سوريا: التحدي والإصرار في دمشق التي مزقتها الحرب

آخر تحديث:  الثلاثاء، 11 ديسمبر/ كانون الأول، 2012، 21:16 GMT
سوريا

صدى الانفجارات يدوي في أرجاء المدينة، وأحيانا يعلو الدخان الذي تسببه النيران المشتعلة ويخيم على أجزاء كبيرة من العاصمة.

أنام ونوافذ حجرتي مفتوحة، وأستيقذ في الصباح على أصوات الانفجارات، وأرقد في حجرتي في الدور السابع بأحد الفنادق بوسط دمشق، وأحاول أن أكتشف ما الذي يحدث بالخارج قبل أن ألقي نظرة.

في الأسبوع الماضي، كانت أصوات الانفجارات والضجيج في الصباح متقطعة، لكنها لم تتوقف، وأحيانا تكون هناك فترات هدوء طويلة، ثم تأتي بعد ذلك ساعات قليلة تشهد انفجارات مكثفة.

واستطاع المسلحون هنا أن يحصلوا على أسلحة ثقيلة، لكن معظم الأسلحة القوية التي يمكنها أن تسبب انفجارات تهز أرجاء المدينة هي تلك الأسلحة التي يسيطر عليها النظام.

وعندما تكون السماء صافية، تتكثف الهجمات وربما يعود ذلك إلى سهولة استخدام القوات الجوية في مثل هذه الأيام لقصف المدينة.

وعندما تختلط أصوات الأسلحة الثقيلة باصوات الانفجارات، فهذه اشارة إلى أن هناك اشتباكات تدور بين المسلحين على الأرض على بعد أميال قليلة من الفندق الذي أمكث فيه.

وهناك جانب من دمشق يقع في منطقة التلال الصخرية شديدة الانحدار، مما يجعل صدى الانفجارات يدوي في أرجاء المدينة، وأحيانا يعلو الدخان الذي تسببه النيران المشتعلة ويخيم على أجزاء كبيرة من العاصمة.

حرب نفسية

لقد مر وقت طويل الآن حتى اعتاد الناس في وسط مدينة دمشق، معقل نظام الرئيس بشار الأسد، على أحداث العنف اليومية.

ومنذ أيام قليلة، كنت أنتظر السيارة التي تقلني حينما كنت في وزارة الخارجية، ونظرت خارج النوافذ الزجاجية فوجدت سحابة من الدخان الأسود الناجمة عن قصف جوي لبعض العقارات السكنية التي تبعد نحو ميل من مقر الوزارة.

وتوجهت بالسؤال لنائب وزير الخارجية فيصل مقداد حول ما إذا كانت الحرب التي امتدت بمثل هذه القوة نحو دمشق تعني أن نظام بشار الأسد الذي استمر نحو 40 عاما في ظل حكم الابن والأب، باتت أيامه معدودة.

لكن مقداد نفى وجود حرب حقيقية من الأساس في العاصمة دمشق، فضلا عن أي حديث حول امكانية تخلي بشار الأسد عن السلطة.

وقال مقداد "بعض الناس يتحدث عن مثل هذه الأشياء، لكني أعتقد أن هذا شيئا مضحكا، وأن هذه فقط مجرد حرب نفسية."

وأضاف: "الحكومة قوية، والجيش السوري قوي، والشعب السوري لا يزال يقف خلف بشار الأسد، وهذا هو السبب وراء استمرار بقاء الرئيس الأسد والنظام السياسي."

ضغوط غير مسبوقة

إن الحرب الموجودة الآن في العاصمة دمشق تعطي إشارة أن النظام يواجه تحديات كبيرة حيث لم يواجه بشار الأسد من قبل ضغوطا كبيرة بمثل هذا الحجم من المعارضة في الداخل أو العداءات المتزايدة من القوى الأجنبية بالخارج.

ومن بين الأشياء التي تساعد نظام الأسد على البقاء الدعم الذي يلقاه من إيران، والغطاء الدبلوماسي الذي تقدمه روسيا والصين.

والطرف الآخر الحيوي الذي يساعد النظام على البقاء قويا هو الدعم الحقيقي من قبل الأقليات الموجودة في سوريا.

كما أن صخرة الدفاع عن الرئيس الأسد هي الطائفة العلوية في البلاد، بالإضافة إلى بعض الدعم من المسيحيين، والدروز، والأكراد، وآخرين.

وفي المقاطعة 86 بمنطقة المزة، وهي معقل لطائفة العلويين، ترى الرجال يحملون السلاح دفاعا عن النظام، ويرفعون اللافتات المؤيدة في الشوارع والحارات الضيقة، ويحتفلون بالرجال الذين ماتوا في المناطق المجاورة في الحرب من أجل الرئيس.

وكان فادي حمود أحد هؤلاء الذين قتلوا دفاعا عن النظام، وكان يعمل في جهاز مخابرات القوات الجوية، وهو أخطر سلاح أمني يخشاه الناس في البلاد.

وقالت والدته، وتدعى أمال وصي، إنه كان رجل طيب، حيث وجد يوما من الأيام ظرفا به مال، فلم يهدأ له بال حتى وجد الرجل الذي فقده وأعاده إليه.

وكانت زوجته هبة تحمل أحد أطفالها الاثنين، وقالت إن الأمر كان يستحق تضحيته، وإن جميع السوريين ينبغي أن يكونوا مستعدين للموت في سبيل وطنهم ورئيسهم الذي يبذل كل ما في وسعه للحفاظ على وحدة البلاد ضد الإرهابيين الذين تدعمهم أوروبا.

وكان فادي حمود واحدا من بين ثمانية أخوة، خمسة منهم جنودا في جيش النظام، بينما كان الآخرون صغارا جدا وينتظرون الوقت المناسب للالتحاق بالجيش.

ضاحية متمردة

خرجت من الفندق مع اثنين من الزملاء للاقتراب قليلا من الأماكن التي تتعرض للقصف اليومي.

وكنا نتجه نحو عدد من الأشخاص الذين وعدوا بأخذنا إلى حي الدومة بريف دمشق، وهو الحي الذي شارك بكامله في الانتفاضة منذ البداية، ومر بمراحلها المختلفة، بداية من المظاهرات المطالبة بالإصلاح إلى الحرب الشاملة مع النظام.

وكان المرور في وسط المدينة صعبا، وكان السائقون يطلقون أبواق سياراتهم ويتحركون ببطئ، مع تزايد الشعور بالإحباط لديهم.

ويحدث الزحام المروري لأن العديد من الطرق تغلق في إطار الإجراءات الأمنية المشددة، وتمر السيارات فقط من خلال ممرات ضيقة بسبب وجود عدة حواجز على الطرق.

ولا تزال الحياة في وسط دمشق مستمرة، رغم أن المدينة تشعر بحجم الحرب الدائرة، لكن الناس يذهبون إلى أعمالهم، ويذهب الطلاب إلى مدارسهم، لكنهم يفتقدون مواسم كرة القدم التي تم تعليقها.

ويرتفع سعر الوقود أكثر فأكثر، وهناك طوابير من أجل شراء الخبز، وقد قلبت الحرب حياة بعض الناس رأسا على عقب، وأنهت حياة آخرين.

وحينما كنت في الحرب الأولى بالنسبة لي في السلفادور منذ 23 عاما من الآن، رأيت رجلا يبيع الطماطم على بعد عدة مبانٍ من الشارع الذي تجري فيه الحرب، وحينها أدركت أن البشر يتأقلمون ويتعاملون بمرونة بشكل ملفت للنظر مع واقع حياتهم.

كنت هنا في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، واتجهت أيضا نحو حي الدومة، واليوم أنا في طريقي إليه، ولكنني جدت المباني وقد قصفت على جانبي الطريق، وقد تم تسويتها بالأرض تماما، وذلك لمنع اختباء المسلحين بداخلها، ومنعهم من الاتجاه شمالا عبر الطريق الاستراتيجي الرئيسي، وكذلك لمنعهم من الوصول إلى مبنى المخابرات الخاص بالقوات الجوية.

الآن يمكننا الوصول إلى الدومة عبر نفس الطريق الزراعي الطيني الذي استخدمناه في المرة السابقة، لكن الوضع داخل المدينة أصبح مختلفا جدا.

أصبح المسلحون الآن يسيطرون على المدينة، بعد أن كانوا يظهرون فقط في بعض شوارعها، كما أصبح الآن ما يعرف باسم "لواء الإسلام" الذي يضم مجموعة من المقاتلين في المدينة يمتلك أسلحة ثقيلة.

وكانوا من قبل يحملون البنادق والكلانشنكوف، وتتهم الحكومة هذه المجموعة بأنها جماعة من الجهاديين المتشددين، بينما ينفي الناس في الدومة هذه الاتهامات.

وقال أحد قادة هذه المجموعة "ربما نكون متدينين، ولكننا لسنا من القاعدة."

كما أعرب هذا القائد عن رفضه لما يعرف باسم "جبهة النصر"، وهي مجموعة من المسلحين الذين يتبنون الفكر الجهادي، والتي وضعتها الولايات المتحدة على قوائم المنظمات الإرهابية.

وأضاف القائد: "هذه المجموعة مثل القاعدة، لكننا لسنا كذلك."

وهناك متحدث باسم لواء الإسلام في الدومة، ويطلق عليه اسم العقيد إسلام والذي يقول إنه كان في الجيش السوري قبل أن ينشق عنه.

ويقول المسلحون إنهم يسيطرون على نحو ثلث مساحة دمشق وضواحيها، وقد أظهروا لي أدلة في الدومة على أنهم يستحوذون على مزيد من الأرض، بينما يقول النظام إن المسلحين يسيطرون فقط على عدة "جيوب" من المدينة.

واتجهنا إلى منطقة من المدينة يقول المسلحون إنهم سيطروا عليها منذ أربعة اسابيع فقط.

وكانت هناك بعض الدبابات المحترقة، والحواجز المكونة من أكياس الرمال التي تدل على أن هذا المكان كان نقطة تفتيش تابعة للجيش.

ويقول العقيد إسلام أن المقاتلين دمروا 24 نقطة تفتيش وهم يدفعون الجيش السوري للتراجع إلى الخلف.

وأضاف: "لقد قتلناهم جميعا، وكانوا يحاربوننا وقتلوا العديد من المدنيين في سوريا."

مدينة مدمرة

لقد دمرت الدومة عبر القصف الجوي والمدفعي، وتعرضت جميع المنشآت تقريبا إلى أضرار، وتحولت المباني، وشوارع كاملة في بعض الأماكن، إلى أطلال.

وفي الصباح الباكر، كان المكان يبدو خاليا من المدنيين، حيث فر العديد من سكان الدومة خارج المدينة، لكن مع مرور الوقت ظهرت بعض العائلات الصغيرة، وبعض الأشخاص من كبار السن في الشوارع، وهؤلاء على ما يبدو لم يجدوا مكانا ليفروا إليه.

وربما كان ذلك اليوم يبدو مليء بالضباب، مما يعني أن الهجمات الجوية ستكون قليلة.

واصطحبنا بعض رجال العقيد إسلام إلى قاعدة ضخمة للجيش، والتي يقولون أنهم استولوا عليها من الجيش خلال القتال معه منذ أربعة أسابيع.

وقد تدافع العديد من المسلحين للوقوف على لوحات استعراضية على الأرض لا تزال تحمل صورا لوجهي الرئيس بشار الأسد ووالده.

وكانوا يصيحون: "الله أكبر" في كل مرة ينسجمون فيها مع ما يقومون به، وكانوا أيضا يركضون ويرددون بعض الشعارات الثورية.

خياران

إن التعرض للإصابة ليس أمرا مريحا لأي من الجنود هنا، فالقوات النظامية لديها مستشفى تشرين العسكري، وهي مستشفى ضخم وحديث، وتنبعث منه رائحة الأدوية ورائحة الحزن أيضا.

لكن المقاتلين هنا يقولون إن لديهم غرفة عمليات واحدة فقط، ويقولون إن الجيش السوري استهدف جميع العيادات والمستشفيات في المنطقة التي يسيطرون عليها.

وقد أقام مقاتلو لواء الإسلام بعض العيادات في المواقع التي يحاولون الإبقاء عليها سرية، والتي تعني أن فرق الهلال الأحمر الطبية لن تصل إليها.

وفي أحد من هذه الأماكن، وكان ذلك على ما يبدو منزلا لشخص ما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، كان هناك رجل يخضع للعلاج.

وكان الرجل مصابا بجروح بليغة، حيث تعرض لقصف صاروخي فقد على إثره كلتا قدميه، ولم يكن أحد من الفريق الطبي المكون من ثلاثة أشخاص هنا طبيبا مؤهلا، حيث كانوا جميعا أطباء أسنان.

وقام الفريق بعلاج قدم الرجل المصاب الذي كان يصرخ من الألم عندما بدأوا في وضع المطهر على جروحه وإجراء خياطة لها.

وأمام سوريا الآن خياران، الأول وهو الأقل احتمالا، هو التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف المتحاربة، وقد يبدومن الصعب، نظرا لواقع الأمر، أن نرى ذلك يتحقق.

وإذا لم يتمكنوا من ذلك، فسوف تواجه سوريا حربا أهلية طويلة، وهذا الخيار الثاني مليء بالأخطار، ليس فقط على الشعب السوري، ولكن أيضا على الشرق الأوسط بالكامل.

اقرأ أيضا

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك