دمشق – قصة مدينتين

آخر تحديث:  الاثنين، 10 ديسمبر/ كانون الأول، 2012، 13:12 GMT
دمشق

دمشق ليست على وشك السقوط

في هذه اللحظة، هناك في العاصمة السورية دمشق قصة رهيبة لمدينتين، وأنا هنا في منتصف المدينة، ولست بعيدا عن واحد من أعظم الأماكن في العالم: مدينة دمشق القديمة التي تحيطها الأسوار.

فهذه المدينة القديمة تضم المسجد الأموي الذي يعود تاريخه إلى 1400 عام، والعديد من الجوانب التاريخية المتتالية حيث تنتشر الأعمدة الرومانية التي تعمل كدعامات للأروقة التجارية في منطقة السوق.

ولا يزال الناس هنا يعيشون ويعملون في الشارع الذي يعرف باسم الشارع المستقيم، وهو أحد أشهر شوارع دمشق القديمة الذي تقول التوراة إن القديس بولس أقام به بعد أن أصيب بالعمى في طريقه إلى دمشق.

وتقع مدينة دمشق الأخرى في منطقة الضواحي الحديثة، التي يسيطر المسلحون على أجزاء كبيرة منها، وذلك بالرغم من محاصرتهم من قبل قوات النظام.

وفي الأسبوع الماضي، أستهدف الجيش السوري النظامي منطقة الضواحي بالقصف المدفعي.

عواقب الجفاف

وبالنسبة لي كبريطاني، حينما أسمع كلمة ضواحي تتبادر إلى ذهني صورة المكان الذي نشأت فيه، حيث الحدائق، والأسوار التي تكسوها الأشجار، وحيث يسير الأطفال إلى مدارسهم في مرح، وحيث تنبعث روائح الطعام في عطلة نهاية الأسبوع.

لكن ضواحي دمشق ليست كذلك، فهي تضم مجرد مبان خرسانية، وغابات تحجب نسيم الهواء، وهي تتمدد بشكل فوضوي وتسع الآن الكثير من الأشخاص الذين هاجروا إلى العاصمة بحثا عن العمل، وذلك بعد أن أصبحت الحياة في الريف صعبة للغاية.

ومن بين الأسباب التي دفعت العديد من السوريين أن يكونوا على استعداد للمخاطرة بحياتهم بمعارضة بشار الأسد، هو النتائج الرهيبة الناجمة عن التعرض لأسوأ موجة من الجفاف في تاريخ سوريا والتي أتت في الفترة من 2006 إلى 2011.

وبحسب الأمم المتحدة، قضت هذه الموجة على حياة 800 ألف شخص، كما قضت على 85 في المئة من الثروة الحيوانية في شمال شرقي سوريا.

وقد زاد النظام القائم الأمر سوءا من خلال تقديم الدعم لكبار ملاك الأراضي فقط الذين كانوا يزرعون محاصيل مثل القطن والقمح بكثافة، والتي تحتاج إلى الكثير من المياه.

وفي دمشق، كان بعض هؤلاء الرجال الذين يحملون السلاح ضد بشار الأسد يعملون قبل ذلك في الحقول التي تعرضت للجفاف، وكان الفقراء يتحرقون غضبا، حيث لم يكن لهم يد في الوضع الراهن، وقد أصابهم اليأس بما يكفي لمواجهة النظام.

والآن أصبحت منطقة شمال شرقي سوريا معقلا للمسلحين.

وحتى شهر مضى تقريبا، كانت الحرب في سوريا تبدو في مرحلة جمود، حيث لم يستطع أي طرف أن يهزم الطرف الآخر.

لكن الوضع لم يعد كذلك الآن، وذلك لأن المعارضة المسلحة قد زادت من عملياتها في العاصمة دمشق.

وكنت هنا في دمشق في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وكان السبب وراء عدم عودتي إلى دمشق هو أنه كان يجب الحصول على تأشيرة دخول إلى سوريا، وهو ما أصبح أمرا عسيرا هذه الأيام.

وفي بداية هذا العام، كان المسلحون يظهرون لأول مرة في الضواحي، وقد تعجبت عندما لحقت في صباح أحد الأيام بمجموعة من الصحفيين المتوجهين لحضور جنازة لأحد المحتجين، وقد وجدت أنه بعد المرور بنقطة تفتيش تابعة للشرطة السورية ببضعة دقائق فقط، ظهر عناصر الجيش السوري الحر الذي يسيطر على هذا الجزء من المدينة.

ومنذ ذلك الحين، بدأ الجيش السوري الحر في بناء قوته شيئا فشيئا.

دمشق ليست على وشك السقوط، ولكن مركز المدينة، وهو نقطة قوة النظام، بدأ يشعر بأنه تحت الحصار.

لكن هذه أيضا ليست الحالة بالمعنى الحرفي، فالجيش النظامي يسيطر على العديد من الطرق الرئيسية من وإلى المدينة، لكن في الوقت نفسه تحيط قوات الأمن المباني الحكومية ومقرات الجيش الرئيسية، وذلك لحمايتها من التعرض للتفجير.

فقد تعرضت واجهة المقر الرئيسي لقيادة أركان الجيش، التي لا تبعد كثيرا عن المكان الذي أمكث فيه، إلى التفجير.

وقد تم قطع الطرق القادمة من الضواحي بحواجز الطرق، ويشكو سكان دمشق من أزمة مرورية كبيرة، نجمت عن اغلاق عدد الشوارع لأسباب أمنية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك القصف الذي تتعرض إليه المدينة من المنتصف وباتجاه منطقة الضواحي، وبالتالي لا يبدو الأمر وكأن القذائف تسقط بالقرب من المباني الحكومية فقط، فعندما تسمع أصوات القصف في أرجاء المدينة لا يمكن أن يكون الأمر طبيعيا.

ومنذ أيام قليلة، جمعني حديث مع مختار لماني، الذي يعمل مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا الأخضر الابراهيمي. ولا أعتقد أن هناك تحدٍ دبلوماسي أكبر من هذا التحدي الذي يواجهونه الآن، حيث يسعون لإيجاد اتفاق سياسي لإنهاء الحرب.

وقد أفصح لماني عن وجهة نظرة بشأن ما يمكن أن يحدث، وقال إن البديل عن التسوية هو وجود دولة فاشلة، يقاتل من أجلها أمراء حرب، كما يحدث في الصومال الآن.

وأضاف لماني أن الوضع في سوريا قد يكون أكثر سوءا، لأن الصومال كانت دولة منعزلة نسبيا، لكن سوريا تربطها علاقات قوية بالدول المجاورة من خلال الروابط العائلية، والدينية، والعرقية.

فهي تقع في مركز محوري في أكثر الأماكن اشتعالا من الناحية السياسية، وأكثر الأماكن هشاشة في منطقة الشرق الأوسط.

ففي مدينة طرابلس اللبنانية هذا الأسبوع، قتل ما لا يقل عن عشرة اشخاص عندما اشتبكت فصائل يؤيد كل منها طرفا من طرفي الصراع في سوريا.

وتستطيع الدول المجاورة لسوريا أيضا، مثل العراق وتركيا والأردن وإسرائيل أن تشعر بحرارة الصراع المقبلة عبر الحدود، ولكن المخاطر قد لا تكون أعلى من ذلك، وقد لا تكون التوقعات أسوأ من ذلك أيضا.

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك