تشتت سياسي في التعامل مع اللاجئين السوريين في لبنان

آخر تحديث:  الخميس، 10 يناير/ كانون الثاني، 2013، 15:05 GMT

في لبنان أكبر عدد من اللاجئين السوريين في منطقة الشرق الأوسط

أزمة اللاجئين السوريين، مرشّحة للتفاقم فقد بات في لبنان اليوم أكبر عدد من اللاجئين السوريين في المنطقة.

ومع تشديد الإجراءات على الحدود التركية والأردنية مع سوريا، فإنه من المتوقع أن يتحوّل لبنان إلى المنفذ الوحيد المتبقي أمام سوريين مهددين بالموت في حرب لا تبدو قريبة من الحسم.

لا مخيمات في لبنان

إلا أن هذا الملاذ اللبناني بالكاد يوفر الأمن لهؤلاء، ما عدا ذلك "فالموت أرحم. يا ليتنا متتنا في سوريا ولم نأت،" بحسب لاجىء سبعيني العمر في صيدا، جنوبي لبنان.

وهذا اللاجئ كغيره ينتظر مساعدات وهبات من جمعيات تقدّم بعض المواد الغذائية والأغطية لتقيه البرد في شتاء هو الاقسى منذ عشرات السنوات في لبنان. أما المسكن، فهو بما تيسّر إذ يقيم معظم اللاجئين إما عند أقارب أو في منازل وغرف تدبرها جمعيات لهم ولعائلاتهم.

وتكثر الجمعيات التي تُعنى بشؤون اللاجئين في لبنان، إلا أن كثرتها قد لا تكون مفيدة بالضرورة. ففي مناطق عدة تتقاطع نشاطات هذه الجمعيات ولا تعمل بشكل منسق ومنضبط مما يؤثر على عمليات الإغاثة بأكملها وعلى التوزيع العادل لهذه المساعدات.

ففي بعض الحالات تحصل عائلات على فيض من المساعدات الغذائية ، مقابل عدم تمكّن عائلات أخرى من تأمين الحدّ الادنى منها.

وعلى عكس وضعهم في بلاد أخرى، لا يقيم اللاجئون السوريون في لبنان في مخيمات فمنذ بداية الصراع في سوريا ظهر موقف سياسي واضح لاطراف لبنانية متعددة من بينها حزب الله برفض إقامة مخيّمات للاجئين من سوريا.

ويتحجج رافضو هذه الفكرة بأن السوريين الذين يأتون إلى لبنان يقصدونه بشكل مؤقت ولا داعي لتكريس بقائهم لمدة أطول من خلال إقامة مخيّمات لهم. في الأشهر الأولى لبدء تدفق اللاجئين بدت المسألة محصورة ولكن مع تزايد أعداد هؤلاء عاد كثيرون ليشككوا في صواب فكرة عدم إقامة مخيمات.

خطوات حكومية

ومع الوقت تبيّن أيضا أن الطريقة التي تعاطت فيها الدولة مع ملف اللاجئين ضاعفت المشكلة فقد ظلت الحكومة لأشهر طويلة تتعامل مع هذه القضية بشكل مجتزىء وبمنطق رد الفعل بدل المبادرة والتخطيط.

وبعد نحو عامين على بدء الصراع في سوريا، اعترفت الحكومة بأنها لم تعالج الملف بالطريقة الصحيحة وبأن تدفق ما يقدّر بمائتي ألف لاجىء سوري إلى لبنان يفرض عليها سلسلة تحديات.

وبعد تأجيلات متكررة تمكّن الوزراء في الحكومة من التوافق على سلسلة خطوات، تُعتبر هذه الخطوات بمثابة مسح لتكلفة تقديم خدمات أساسية للاجئين من تعليم ورعاية صحية.

وعلى أساس هذا المسح، سيحث لبنان هيئات ودولا مانحة على المساهمة في التكلفة بعد أن أعلنت الحكومة استنفاد امكانياتها لكن الجهد الحكومي يأتي هنا مقرونا بتهديد بأنه بغياب المساهمات المالية المطلوبة، فإن لبنان سيضطر إلى تغيير نهجه في التعامل مع الأزمة.

"أزمة اللاجئين تكاد تكون التحدي الاخطر ليس فقط على الحكومة بل على الدولة بشكل عام"، كما يحذر وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور الذي يتابع الملف بجوانبه كافة. ولكن الوزير كأي متابع آخر للقضية يعي حجم التعقيدات التي تحيط بهذا الملف وأولها انقسامات سياسية جوهرية داخل الحكومة نفسها.

إنقسام سياسي

ففي وقت تطلق الحكومة حملة دبلوماسية لحث دول عربية وغربية على تقاسم كلفة إعانة اللاجئين، خرجت دعوات علنية من أجل الحدّ من أعداد هؤلاء. في هذا الإطار يبدو وزير الطاقة جبران باسيل الأعلى نبرة.

فقد دعا حتى إلى ترحيل اللاجئين الموجودين أصلا في لبنان إلى مناطق سورية آمنة أو دول أخرى بحجة أن لا قدرة للبنان على تحمّل الاعباء الاقتصادية والمالية والاجتماعية لوجود اللاجئين على أراضيه.

أظهرت هذه التباينات حالة الانقسام السياسي لدى الحكومة في معالجتها للحالة المستجدة على لبنان. وسرعان ما انعكست هذه الاختلافات على المزاج العام. فمن السهل جدا تلقف المشاعر المتناقضة التي تثيرها قضية اللاجئين السوريين لدى اللبنانيين.

وتتراوح هذه المشاعر بين تأييد كامل لمنطق الوزير باسيل وحتى المزايدة عليه وبين اشمئزاز صريح من "العنصرية التي باتت لا تطاق لدى اللبنانيين"، بحسب إحدى الشابات في شارع الحمرا في وسط العاصمة.

وإضافة إلى القضية المالية، كلّفت الحكومة وزير الداخلية مروان شربل إنشاء خلية أمنية لمتابعة قضية اللاجئين. في هذا الجانب تحديدا تختلط الشائعات بالأحكام بالواقع. فقد تولّدت قناعة عند كثير من اللبنانيين المتخوّفين من وجود النازحين أن هؤلاء يشكلون خطرا محدقا بالأمن الشخصي للبنانيين وبالبلاد بشكل عام.

تعميم

ووصلت هذه القناعة حدّ تحميل اللاجئين السوريين المسؤولية عن مظاهر سلبية متعددة في لبنان. فبالنسبة لأحد سائقي التاكسي إن زحمة السير الخانقة في العاصمة سببها دخول مئتي ألف سيارة سورية إلى البلاد، وهو رقم غير واقعي ولا منطقي، ولكن سائق التاكسي المتلمل راسخ القناعة بما يتجاوز حدود المحاججة المنطقية.

تتولدّ هذه الأفكار ومثيلاتها من عدم وضوح المشهد الامني في البلاد ففي معظم الحالات تتكوّن الفكرة من خلال حوادث فردية تتحوّل في المخيلة العامة إلى منصة لإطلاق أحكام مطلقة.

فعندما سلّط الإعلام الضوء قبل اشهر على حالة تحرّش جنسي بفتيات من قبل عدد من العمال السوريين وتحوّلت هذه الحادثة بالنسبة لإحدى السيّدات اللبنانيات إلى "دليل بأن كل الجرائم في لبنان يقف وراءها سوريون". كما أن التخوّف من تحوّل لبنان إلى ساحة أخرى من الصراع السوري واتهامات بتورط أطراف لبنانية عسكريا في الدولة المجاورة، كلها عوامل تغذي حالة القلق والتخوف لدى فئات من اللبنانيين.

وسط كل ذلك، لا تبدو الحكومة قادرة على خلق حالة ثقة أمنية في البلاد وتبديد هذه المخاوف. ولا تساعد في ذلك أبدا التصريحات التي تُنقل إعلاميا عن مسؤولين وقيادات بشأن ارتفاع معدلات الجريمة وإقامة مخيمات تدريب للاجئين مسلحين.

لا تغيب الانقسامات اللبنانية عن اللاجئين السوريين لا مناطقيا ولا سياسيا ولا اجتماعيا حيث يعرف اللاجىء خصوصية كل منطقة في لبنان ويتكيّف معها وغالبا ما تحدد هذه المعرفة المسبقة الجهة التي يختار اللاجىء أن يقصدها في البلاد.أما الأغلبية الساحقة من اللاجئين فهي الأغلبية الصامتة.

وقلما تتحدث تلك الفئة في السياسة، تتأمل بما تركته خلفها من جنى عمر وحياة كريمة ومكفية ولا تردد تلك الاغلبية سوى عبارة واحدة: "جل ما نحتاج إليه هو العودة إلى بلدنا".

اقرأ أيضا

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك