارية متجهين نحو دار الأوبرا الجديدة دون أن تواجههم أية عوائق.

إلا أنه وبحلول الليل، ستجد في مقاهي العاصمة من يتحدث إليك من المدونين العمانيين ممن يتناقلون صورا مختلفة من الأنشطة غير العادية على فيس بوك.

ومن بين هؤلاء. أكدت لي شابة ترتدي الحجاب من مستخدمي موقع تويتر، وكانت ترمقني بنظرة ريبة: "بالطبع، أعلم أن الحكومة تراقب ما أدونه على تويتر".

ويعتبر منتدى سبلة أكثر المنتديات المعروفة في عمان، وهو منتدى ألكتروني يتبادل العمانيون النكات حوله بأنه الموقع الذي يتصفحه الوزراء الجدد في بداية يوم عملهم لمعرفة ما يقوله الناس عنهم.

وكما ذكر أحد الصحفيين العمانيين فإن السلطات بشكل عام تغض الطرف عما يُكتب باللغة الإنجليزية، أما ما يُكتب باللغة العربية فإنهم يهتمون به للدرجة التي قد تصل إلى حبس المعارضين.

إلا أن التباين في التعامل مع الدول المجاورة مقارنة مع بقية دول العالم هو استراتيجية لا تعجب الشباب العماني المنفتح على العالم والذي لديه القدرة على فهم ما يجري بنفسه.

وفيما يبدو أنها مجرد مسألة وقت قبل أن يبدأ العمانيون في اللجوء إلى الإعلام الاجتماعي ليضعوا الحكومة أمام المساءلة.

وكما قال لي أحد الشباب العمانيين، فإن كل عماني يحب السلطان قابوس. إلا أن العمانيين الأكبر سنا يحبونه أكثر.

ومع اقتراب السلطان من سن الـ 72 عاما، فإن حوالي ثلاثة أرباع العمانيين تقل أعمارهم عن 25 عاما. يمكن القول إن لعبة الأجيال العمانية في طريقها نحو المواجهة.

اقرأ أيضا

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك