حركة النهضة والتعامل المزدوج

تونس
Image caption تشييع شكري بلعيد في العاصمة التونسية

لفت اغتيال الزعيم التونسي شكري بلعيد النظر إلى التوترات التي تعتمل في تونس منذ مايزيد عن العام. ويقول المحلل بيرني سيبي أنه نادرا ماتكون مستويات القلق مرتفعة في هذه البلاد المسالمة بشكل تقليدي.

عامان مضيا على الربيع العربي، وتونس التي لاتزال في مهدها تعيش الحداد، بعد أن هز اغتيال زعيم الحركة الديمقراطية الوطنية البلاد من جذورها، حيث اغتيل المحامي يساري التوجه بطلقة في الرأس ودم بارد ومن مسافة قريبة.

كان بلعيد رمزا للعلمانية في البلاد التي يسعى فيها السياسيون الإسلاميون لتوسيع نفوذهم كل يوم.

مستويات التصويت

وفي الوقت الذي أدان فيه حزب النهضة الحاكم رسميا عملية الاغتيال إلا أن الكثيرين اتهموا هذه الحركة الإسلامية المعتدلة بالتعامل المزدوج، حيث قالوا أنها تتساهل مع استخدام العنف كأداة سياسية، وتنشر مناخا من الخوف.

حزب النهضة الذي حقق فوزا واضحا في الانتخابات العامة التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2011، والتي أدلى فيها أقل من 40 بالمئة من التونسيون بأصواتهم، ربح 89 مقعدا من إجمالي 217 مقاعد متاحة في الجمعية التأسيسية.

كما استطاع الحزب انتزاع 16 مقعدا وزاريا من أصل ثلاثين مقعدا إضافة إلى فوز الامين العام للحزب حمادي الجبالي بمقعد رئيس الوزراء، وفي الحقيقة أن الحزب حقق أعلى مستويات التصويت في كل الدوائر الانتخابية عدا دائرة سيدي بوزيد وهو الموقع الذي انطلقت منه الثورة التونسية.

ولكن حتى تجعل حركة النهضة فوزها الانتخابي هادفا، وحتى تنشر توجهاتها الفكرية في الوقت الذي يجري فيه كتابة الدستور الجديد، وهي العملية التي لاتزال مستمرة، فإن عليها أن تظهر في المشهد الدولي كلاعب سياسي محترم.

وبالتالي فإن عليها أيضا أن تكون متفهمة للقلق الغربي من الإسلام المتشدد، وأن تتعلم من الفشل الذي منيت به الجبهة الاسلامية للإنقاذ (فيس) التي وصلت إلى السلطة في جارتها الجزائر في مطلع التسعينيات من القرن الماضي بسبب برنامجها واضح التشدد.

حركة معتدلة

ومن أجل هذا قامت حركة النهضة بتطوير نفسها، على الأقل من أجل المتابعين الأجانب لها كحركة معتدلة، تشكل حزبا محافظا إسلاميا محترما.

باختصار فإن المراقبين تمت دعوتهم لمشاهدة النسخة التونسية من حزب العدالة والتنمية التركي الذي يمثله رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا والذي وصل إلى السلطة عام 2002.

هذه الصورة الحميدة ضرورية لحكومة انتقالية تواجه مشكلات سياسية واقتصادية خطيرة فيما بعد الثورة. والآن وخلف هذه الواجهة من الاحترام، هل سيغير الحزب طريقة اللعب الخاصة به بشكل كامل عندما يصل إلى السياسة الدولية؟.

ولكن على الرغم من سيطرتها الكاملة على الحكومة، سواء من الناحية العددية أو الرمزية، حيث تتولى وزارات الداخلية والخارجية والتعليم والعدل والصناعة، فإنها على مايبدو لاتستخدم نفوذها الكامل للسيطرة على تجاوزات المجموعات الإسلامية المتشددة.

تلك المجموعات التي تتزعمها الحركة السلفية في تونس تستوحي تفسيراتها الدينية المتشددة من السعودية، وتتشارك من حركة النهضة في بعض المبادئ.

وكانت الحكومة بمعزل تام عن الانتهاكات الخطيرة ضد الحريات الشخصية التي قامت بها مجموعات عنف تحت مسمى الدين، ففي يونيو/حزيران 2012 على سبيل المثال تعرض المعرض التونسي لفنون الربيع لانتهاكات عنف مشابهة.

ورغم أن الحكومة أدانت دوامة العنف التي اندلعت بسبب الأعمال الفنية التي حكم عليها من قبل أعضاء جماعات الإسلام المتشدد بالكفر، إلا أن وزير الثقافة تقدم بشكوى ضد منظمي المهرجان مؤكدا تعارضه مع القيم الدينية.

ولم يتم اتهام أي من الناشطين بالهجوم وتدمير الأعمال الفنية، ولم يتم تقديم أحد إلى العدالة حتى الآن.

عنف سياسي

وفي الوقت نفسه لم يتم توجيه الاتهام لأحد في الإعتداءات أو التهديدات التي تعرض لها الأعضاء والنشطاء مع الحركات العلمانية خاصة خلال المسيرات، ولم تتم معاقبة أي شخص، رغم أن أحد الأشخاص فقد حياته في مسيرة نظمها حزب تونس الوطني في أكتوبر/تشرين الأول عام 2012، كان يدعى لطفي نجيدة وتم ضربه حتى الموت.

كما تم تدمير الأضرحة الدينية، حيث قام السلفيون بحرقها في أنحاء البلاد، ورغم ذلك ترك الأئمة والدعاة الذي يدعون للعنف في مساجدهم دون مسائلة. وكانت هناك تقارير كثيرة حول فشل الشرطة في التحقيق في عدد من الاعتداءات التي نفذها سلفيون ضد مطالبين بالديمقرطية.

غياب رد الفعل الحكومي القوي ضد العنف السياسي والذي تزايد بشكل مضطرد منذ وصول حركة النهضة للحكم، يبدو أنه شجع الراغبين في فرض أفكارهم بالقوة دون حوار ديمقراطي.

كما أن تجاهل حكومة حركة النهضة لتجاوزات الحركة السلفية في مجتمع دعم الحركة العلمانية لأكثر من ستة عقود، يشير إلى أن الخط الفاصل بين الإسلام السياسي والعنف الإسلامي غائب أو غير واضح.

وفور انتشار خبر اغتيال بلعيد نزل العلمانيون والديمقراطيون إلى الشوارع، كانو مستعدين للعودة إلى الكفاح بقوة فور انطلاق الدعوة من اتحاد النقابات الوطني التونسي ذي الخلفية التاريخية، لإقامة مظاهرات الجمعة في تونس، والتي يتوقع أن تعقبها العديد من الاضطرابات، وستكون هناك مطالبات للحكومة بتحمل مسؤولياتها.

وقد صرح رئيس الوزراء الجبالي أنه سيعيد تشكيلة حكومته لتصبح حكومة تكنوقراط وليست سياسية، ولكنه ربما يتم الضغط عليه لكي يتراجع، بسبب ضغوط حزبه الذي يرغب في الحفاظ على حكومته السياسية.

وفي بلاد هنبعل يبدو الطريق للديمقراطية طويل وعاصف.