ماضي الدوحة وحاضرها

آخر تحديث:  الخميس، 10 يناير/ كانون الثاني، 2013، 19:02 GMT

تشهد العاصمة القطرية تغييرات كبيرة تنذر بزوال الدوحة القديمة

العاصمة القطرية الدوحة مدينة المتناقضات. فخلال عقود قليلة، تحولت المدينة من مجرد ميناء من الموانئ المحطمة لتصبح مدينة متألقة.

واليوم تزين سماء العاصمة القطرية ناطحات السحاب الضخمة، إلا أن الدوحة القديمة لا تزال موجودة، على الرغم من تسارع وتيرة اختفائها.

ففي طرقها المتربة غير المتناسقة بشارع الديوان في الجزء القديم من الدوحة، يتربع الهنود والباكستانيون جالسين خارج المقاهي والمطاعم.

وعلى الرغم من الرياح الباردة التي هبت بحلول مساء ذلك اليوم، إلا أن العشرات من الرجال يجلسون على مقاعد صنعت من صناديق الكرتون، بينما يجتمع البعض الآخر داخل متاجر الأجهزة الإلكترونية المستعملة لمشاهدة التلفاز.

وفي نهاية الطريق، تجد البعض الآخر مصطفين أمام المحال التجارية المزدحمة لشراء مستلزماتهم اليومية من الشاي والحليب والسكر والخبز والصابون.

ويمكن القول أن تلك المحال تفتقر للإضاءة الجيدة والطريقة المرتبة لعرض البضائع، وذلك على العكس تماما من المحال التجارية الكبيرة الحديثة المكيفة التي تقع في الجانب الآخر من المدينة.

وقريبا من تلك المنطقة، تجد صالات الطعام الضخمة التي تستقبل العمال وتقدم لهم صنفين من وجبات لحم الغنم المطبوخ بالكاري إلى جانب وجبة من البقوليات، تقدم مع الخبز وتبلغ تكلفتها حوالي 15 ريلا قطريا، أي حوالي 4 دولارات.

وقد تكلف الوجبة نفسها في أحد الفنادق الفاخرة في الجانب الآخر من المدينة ما يقرب من أضعاف هذا المبلغ عشرين مرة.

وتعتبر قطر، الدولة الخليجية الصغيرة، دولةً ذات تطلعات محلية ودولية واسعة.

حيث أخذ أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، على عاتقه نظاما من شأنه تحديث هذا المجتمع الذي كان يوما ما يعمل في مجال الغوص للبحث عن اللؤلؤ في قاع البحار.

وتتباهى قطر اليوم بإقامة عدد من الجامعات الدولية على أرضها، وإطلاق العديد من المبادرات الفنية واسعة النطاق، وترعى اقتصادا متنوعا لمرحلة ما بعد النفط.

كما أن لها دورا دبلوماسيا قويا على الصعيد الخارجي. ففي الأعوام الأخيرة، بذلت الدوحة جهودا للوساطة في اتفاقية السلام داخل أفغانستان باستضافتها مكتبا للشؤون الخارجية لطالبان. كما أن أحداث الربيع العربي شهدت تداخلات سياسية وعسكرية في سوريا وليبيا برعاية قطرية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، قام الأمير القطري بزيارة إلى الضفة الغربية وقدم مساعدة مالية بلغت 400 مليون دولار للقيام ببعض المشروعات في قطاع غزة.

العولمة والسياسة

على الرغم من ان الامارات الأخرى التي تجاورها، مثل دبي وأبو ظبي، أخذت فترات أطول في عملية التحول والتطور تلك، إلا أنه يبدو أن قطر هي الوحيدة التي تدرك أن العولمة تكمن في السياسة.

وتأتي تلك الطموحات القطرية مدفوعة باحتياطات الدولة الضخمة من النفط، حيث تمتلك ثالث أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي المعروفة على مستوى العالم، وتسبقها روسيا وجارتها إيران.

أما في الداخل، استضافت قطر عددا من المحافل الدولية. حيث استضافت دورة الألعاب العربية عام 2011. كما استضافت الدوحة مؤتمرا للتغير المناخي" الذي تقيمه الأمم المتحدة، كما ستستضيف قطر كأس العالم عام 2022.

إلا أن ذلك النمو السريع خلق عددا من التناقضات المثيرة للدهشة في المدينة

فوسط الدوحة يزهو بناطحات السحاب والفنادق الفاخرة والعمارات السكنية الفارهة. كما أن تلك المنطقة تبدو مثل أي منطقة حديثة أخرى، حيث فيها نسبة كبيرة من الجاليات الغربية. وفي المساء، يتوجه الناس إلى المطاعم المحلية والأسواق.

وتجد سلاسل الفنادق العالمية ذات الخمس نجوم، مثل سلسلة فنادق "دبليو" وفنادق "كمبينسكي إلى جانب البنايات السكنية التي مازالت تحت الانشاء. ويضم مجمع "سيتي سنتر" التجاري مكانا لتناول الطعام، وساحة للتزحلق على الجليد، إضافة إلى صالة عرض سينما متعددة الشاشات.

تفتقر الدوحة القديمة الى مظاهر الحداثة والبريق ولكنها ما زالت تجذب الكثيرين

وعلى النقيض، يبدو كما لو كان الوقت في منطقة مشيرب، الجزء القديم من العاصمة القطرية، متوقفا تماما. ففي عطلة نهاية الأسبوع، تجد الشوارع مزدحمة بالمارة وسيارات الأجرة، حيث إن العمال يتوجهون إلى المحال هناك للتبضع وقضاء يوم إجازتهم.

ولايفصل منطقة مشيرب المتكدسة عن منطقة الخليج الغربي الحديثة سوى خمسة أميال، إلا أن الفرق شاسع بينهما فيما يخص النواحي الجمالية.

وأظهرت إحصائية غير رسمية أجريت عام 2011 أن نسبة القادمين في منطقة مشيرب بلغت 71 في المئة، وأغلبهم من الذكور.

كما أن معدلات الرواتب الشهرية للعمال والسائقين وعمال النظافة تتراوح بين ألف إلى ألفي ريال قطري -أي ما يتراوح بين 266 إلى 533 دولار أمريكي-، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بمعدلات الرواتب الشهرية في الدولة التي قدرتها منظمة العمل الدولية بحوالي 7,401 ريال قطري.

فعلى سبيل المثال، محمد سليم، ذو الخمسة والخمسين عاما، يدير صالونًا للحلاقة هو ومساعده، وهو من مواليد منطقة بيشاور بباكستان، ويتميز بروح دعابة ظريفة.

وتحدث سليم عن الدوحة عندما وصل إلى منطقة مشيرب وهو في الثانية والعشرين من عمره، بأنها كانت هادئة تضم بين جنباتها عددا قليلا من الميزات الحديثة.

وقال: " مقارنة ببيشاور التي تركتها مدينة كبيرة، بدت لي الدوحة صغيرة جدا، فلم تكن هناك شوارع واسعة أو مجمعات تجارية كبيرة."

ويستأجر سليم محله ذلك من مالك قطري، كما أنه، كالكثير من العمال المقيمين، يدفع لكفيل قطري للحصول على تأشيرته التي تمكّنه من إقامة مشروع في الدولة. وفي المقابل، فإنه يتشارك نسبة من الأرباح معه.

المتاجر في الدوحة القديمة تختلف تماما عن المجمعات التجارية مكيفة الهواء في الجانب الآخر من المدينة

وكان سليم قد افتتح العام الماضي صالونا ثانيا لتصفيف الشعر، حيث إن إيجاره الشهري قليل نسبيا، على حد قوله، إلا أنه لاحظ انخفاضا في أعداد الزبائن في السنوات الأخيرة.

وأضاف سليم: "لقد تغيرت الدوحة مع قدوم الكثير من الأجانب إليها في السنوات الأخيرة، فمن كانوا يأتون إلى هنا للحلاقة أصبحوا يذهبون إلى صالونات تصفيف الشعر في مراكز التسوق الكبيرة."

وتابع وهو يشير إلى الشارع خارج محله: "إن هذه فقط هي الدوحة الأصلية، أما الباقي فيعتبر دوحة جديدة الآن."

ومثل باقي المناطق في العاصمة، بدأت منطقة مشيرب أيضا تستقطب أشكالا جديدة للحداثة.

حيث يجري التخلص من هذه المنطقة شيئا فشيئا لتحل محلها مناطق سكنية متوسطة وعالية المستوى. فالمحال والمطاعم القديمة آخذة في الاختفاء من المنطقة، لتحل محلها سوق جديدة تحوي داخلها بعض المحال والمطاعم.

وعلى العموم، يمكن القول بأن ما يتراوح بين سبعة آلاف إلى تسعة آلاف مقيم في تلك المنطقة، وهي نسبة كبيرة من الجالية الآتية من جنوب آسيا في المدينة، يتوقعون أن يتم إخراجهم من منازلهم. كما سيقع التأثير نفسه أيضا على آلاف العمال ممن يزورون تلك المنطقة في عطلات نهاية الأسبوع.

ومن المتوقع أيضا أن ترتفع نسبة إيجارات العقارات المحلية، حيث إن عمليات الإزالة للأبنية القديمة ستزيد من الضغط على قطاع التجزئة العقارية.

وبالنسبة للعديد من سكان الدوحة، فإن ثروة منطقة مشيرب تكمن في وفرة مواردها من العمالة، من السائقين وعمال الحدائق والحرفيين.

وعلى بعد بضعة شوارع من هذا المتجر، يبيع الباكستاني إسماعيل ساجد اسطوانات الدي في دي التقليدية بخمسة وثلاثين ريالا قطريا. ويبرز التصميم الداخلي لمحله بعض الملصقات التي ترتبط بسينما هوليوود وسينما بنجاب.

ويأتي إلى متجره العاملون المقيمون ليبحثوا في قوائم الاسطوانات المنسوخة لديه ويختاروا ما يريدونه منها.

ويعيش ساجد في الدوحة منذ اكثر من عشرة اعوام، ويحصل على دخل شهري لا يمكنه أن يحصل عليه أبدا في باكستان، إلا أنه يفكر في العودة إلى بلده إذا ما وصلت عمليات الإزالة إلى متجره.

وعلى العكس من جيرانه، فإنه يرفض أن ينتقل متجره إلى بروة، وهي المدينة الجديدة التي خصصت للعمالة الأجنبية والتي تبعد ما يقرب من عشرة كيلو مترات عن العاصمة.

وقال ساجد: "أحب منطقة مشيرب وأعتبرها منزلي. ولن أكون قادرا على تحمل نفقات مشروع آخر إذا ما اختفت هذه المنطقة. سأكون حزينا، إلا أنه لا يمكنني أن أتجاهل أن المدينة في طور التغيير الآن."

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك