روح الثورة تنبعث مجددا في مهد الربيع العربي

Image caption أبدى آلاف التونسيين اهتماما باغتيال بلعيد

مع وابل قنابل الغاز المسيل للدموع، التي أطلقتها قوات مكافحة الشغب هذا الأسبوع على حشود الشباب الغاضب في شارع بورقيبة، يعود إلى الذاكرة مشهد قريب عرفه الشارع نفسه منذ عامين.

حتى أن هتافات اليوم هي الهتافات نفسها في ذلك الوقت: "الشعب يريد إسقاط النظام".

وربما ينصب غضب الجماهير اليوم على حكومة مختلفة، إلا أن الكثيرين يشعرون أن ما بذلوه من جهد في عام 2011 عندما نجحوا في الإطاحة بزين العابدين بن علي، قد ذهب سدى.

وطالما اعتقد الغرباء، وأنا واحد منهم، أن لدى ثورة "الياسمين" التونسية فرصة أفضل للنجاح في بناء ديمقراطية جديدة حيوية، مقارنة بالثورات التي تلتها في دول عربية.

ولدى تونس مجتمع مدني كبير، ويدرس فيها الجميع تقريبا حتى سن السادسة عشر. كما أن التحدث باللغة الفرنسية منتشر على نطاق واسع، على الأقل في المدن الكبيرة.

وبعد انتخابات المجلس التأسيسي، تعهد حزب النهضة الفائز بالأغلبية - بالرغم من تحالفه مع الإخوان المسلمين - بأن يكون شموليا، وأدمج عناصر ليبرالية عدة ضمن صفوف حكومته المؤقتة.

لكن الليبراليين والعلمانيين التونسيين - كما هو الحال في مصر - اكتشفوا أن الفوز بالديمقراطية ليس بالأمر السهل.

جرأة السلفيين

وربما جاء اغتيال السياسي اليساري العلماني، شكري بلعيد، بمثابة صدمة لغالبية التونسيين، إلا أن البلاد كانت تشهد توترات كامنة طيلة شهور.

وكان بلعيد، وهو سياسي اشتراكي من الطراز القديم، معارضا بارزا للائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة.

وبالرغم من أن حزب النهضة يقدّم نفسه باعتباره كيانا معتدلا ومتسامحا، يقول منتقدو الحكومة إن الحزب سمح في الشهور الأخيرة للسلفيين أن يفرضوا إرادتهم وآراءهم على دولة كان ينظر لها باعتبارها معقل العلمانية في العالم العربي.

ومنع السلفيون إقامة حفلات موسيقية، وقاطعوا عروضا فنية، واقتحموا السفارة الأمريكية ونهبوها احتجاجا على فيلم يصور النبي محمد بشكل سلبي، ونظموا احتجاجات عنيفة بالجامعات.

وفي يوم اغتياله، حذر بلعيد من أن ثمة مناخ من العنف الممنهج يكتسح البلاد ويهدد المكاسب العديدة للثورة.

واعتبر الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، أن اغتيال بلعيد "يحرم تونس من أحد أكثر أصواتها شجاعة وحرية."

مفترق الطرق

Image caption عودة الغضب إلى الشارع

وحتى بالرغم من أن الزعماء السياسيين ردوا بإعلان عزمهم تشكيل حكومة وحدة تتألف من التكنوقراط حتى إجراء انتخابات جديدة، فإنه من المتوقع حدوث المزيد من الاضطرابات في المدن التونسية خلال الأيام القادمة.

لذا، فإن هذه الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 11 مليون نسمة قد وصلت مرة أخرى إلى مفترق طرق.

فالوضع الاقتصادي، الذي يعتمد بشكل كبير على الأسواق "المتغيرة" كالسياحة، يثير قلق الجميع.

المصالح الخارجية - وخاصة الشركات الفرنسية - مستمرة في ترسيخ أعمالها في البلاد، وتعتبر جزءا هاما من مستقبل الدولة. وإذا ما شعروا بالخوف جراء عدم الاستقرار السياسي، فإن تلك المؤشرات الإيجابية التي رأيناها منذ عامين ستبدأ في التلاشي.

من السهل رؤية سيناريو يتدهور فيه كل شيء بسرعة.

فخلال يوم، ظهرت تقارير مقلقة عن أعمال شغب وسرقة على نطاق واسع في بعض المدن، بما فيها مدينة صفاقس. فقد نفّس شباب، ربما ليسوا متحالفين أيديولوجيا مع الإسلاميين ولا المعارضة، بشكل سريع عن غضبهم وسخطهم.

غير أن هناك حقيقة تتحدث عن نفسها، وهي اهتمام آلاف المواطنين - شباب ومسنين، رجال ونساء - بهذه الدرجة باغتيال سياسي ليبرالي.

هؤلاء التونسيين يتوقون لتفادي فوضى الاستقطاب التي ابتليت بها دول أخرى في المنطقة، وخاصة مصر.

ويفتخر غالبية التونسيين بحقيقة أن بلدهم هو مهد الربيع العربي، لكنهم مصرون كذلك على ألا تكون تونس محل وفاته قبل الأوان.

المزيد حول هذه القصة