حمادي الجبالي رجل الساعة في تونس... صادق أم متآمر

Image caption رئيس الوزراء التونسي المستقيل

بدا حمادي الجبالي وهو يدلف إلي قاعة الصحفيين بالقصر الرئاسي مدركا لتاريخية الكلمات التي سينطق بها.

"هناك في حياة الأمم لحظات تاريخية، لحظات صدق"، قال الرجل مستهلا حديثه.

كان الجبالي قد تقدم للتو باستقالته لرئيس الجمهورية، ولعله وهو يتحدث بتأنيه المعهود ويحرص على أن تخرج الكلمات واضحة وموزونة، كان يدور بخلده أن هذا المؤتمر الصحفي سيكون علامة فارقة في تاريخ تونس بعد الثورة.

فها هو أول رئيس لحكومة منتخبة يستقيل بعد أن وقفت ضده حركة النهضة التي ينتمي إليها، والتي بقيت حتى الآن اللاعب الأقوى على الساحة التونسية.

استقالة قد تعيد رسم الخريطة السياسية بأكملها، إذ تعطي زخما لمزاعم المعارضة التي ما فتأت تتهم الحركة الاسلامية بأنها لا ترغب في إحداث توافق وطني وإنما تسعى فقط للسيطرة على مفاصل الدولة.

والآن تأتي استقالة الجبالي الذي قضى عقودا مخلصا لحركته لتفتح الباب أمام غيره من الكوادر والمؤيدين للابتعاد عن النهضة.

هذا ما يظهر للوهلة الأولى على كل حال، لكن ربما لا ينتهي الأمر بهذا الشكل.

فخلال ما تبقى من ذلك المؤتمر الصحفي في قصر الرئاسة بقرطاج أعلن الجبالي أنه على استعداد لتولي رئاسة الحكومة مرة أخرى بشروط، أهمها أن يقتنع بأن هذه الحكومة ستكون قادرة على العمل لصالح كل التونسيين وليس الأحزاب الممثلة فيها فقط.

شرط مهم، لكنه فضفاض، يسمح للرجل بمساحة كبيرة من المناورة.

وبما أن أية حكومة لابد في كل الأحوال أن تكون مدعومة من حركة النهضة صاحبة أكثرية المقاعد في المجلس التأسيسي، فالمحصلة النهائية هي أن التونسيين بعد كل هذا الانتظار قد ينتهي بهم الأمر إلي مكان قريب للغاية من المربع الأول: حكومة يرأسها الجبالي وتحدد معالمها الرئيسية حركة النهضة.

الاختلاف الوحيد هو أن الحركة ربما تتنازل عن بعض الوزارات استجابة لمطالب المعارضة.

المدهش أن الجبالي الذي فاز بثقة الكثير من أحزاب المعارضة بعد أن أطلق مبادرته لتشكيل حكومة تكنوقراط، صار الآن وكأنه مفوض من تلك الأحزاب للتفاوض بإسمها مع حركة النهضة.

بمعنى آخر فإن التفاوض يتم حاليا بين الحركة الاسلامية وأمينها العام... النهضة تفاوض النهضة.

بعض المراقبين يرى في الأمر تأكيدا لشكوكه في أن مبادرة الجبالي والخلاف البادي بينه وبين حزبه كانا مجرد تمثيلية لامتصاص غضب الشارع بعد مقتل شكري بلعيد المعارض اليساري.

لكن معظم الساسة التونسيين، حتى في الأحاديث الخاصة، يستبعدون هذه الفرضية، ويعتقدون أن الجبالي كان صادقا في مواقفه.

ومع ذلك فلو أن الرجل عاد لمنصبه دون أن إدخال تغييرات جذرية على التركيبة الحكومية فستكون حركة النهضة هي الفائز الأكيد في هذه الجولة وسيكون هو قد خسر الكثير من مصداقيته.

أما الاحتمال الثاني فهو أن يصر الجبالي على الاستقالة لو لم تقبل شروطه، وفي تلك الحالة فإنه سيكون قد خسر منصبا سياسيا هاما، لكنه احتفظ بمصداقية تمكنه من العودة لحلبة السياسة مرة أخرى في المستقبل كلاعب من الوزن الثقيل.

الاحتمال الأخير هو أن تتم الاستجابة لشروط الجبالي فينجح في تشكيل حكومة تحظى بقدر كبير من التوافق يخرج البلاد من حالة الاحتقان الراهنة، وفي تلك الحالة سترتفع أسهم الجبالي كرجل دولة قادر على لم شمل الفرقاء.

المزيد حول هذه القصة