بابا عمرو.. ندوب الحرب في سوريا

Image caption 60 ألف قتيل والمأساة مستمرة

في مثل هذا الشهر من العام الماضي شن الجيش السوري هجوما، هو الأشرس في النزاع الدائر في البلاد، على حي بابا عمرو، في مدينة حمص.

وكان الهدف هو القضاء على الجيش السوري الحر هناك، ولكن آلاف المدنيين لقوا حتفهم بسبب الهجوم، الذي دام أكثر من ثلاثة أسابيع.

مراسل بي بي سي، بول وود، الذي كان من بين المراسلين القلائل في بابا عمرو وقتها، زار اللاجئين، الذين هربوا من حصار توقعوا أن يشكل نقطة حاسمة في الحرب.

في مدينة عرسال اللبنانية على الحدود مع سوريا، كانت امرأة ترمق أطفالا لاجئين يقفزون في برك الماء تحت المطر. وقالت السيدة بهدوء "الحرية لا تساوي كل هذا".

يدخل آلاف اللاجئين السوريين عامهم الثاني، وهم يعيشون في ملاجئ مؤقتة باردة من الصفيح، أو يتكدسون - عدة عائلات منهم- في غرفة واحدة، منحها لهم محسن أو قريب.

وهرب بعضهم من بابا عمرو في حمص، وهو حي صغير استعصى على الحكومة السورية. وبات بعدها رمزا للثورة. ولكن جيش النظام دك الحي خلال 25 يوما من القصف، بدأت في فبراير/شباط 2012.

كنت هناك عندما وقع الهجوم، ضمن طاقم بي بي سي الصحفي. وقتها كان الجميع في بابا عمرو يقولون لنا إنهم متأكدون من أن القصف سيجلب العون من العالم الخارجي.

ويتذكر عمر شاكر، الناشط في المركز الإعلامي في بابا عمرو، وهو اليوم لاجئ في مدينة طرابلس اللبنانية، روح التفاؤل التي كانت سائدة آنذاك، رغم القصف والقذائف المنهمرة.

يقول شاكر: "بعد أيام من الحملة العسكرية، وضعنا خطة، وتوقعنا أن تؤدي بابا عمرو إلى سقوط الأسد".

اعتقدنا أن وسائل الإعلام ستبث ما يجري مباشرة، وتوقعنا أن يتدخل الناتو، ويدمر قاذفات الصواريخ، التي يستخدمها النظام. كان الجميع يعتقدون ذلك.

نقص المساعدة

وتبخرت الأحلام عندما سقط بابا عمرو، مخلفا الحرقة والغضب بين اللاجئين، الذين هربوا من هنا.

أما أحمد إدريس اللاجئ، وعامل الإغاثة في عرسال، فيقول "العالم كله كان يتفرج علينا ونحن نذبح"

ويضيف: "إننا نلوم المجتمع الدولي على الخذلان طبعا. ولكن الأمر لم يعد مهما الآن، فنحن لا نتوقع منه عونا. نتوكل اليوم على الله، ونثق في الجيش السوري الحر".

لم يكن الجيش الحر في بابا عمرو يملك إلا الكلاشينكوف، بينما أمطرت الحكومة الحي بالصواريخ والقذائف، ثم أرسلت دباباتها لاكتساحه.

ولجأ الجيش الحر إلى ما يصفه "بالانسحاب التكتيكي". ولكن بعض السكان يتهمون المتمردين بالدخول في معركة لم يكونوا قادرين على الانتصار فيها.

ويقولون إن دماء كثيرة كانت ستحقن لو أنهم انسحبوا من البداية.

ويرى بعض الناشطين، على العكس منهم، أن الجيش الحر هرب من المعركة، ويعتقدون أن الاستمرار في مواجهة النظام في بابا عمرو، وإن لم يتدخل الناتو، كان سيؤدي، مهما كلف الأمر من ضحايا، إلى سقوط بشار الأسد.

كان القتال معركة من جانب واحد. فالقصف كان يبدأ في السادسة صباحا ويستمر دون انقطاع حتى الغسق.

كان الأمر سيئا للغاية، إذ كان عليهم التخفي ليلا لدفن قتلاهم. وإذا أراد البعض مغادرة المنطقة فإنهم يخشون استهداف القناصة لهم.

قضينا ساعات طويلة في مستشفى ميداني يشرف عليه متطوعون ليس لهم خبرة في الجراحة.

كانت الصواريخ تسقط في الشارع، والنساء يصرخن في الداخل.

نقل المسعفون طفلا عمره 11 عاما، وقد تهشم فكه في انفجار قنبلة. كان في كامل وعيه، وكان ينظر إلينا، وقد تملكته الدهشة. ثم مات في اليوم التالي.

الموت يوميا

قاد محمد إدريس المقاومة في بابا عمرو، وهو ابن عم عامل الإغاثة اللاجئ في عرسال، وينتمي إلى كتيبة الفاروق التابعة للجيش الحر.

قال لي تحت القصف في شهر فبراير/شباط من العام الماضي: "إنهم يستهدفون المدنيين لأنهم لا يستطيعون مواجهتنا".

وكان النقيب إدريس مدربا في المدرسة العسكرية للجيش السوري في حمص. وكان قد انشق قبل شهرين فقط، ليلتحق بالجيش السوري الحر.

وتمكن من مغادرة بابا عمرو، لكنه قتل في قصف بعد ذلك بأشهر، عندما كان يهم بإنقاذ جريح في الشارع.

التقيت بوالديه اللاجئين في عرسال أيضا. ويقول والده، عاطف إدريس، وهو يتحدث عن قرار انضمام ابنه إلى الجيش الحر: "حاولنا، كأي والدين، تأخير انضمامه، لعل الأمور تتحسن، ولكنه لم يتحمل ما يتعرض له شعبنا".

وبينما كان الوالد يحكي لنا، كانت الأم إلى جانبه تبكي.

وواصل الوالد: "لقد دفعنا غاليا من أجل الحرية، ولكن الحرية ليست رخيصة، نحن راضون بحالنا، وواثقون من الانتصار".

قال لي عامل الإغاثة، ابن عم النقيب إدريس: "إن الموت أصبح مشهدا يوميا".

"قبل الثورة كان الناس يحزنون على موتاهم شهرا، أما اليوم فتكفي ساعات قليلة. أصبح الناس أكثر تدينا أيضا، إننا نرى مشيئة الله فيما يحدث، ونرضى بالتضحية لأننا مؤمنون".

ويقول: "ومما يزيد المرارة لدى كثيرين من اللاجئين، فيما يبدو، أن الجيش الحر لا يتلقى شيئا من الخارج. كما لو أن المجتمع الدولي يريد إطالة النزاع، من أجل إضعاف وتدمير البلاد".

ويضيف: "شعبنا مستعد لكل شيء. لقد مضى عامان من الثورة، وشعبنا مستعد لعامين آخرين، أو أكثر".

الصرخة

وخلال العامين الأخيرين بلغ عدد القتلى في سوريا نحو 60 ألف شخص، وبلغ عدد المرحلين ما يربو على المليونين ونصف المليون.

وعلى الرغم من أن أحدا لم يكن يعتقد آنذاك أن بابا عمرو يشكل منعرجا حاسما، فإنه كان صرخة حشدت السوريين وراء الانتفاضة.

فقد تكونت بعدها أعداد كبيرة من الجماعات المتمردة على الحكومة، ومن بينها جماعة سمت نفسها "كتيبة الانتقام لبابا عمرو".

وانحدرت سوريا في أتون حرب أهلية.

ويأمل الناشطون في أن تؤدي مثل تلك الحرب الأهلية -بهذه الخسائر- إلى نتيجة واحدة، هي سقوط النظام.

ويلح عمر شاكر على أن سقوط بابا عمرو أشعل الاحتجاجات في سوريا بأكملها.

"وأخيرا فهم الشعب أن النظام لا يمكن أن يجنح للسلم، وبالقتال غيرنا مسار الثورة".

المزيد حول هذه القصة