لماذا هدأت الاشتباكات في مدن القناة بعد خطاب مرسي؟

Image caption ميز مرسي في خطابه بين المتظاهرين سلميا لأسباب سياسية ومثيري الشغب والخارجين عن القانون

قدم الرئيس محمد مرسي، في خطابه (الأحد ٢٧ يناير/كانون الثاني) رؤيته لحل الأزمة المشتعلة في عدد من المحافظات المصرية وعلى رأسها محافظات قناة السويس.

ميز مرسي في خطابه بين المتظاهرين سلميا الذين يرفعون مطالب سياسية يمكن النقاش حولها وقدم لهؤلاء جزرة تمثلت في دعوته القوى السياسية إلي حوار غير مشروط. أما المجموعة الأخرى والتي وصفها "بمثيري الشغب والخارجين عن القانون" فقد لوح لها بعصا الأمن متوعدا بالتعامل معهم “بكل حسم وقوة”.

فهل أصاب الرئيس في تشخيصه للمشكلة؟ وهل ينجح العلاج الذي قرره؟ ربما كان من المفيد النظر إلى تجربة مدن القناة خلال الاسبوع الذي بدأ في ٢٥ يناير، إذ شهدت بداية الأسبوع اشتباكات دموية أودت بحياة حوالي خمسين شخصا، ولكنها سرعان ما انحسرت في الأيام التالية ليقف نزيف الدم في تلك المدن فيما تبقى من أيام الأسبوع.

زرت مدن القناة الثلاثة (بورسعيد والاسماعيلية والسويس) في النصف الثاني من الأسبوع بصحبة فريق عمل بي بي سي، وتحدثت مع عدد كبير من شهود العيان ومن الأهالي وبعض الصحفيين والناشطين السياسيين.

ثلاث مدن ورواية واحدة

ومنذ أن بدأت جولتي في مدن القناة وأنا أسمع نفس الرواية في كل مرة، ومفادها أن هناك مجموعة من الناس تتظاهر سلميا وأن هناك بلطجية يستغلون الموقف وأن الشرطة ترد بشكل عشوائي فتصيب هذا وذاك وتزيد الموقف سوءا.

لكن التفاصيل تختلف بين مكان وآخر.

في بورسعيد يؤكد الأهالي أنه بعد قرار المحكمة في قضية استاد بورسعيد التي وصفت بـ"مذبحة بورسعيد" والتي راح ضحيتها 72 من مشجعي النادي الأهلي القاهري "التراس أهلاوي" إحالة أوراق ٢١ متهما إلي المفتي، تجمعت أعداد كبيرة من الأهالي أمام السجن للاحتجاج لكنهم لم يحاولوا اقتحامه كما تقول رواية وزارة الداخلية. ويذكر أهالي بورسعيد أن عددا صغيرا من "البلطجية" استهدف رجال الشرطة، إلا أن رد فعل قوات الأمن كان "جنونيا" فأدى إلي مقتل أكثر من أربعين شخصا.

وعلى مدى اليومين التاليين استمرت المواجهات الليلية المسلحة بين "البلطجية" والشرطة حول قسم حي العرب، ولكن رد الشرطة جاء عشوائيا مرة أخرى فقتلت مواطنين لا ذنب لهم سوى أن حظهم العثر شاء أن يمروا في هذا المكان في ذلك الوقت.

في الاسماعيلية أيضا تظاهرات سلمية في الذكرى الثانية للثورة، تلاها، وفقا لروايات الأهالي، اعتداء من "بلطجية" على قسم ثاني اسماعيلية، رغم محاولات القوى السياسية منع الاقتراب من القسم الذي يقع على مقربة من ميدان الممر حيث يتظاهر "الثوار".

وأثناء رد الشرطة على هذا الهجوم سقط قتيل، فتحولت جنازته في اليوم التالي إلى مواجهات واسعة النطاق مع قوات الأمن استغلها "البلطجية" لاقتحام مبنى المحافظة ونهب محتوياته.

Image caption وقعت اشتباكات مميتة بين متظاهرين وقوات الأمين في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير 2011

في السويس صورة مشابهة تسمعها من الأهالي. تظاهرات سلمية يوم الجمعة في ذكرى الثورة توجهت إلي مبنى المحافظة وهناك وقعت احتكاكات مع قوات الأمن ما لبثت أن هدأت قليلا بعد تدخل الوسطاء، إلا أنها سرعان ما اشتعلت من جديد إثر قيام قوات الأمن المركزي بإلقاء كميات هائلة من قنابل الغاز المسيل للدموع بشكل مفاجئ.

تستمر الاشتباكات ويسقط من بين القتلى أحد جنود الأمن المركزي، فينطلق زملاؤه في موجة غضب هيستيرية يطلقون النار ويحطمون السيارات في المنطقة المحيطة بمبنى المحافظة، كما تشير عدة شهادات وبعض لقطات الفيديو. تصل حصيلة القتلى تلك الليلة إلى ثمانية أشخاص وفي اليوم التالي يهاجم "البلطجية" أقسام الشرطة فيستولون على ما فيها من أسلحة ويطلقون سراح من كان بها من محتجزين.

“البلطجية" حاضرون دائما في الرواية، لكنك لا تقابلهم على أرض الواقع. تسمع عنهم فقط وكأنهم كائنات أسطورية لا تعيش بيننا. تختلف الصفات التي تلصق بهم بحسب اختلاف الراوي، بين من قال إنهم ميليشيات منظمة تابعة للاخوان المسلمين بغرض الإيقاع بين الشعب والشرطة، وآخر يخبرك بأنهم مجموعة من محترفي الإجرام يستغلون الموقف لنهب وسرقة ما تيسر، وثالث يؤكد أنهم غرباء من خارج المدينة.

حوار مع "البلطجية"

كان علي الانتظار إلى اليوم الأخير في رحلتي لألتقي بهؤلاء "البلطجية". فبينما كنت أجري حديثا مع رئيس اللجان الشعبية في السويس حول شهادته عما حدث يومي الجمعة والسبت ٢٥ و٢٦ يناير وبينما كان الرجل يحكي لي الرواية المعتادة عن أن الاشتباكات بدأت بين الشرطة والمتظاهرين ثم استغلها "البلطجية" لمهاجمة أقسام الشرطة، كان هناك صبيان يقفان إلي جوارنا يستمعان إلي ما يقوله ثم يحاولان التدخل في الحديث.

في البداية ظننتهما يمارسان الهواية المعتادة للصبية بالمشاكسة للظهور في كادر الكاميرا، لكنني انتبهت بعد لحظات إلى ما يقوله أحدهما: “يعني أنا بلطجي يا عمو؟"

إلتفت فوجدت صبيا في حدود الخامسة عشر من العمر وقد ارتسمت على وجهه إمارات الجد وهو يقول: “أنا رحت عند القسم وضربت، يعني أنا بلطجي؟" سألته لماذا ذهب إلي القسم، "علشان قتلوا ابن خالتي"، رد الفتى، ثم نظر إلي زميلي المصور وطلب منا ألا نصوره – وهو ما لم نكن ننوي فعله على كل حال – لأنه يخشى أن يراه والده.

الفتى لا يخشى الدخول في مواجهة مع الشرطة المسلحة، لكنه كأي صبي في مثل سنه يخشى عقاب والده.

Image caption في بورسعيد خرجت احتجاجات ضد الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين

صاحبه أكبر منه قليلا وشارك أيضا في الهجوم على قسم الشرطة، لكي يحرر شقيقه الذي كان محتجزا هناك بعد أن لفق له أحد الضباط قضية اتجار بالمخدارت بحسب روايته.

الصبيان لا تبدو عليهما علامات الإجرام، بل على العكس يتحدثان بأدب وبنضج ليسا من شيم الكثير من المراهقين. وروايتهما تحطم النظرية السائدة بوجود حدود جامدة وفاصلة بين "الثوار" و"البلطجية"، فكلاهما كان مشاركا في تظاهرة "الثوار" أمام مبنى المحافظة، وعندما رجحت كفة قوات الأمن في تلك الجبهة – مع الهستيريا التي أصابت الجنود إثر مقتل زميلهم – انتقلا مع غيرهم من المتظاهرين، كما يؤكدان، إلي جبهات جديدة عند الأقسام ليستكملوا المواجهة مع نفس الخصم.

اللافت أنه حتى هذين الصبيين اللذين رفضا أن يطلق عليهما وصف "بلطجية" لأنهما شاركا في الهجوم على الأقسام، كانا على استعداد لاستخدام الوصف نفسه ضد غيرهما.

“إحنا حدفنا طوب ومولوتوف على القسم، بس في ناس تانية ولعت في عربية المطافي... طب ليه كده؟ ده غلط. ليه تولع في المطافي؟".

الاشتباكات تهدأ

تراجعت أعمال العنف كثيرا بداية من يوم الأحد وكادت تنتهي تماما بحلول يوم الاثنين، وقد ترافق ذلك مع حدوث عدة تطورات:

أولا: انسحاب الشرطة، وقد حدث ذلك بشكل شبه كلي في بورسعيد حيث انسحبت تماما من الشارع، وفي السويس بدرجة أقل حيث انسحبت من الأقسام ومن تأمين المنشآت العامة مع احتفاظها بقدر من التواجد في الشارع في صورة شرطة المرور، ثم بدرجة أقل في الاسماعيلية التي شهدت خفضا في وجود قوات الأمن في الشارع مع بقائها في الأقسام.

والحديث عن الشرطة مع أهالي مدن القناة يكشف قدرا هائلا من السخط وإن تباينت أسبابه. فالسبب الرئيسي في بورسعيد هو غضب الناس من عنف الشرطة في مواجهة الاحتجاجات، إذ يحملونها المسؤولية عن مقتل أكثر من أربعين شخصا على مدى يومين.

ويرى سكان بورسعيد أن أجهزة الأمن هي المسؤولة عن وقوع مأساة استاد بورسعيد العام الماضي، ويشككون في إمكانية محاسبتها على ذلك خاصة وأن جل الضباط المتهمين في قضايا قتل المتظاهرين حصلوا على أحكام بالبراءة.

وفي الاسماعيلية والسويس هناك أيضا غضب من استخدام الشرطة للقوة المفرطة في مواجهة التظاهرات، لكن يضاف إليه غضب آخر بسبب ما يقول الأهالي إنه استمرار للفساد بين بعض رجال الشرطة وتقصيرها في القيام بواجبها في حفظ الأمن، ويقدم لك الأهالي عشرات القصص عن جرائم العنف وانتشار السلاح خاصة في المناطق الشعبية في ظل غياب الأمن.

Image caption ويذكر أهالي بورسعيد أن عددا صغيرا من "البلطجية" استهدف رجال الشرطة، إلا أن رد فعل قوات الأمن كان "جنونيا" فأدى إلي مقتل أكثر من أربعين شخصا.

ثانيا: انتشار الجيش، وهو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي يبدو أنها لا تزال تتمتع بقدر من الاحترام بين أهالي مدن القناة، والذين يصرون على أن هناك علاقة خاصة تربط بينهم وبين القوات المسلحة بسبب تاريخهم المشترك في مواجهة اسرائيل أثناء فترة الحروب التي خاضتها معها مصر.

ثالثا: قرارات الرئيس محمد مرسي بفرض حالة الطوارئ وحظر التجول في مدن القناة والتي استقبلها الأهالي بغضب شديد، أضيف إلى ما يشعرون به من سخط على الرئيس وجماعة الاخوان المسلمين، واللذين حظيا بالنصيب الأكبر من اللعنات من قبل من تحدثوا مع مراسلنا من الأهالي في بورسعيد وبدرجة أقل في السويس والاسماعيلية.

واللافت أن هذا الغضب من الرئيس وجماعته لم ينعكس إيجابا على مشاعر الناس تجاه زعماء المعارضة في جبهة الانقاذ، فقد حظى هؤلاء أيضا بنصيب وافر من اللعنات، وإن كان معظم الناس لا تذكرهم إلا أذا سألتهم عنهم.

وقد جاء رد الفعل الشعبي قويا على قرارات مرسي، فخرجت التظاهرات الليلية لتتحدى حظر التجول وشاركت فيها أعداد يقول الشهود إنها لم تخرج بهذه الكثافة منذ الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك في ١١ فبراير/شباط .

وتمت هذه المسيرات في أجواء احتفالية إذ تخللتها مباريات كرة قدم وحلقات رقص وغناء ولم تتعرض لها قوات الجيش مطلقا، باستثناء مطالبة المشاركين بعدم التظاهر أمام نقاط استراتيجية محددة وهو ما انصاع له المتظاهرون.

تراجعت إذا أعمال العنف مع حدوث هذه التطورات، ولكن لماذا؟

لا يمكن أن تكون الإجابة هي أنه تم القضاء على "البلطجية" فعادت الأمور إلي طبيعتها السلمية، فالواقع أن قوات الجيش لم تقم بحملات ضبط واعتقال واسعة كان من شأنها لو حدثت أن تؤيد هذا التفسير.

ومع ذلك فإن نزول الجيش ساهم على الأرجح في إيجاد نوع من الردع، وساعده في ذلك كونه يحظى باحترام الأهالي،إذ أنه لو كان يعتمد فقط على قوة السلاح دون وجود غطاء شعبي، لوجدنا على الأقل محاولات للاحتكاك به في ظل حالة الاحتقان والانفلات التي سادت المدن الثلاثة عشية نزوله.

العامل الآخر، والذي يذكره بعض الأهالي صراحة في سياق تفسيرهم لتوقف أعمال العنف، هو انسحاب الشرطة وبالتالي اختفاء "العدو" الذي يمكن أن تدور معه الاشتباكات. هذا التفسير إن صح قد يمثل إشكالية لصانع القرار في مصر إن أراد استخلاص عبرة من درس ما حدث في مدن القناة، إذ من الصعب أن يكون الحل عند وقوع اشتباكات مع الشرطة هو سحبها.

Image caption نزول الجيش ساهم على الأرجح ساهم في تراجع أعمال العنف في مدن القناة الثلاثة

لكن ربما يمكن لصانع القرار البحث في الأسباب التي جعلت من قوات الأمن "عدوا" لقطاع من الأهالي ورفعت عنها الغطاء الشعبي لدى قطاع آخر، خاصة وأن رد فعل الشرطة خلال المواجهات أدى إلي اشتعال الموقف بدلا من تهدئته بحسب شهادات الشهود.

العامل الآخر - والذي يعتقد الكثير ممن تحدثت معهم من أهالي مدن القناة أنه مسؤول عن انحسار موجة العنف إلي حد كبير - هو خروج التظاهرات الليلية المنددة بحظر التجول. ولأن هذه التظاهرات لم تكن قاصرة على النشطاء والقوى السياسية وحدهم وإنما شاركت فيها قطاعات عريضة من الجماهير التي مسها الحظر مباشرة، فقد جاءت كبيرة الحجم مما حال دون جرها إلي أعمال عنف لا ترغب فيها غالبية المشاركين.

وبحسب تعبير أحد الصحفيين الذين تحدث لمراسلنا في بورسعيد فإن "ضخامة أعداد المشاركين في تلك التظاهرات ومشاركة العائلات فيها كان رادعا لأي شخص يحاول إحداث بلبلة".

قدمت التظاهرات الليلية إذا إطارا سلميا للتنفيس عن حالة الغضب والاحتقان، ولكنها في الوقت ذاته لعبت دورا أكبر من مجرد التنفيس، فقد كان مجرد خروج المظاهرات في حد ذاته يعني انتصارها، وذلك على عكس التظاهرات المعتادة التي ترفع شعارات سياسية. فبينما لم يكن أمام هؤلاء الذين تظاهروا يوم الجمعة في ذكرى الثورة سوى الهتاف ضد الرئيس وجماعته على مدى ساعات دون أن يكون لذلك أي مردود على الأرض، كان مجرد خروج المتظاهرين في المسيرات الليلية يعني مباشرة أنهم نجحوا في كسر حظر التجول وبالتالي نجحوا في تحقيق هدفهم.

وربما يكون هذا الشعور بالقدرة على تغيير الواقع بشكل سلمي هو أحد أسباب انحسار العنف في النصف الثاني من ذلك الأسبوع الدموي، أما ما سيحدث في المستقبل فلعله سيتوقف إلي حد بعيد على مدى شعور تلك الفئات الساخطة على الواقع الحالي بوجود قنوات سلمية أخرى تسمح لها بإحداث تغيير حقيقي.

المزيد حول هذه القصة