قصة مروة: القنبلة التي غيرت حياتها إلى الأبد

غارة جوية

عندما كان الجيش الأمريكي يقاتل للسيطرة على بغداد قبل عشر سنوات، كانت حياة إحدى الفتيات العراقيات تتغير إلى الأبد، بعد أن أصيبت إصابة بالغة في قصف جوي.

قصة مروة، والجهود الخيرية التي بذلها أناس من خارج العراق لإعادة بناء حياتها، تعكس كفاح ملايين العراقيين خلال العقد الماضي.

في 9 أبريل/نيسان 2003، وفي الوقت الذي تهاوى فيه تمثال صدام حسين في بغداد، كانت مروة الشمري تفيق من نومها في المستشفى.

وكان أول شيء راعها وجه أمها، وهي تنظر إليها على سريرها في المستشفى. كانت الأم تحاول إظهار تماسكها، لكنها بدت مرتعبة.

وكان أخوة مروة وأخواتها موجودين هناك أيضا. كانوا في سن صغيرة لا تسمح لهم بإدراك ما كان يحدث، لكنها أحست أنهم خائفون أيضا، إذ إن أختهم الكبرى المفعمة بالحيوية والمزعجة أحيانا ظلت نائمة لأكثر من يوم.

وكانوا جميعا يخشون ألا تفيق من نومها أبدا.

بدا كل ذلك كشريط من الصور في أجزاء من الثانية، بين آخر لحظة في نومها واللحظة التي أفاقت فيها.

ثم شعرت بالألم.

بالنسبة إلى شخص لم يجرب في طفولته إلا ألم الكدمات والجراح الطفيفة، كان التفكير في مدى الألم أمرا مخيفا، وكأنك تعيش في عالم لا يوجد فيه شيء سوى الألم.

لا تتذكر مروة أول مرة لاحظت فيها أن رجلها اليمنى مفقودة، بدءا من منطقة الركبة. إن فكرة تغير حياتها إلى الأبد في الثانية عشرة من عمرها أكبر من استيعاب طفلة في سنها.

لم تكن ذكريات الساعات الأخيرة التي توقف عندها الزمن قبل الحادثة مبعث راحة لها. كانت مروة تحتمي مع أفراد أسرتها في بيت بسيط عندما زلزلت غارة أمريكية قريتهم.

لكن "تحتمي" ليست الكلمة الصحيحة. فقد كان بيت عائلة الشمري بجدرانه المتهالكة وسقفه الواهي، ملجأ وهمي يثير الشفقة.

كانوا فقط يختبئون من القنابل الأمريكية - فإذا ظللت بالداخل فإنك على الأقل لا ترى تلك القنابل، حتى وإن شعرت باهتزاز الأرض داخل جسدك بشدة، وسمعت الشظايا تمطر الجدران.

وخلال الغارات الجوية فإن الصوت هو الشيء الوحيد الذي يسلب حواسك، فعلوه الذي يملأ الأجواء من حولك يزحم رأسك، فلا مكان فيه للتفكير.

وبينما كانت القنابل تهوي، قررت مروة أخذ أختها عذراء والفرار من البيت.

وإذا سألتها لماذا قررت ذلك، وأين كانت تتوجه، فإنها تهز رأسها متأملة، وكأنها تنتزع الذكريات من بين الضوضاء والحيرة والرهبة.

كانت هي وأختها عذراء تجريان للابتعاد عن الضوضاء، تلاحقهما أصوات الانفجارات. وتذكر أنها ظلت تجري وتجري. ثم وقع انفجار أخير.

عذراء - التي كانت في الثامنة من عمرها - لاقت حتفها.

أما مروة فلم تعد تستطيع الجري مرة أخرى.

قائدة الطائرة التي تقاتل من أجل حياتها

في ذلك اليوم الذي غير حياة مروة إلى الأبد، كانت سماوات بغداد ملبدة بالغيوم.

وفوق السحب كانت كيم كامبل الطيارة في القوات الجوية الأمريكية تقاتل من أجل حياتها.

كان ما يزعج كامبل هو السرعة التي تتقدم بها القوات البرية الأمريكية على أرض بغداد من تحتها.

وعلى الطريق السريع غربي المدينة، جمع قادة الجيش الأمريكيون رتلا ضخما من الدبابات والمركبات المصفحة، التي أرسلوها على عجل إلى وسط المدينة من أجل التباهي بالقوة واستعراض ثبات الأعصاب.

ونظرا لحب الجيش الأمريكي للمصطلحات العنيفة التي تتميز باستعراض العضلات أطلق على العملية اسم "قعقعة الرعد"، وكأنه فيلم من أفلام هوليوود.

وفي الوقت نفسه كان أفراد البحرية الأمريكية يقتربون من وسط بغداد من ناحية الشرق، مكتسحين المدينة، بعيدا عن مكان سقوط القنابل حول بيت مروة.

وأرسل الجيش الأمريكي دباباته البرمائية عبر نهر ديالى.

وأدت ضخامة موارده وبراعة مستواه إلى شيوع الابتئاس في قلوب المدافعين العراقيين. وكما قال أحدهم، فيما بعد، "عندما رأينا الدبابات تمخر مياه النهر عرفنا أننا لن نفوز".

وأحس زملاء كامبل من الطيارين بطعم ذلك الاستعراض العضلي أيضا فيها. فقد كانوا يسمونها الكتكوت القاتل. مستخدمين الحرفين الأولين من اسمها في الإنجليزية (كي و سي)، لكن إحدى طلعاتها الجوية هونت من خطورة العمليات العسكرية، والخوف المرتبط بها، فجعلتها تبدو مقبولة مستساغة وكأنها مغامرة.

إذ كانت كامبل تقود طائرة عسكرية من طائرات القوات الجوية تدعى (الصاعقة إيه 10)، لكنها تعرف لمن يقودها بالخنزير.

لم تشترك كامبل في الهجمات الجوية التي تمت حول بيت مروة، لكن أهدافها كانت عناصر الحرس الجمهوري التابع لصدام حسين، الذي كان يقاتل رتلا مدرعا في قلب بغداد.

وتبدو طائرات (الصاعقة إيه 10) صعبة المراس، وتكمن صعوبتها في طيرانها المنخفض البطيء فوق أرض المعارك، مستخدمة مدافعها وصواريخها في استهداف أهداف الأعداء الموجودة أسفلها.

وتطير تلك الطائرات اثنتين اثنتين، ويتولى الطيار الأكثر خبرة إدارة العمليات، ومعه مساعد يراقب ظهره.

ولاتزال كامبل تذكر استغلالها للوضع في أرض المعركة أسفلها.

"بدايةً، كانت صدمة - إنهم يطلقون علينا النيران، لكن الشيء الذي لا يزال واضحا في ذهني هو إدراكها للوضع الذي يعانيه الجنود على الأرض، ومحاولة فعل ما تستطيع، بالسرعة التي تستطيعها، لمساعدة الجنود على الأرض".

ثم تعرضت طائرة كامبل للضرب من المدفعية أسفلها.

وتقول كامبل "إنني أشبه ما حدث بحادثة سيارة. أتذكر مشاهدة بغداد أسفل مني وأنا أفكر: هذا هو المكان الذي كنا نطلق عليه النار، على الحرس الجمهوري. إذا شددت مقابض طرد الكراسي ... وهبطت في الوسط بينهم ... ربما لا يكون هذا أمرا جيدا بالنسبة لي".

وهناك طريقة لقيادة تلك الطائرة باستخدام شبكة من السواعد والأسلاك إذا أصيبت أنظمتها الأوتوماتيكية المتقدمة، ويعرف هذا بالتراجع اليدوي، وهو يشبه قيادة سيارة دون عجلة القيادة، غير أنها أخطر ألف مرة في الطائرة.

وتمكنت كامبل بعد ذلك من العودة بطائرتها سالمة إلى القاعدة التي كانت تبعد نحو 483 كيلومترا جنوبا في صحراء الكويت، بتشجيع زميل طيار تولى إفادتها بتعليقات دقيقة عن حالة طائرتها.

وقد أخبرها ذلك الزميل أن الطائرة تتخللها الثقوب بسبب إصابتها، ولكنه لم يخبرها أن قطعا من المحرك تتكسر ثم تهوي بعيدا في الهواء.

كانت كامبل شابة وكانت تفكر كثيرا فيما تود عمله في حياتها الشخصية، وفيما لم تقله، ثم تمكنت من الهبوط بالطائرة بسلام.

كانت شجاعة وماكرة، غير أن الحرب متقلبة، فلو جاءت النيران التي أصابت طائرتها من ناحية اليمين قليلا أو اليسار قليلا، لما نفعتها الشجاعة ولا المكر.

الحرب صور وخرائط على التليفزيون

لقد كانت كامبل حقيقة محظوظة. أما مروة فلم تكن كذلك.

إذا تابعت احتلال الحلفاء للعراق على شبكات التليفزيون في عام 2003، لما شعرت به على النحو الذي تصوره قصة فتاة صغيرة مرتعبة تجري في اضطراب أعمى خلال فوضى سببتها غارة جوية، وقصة طيارة تحسب في اضطراب أفضل السبل للبقاء على قيد الحياة.

فقد كانت الحرب تعرض على التليفزيون آنذاك على هيئة خرائط ملونة براقة، وقد علتها أسهم هنا وهناك، تشير إلى اكتساح جيوش الحلفاء الوحشي، والبريطانيون يندفعون إلى البصرة من الجنوب، والأمريكيون يقتربون من قلب بغداد.

وقد أجاب التاريخ على الأسئلة التي سادت الأخبار آنذاك:

هل يمكن العثور على أسلحة الدمار الشامل؟هل ستقاتل قوات صدام حسين فعلا؟هل يمكن أن يستمر الديكتاتور نفسه في السلطة؟

غير أن في الحرب تحولات صغيرة في الظروف قد تعيد تشكيل الحياة إلى الأبد، مثل تلك الشظية التي تمر على بعد سنتيمتر واحد فقط فوق أو تحت لوحة التحكم في الطائرة، بدلا من خرقها للوحة التحكم ذاتها.

أو مثل التردد، ولو للمحة من الثانية، قبل اتخاذ قرار الجري من أجل حياتك، وما قد يعنيه هذا، إن كنت موجودا وقت انفجار قنبلة، أو كنت تمر بعيدا عن تلك النقطة بسلام.

لقد هبطت كيم كامبل بطائرتها بنجاح، وأمضت خمسة أشهر بعيدا عن الخدمة في العراق، قبل العودة إلى خدمة أخرى من جديد وقد انتهت الحرب.

أما معركة مروة الشمري فكانت قد بدأت.

حي سبع قصور

ولا يجادل أحد في أنه ليس للقرية التي بنى فيها آل الشمري بيتهم أي قيمة استراتيجية.

إنها بقعة للفقر، ولعصابات السلاح. فالطرق فيها ليست سوى مسارات في الطين. والبيوت الواهية ظهرت على سطح الأرض دون موافقة الحكومة، أو دون التحكم في بنائها.

ويسمون تلك القرية في العراق بحي (سبع قصور)، ولكن ليس فيها شيء يمت للقصور بصلة.

وكان يمكن أن يكون في إطلاق الاسم نكتة، لو كان قد عرف عن مسؤولي صدام حسين في المدينة روح الفكاهة.

ويوجد - غير بعيد عن حي (سبع قصور) - مدينة الصدر (التي كانت تعرف في الماضي بمدينة صدام)، وهي شبكة من الشوارع الخلفية الرثة القاتمة المزدحمة التي يتكدس فيها أكثر من ثلاثة ملايين شخص. وهي تتسم بالقذارة والفوضى.

وتصلها الكهرباء أحيانا عبر شبكة من الأسلاك العارية التي تمر فوق الرؤوس خلال أحياء المدينة.

ويرى كثير من العراقيين مدينة الصدر مكانا مخيفا ينبغي تجنبه. وقيل هكذا يصف سكان مدينة الصدر بدورهم حي (سبع قصور).

وتتذكر مروة وصول مجموعة من دبابات الجيش العراقي، وبحثها عن ملجأ، بالوقوف بين البيوت البسيطة.

"لم يتكلم الجنود العراقيون معنا، كانوا خائفين"، هكذا قالت مروة. ولم يتضح إن كانت القوات في طريقها إلى أرض المعركة لمواجهة الأمريكيين، أم أنها كانت تحاول الفرار بعيدا عنهم.

وفي أبريل/نيسان بدأت القوات الأمريكية تحكم قبضتها على مدينة الصدر. واحتلت معمل سجائر غير مستخدم، وأطلقت عليه "معسكر مارلبورو"، ثم أخذت ترسل دوريات، مصحوبة بمترجمين عراقيين، لتشعر السكان بأن الأمور تغيرت.

وكانت الوحدات العسكرية المختلطة التي أرسلها الأمريكيون إلى المعركة دليلا على الاعتقاد في واشنطن ولندن بأن الجيوش الغربية الحديثة يمكنها أن تبني مجتمعا في الوقت الذي تهدم فيه النظام.

فإلى جانب وحدات المشاة، بعرباتها المقاتلة ودباباتها، كان هناك جنود من كتيبة الشؤون المدنية، واثنان من فرق العمليات النفسية.

وظل موضوع العراق لفترة هو يتركز على محاولات الجيش الأمريكي إحكام قبضته على أماكن مثل مدينة الصدر.

والذهاب إلى هناك الآن أمر يثير الصدمة، عندما ترى أن آثار وجود الجيش الأمريكي أزيلت تماما. ولايزال خطر جماعات متمردي السنة المدعومة من القاعدة باقيا، وأصبح التعامل مع تلك الجماعات الآن موكولا إلى قوات الأمن العراقية.

وفي (سبع قصور)، وعقب أول لقاء مدمر مع الأمريكيين في عام 2003، لم ير أهل الحي الأمريكيين بعد ذلك، إلا لماما.

وعندما بدأت الدوريات العسكرية للأمريكيين كان السكان خائفين وغاضبين.

"كانوا مخيفين"، هكذا قالت مروة، "كانوا يصيحون في غضب، ويشهرون أسلحتهم علينا، وقنابلهم اليدوية بارزة للعيان في ستراتهم. كانوا يأتون المنازل بحثا عن البنادق، وبعض الأسلاك التي تستخدم في صنع القنابل".

لم يعثر الجنود على شيء في بيت الشمري، لكن ما رسخ في ذهن مروة هو ذكرى أمها وهي تجري خارجة من البيت، مرتعبة، عندما وصل الأمريكيون. إن أكثر اللحظات رعبا في طفولتك هي تلك التي تدرك فيها لأول مرة أن أمك طالها الخوف.

وكان هذا بالنسبة إلى مروة بداية العام الذي أمضت فيه فترات طويلة متقطعة مظلمة على السرير في البيت، تخللتها فترات أخرى في المستشفى.

كانت مكتئبة، ولاتزال تذكر كيف تغيرت حياتها، كبنت صغيرة، كانت تتزعم أترابها في المدرسة في اللعب والشقاوة.

"بصراحة لم أكن أفهم شيئا في تلك السن، كنت فقط أدرك أنني كنت مؤذية لأترابي"، هذا ما تتذكره مروة، "كنت أبكي بألم، ولم أكن أفكر بصفاء، حول أي شيء. كنت أمضي النهار باكية".

نظام صحي منهار

ليس هناك إحصاء رسمي بعدد الإصابات بين المدنيين بسبب الحرب، وذلك لأن الأمريكيين والبريطانيين لم يدققوا ذلك، والسلطات العراقية لم تستطع فعل ذلك. غير أن إحصاء تقديريا يشير إلى أن الرقم يبلغ أكثر من 2.200 قتيل من العراقيين خلال الأسبوع الذي أصيبت فيه مروة.

جزء من مأساة العراق أن ثروته النفطية كان يمكن إنفاقها بسهولة في توفير مستشفيات راقية تضاهي تلك الموجودة في سويسرا، أو ألمانيا، أو أمريكا.

ولم يستطع النظام الصحي المتهاوي الذي كان توفره السلطات في عهد صدام حسين التعامل بكفاءة مع عدد الإصابات.

وحتى أتعرف على وضع المستشفيات في بغداد خلال تلك الفترة من حياة مروة زرت قسم الطوارئ في مستشفى في قلب مدينة الصدر.

بدا المنظر لأول نظرة - ولمن لم يتعرف من قبل على الحياة في العراق - شاقا على النفس.

كان هناك حارس شاب على البوابة، وكان المبنى قديما، والضوء فيه يزيد شعور القتامة أكثر، بدل أن يزيلها.

هكذا بدا البناء الخارجي للمستشفى.

أما طاقم الأطباء، وهم قلب المستشفى النابض، فقد كان ينبض بقوة وانتظام، في مستشفى الصدر العام.

أحد الأطباء كان يهدئ من روع شاب يرتدي بزة رياضية، يشعر بآلام التهاب الزائدة الدودية، وجاء إلى المستشفى على كرسي متحرك يجره صديق له.

وطمأنه الطبيب قائلا "ستكون بخير".

وهناك ممرضتان محجبتان تتعاملان مع رجل كبير السن يرتدي روبا طويلا، ويطلب العلاج عند مكتب الاستقبال.

ولا يعرف ما الذي يشتكي منه الرجل، لكن الممرضتين تقيسان ضغط دمه ويبدو أنهما سعيدتان بقراءة النتيجة.

كبير الجراحين الدكتور وئام رشاد الجواهري يتذكر الأيام السوداء في 2003 وهو يقشعر.

"لا تذكرني بتلك الأيام، كانت الأمور تبعث على اليأس".

وبينما كنا نتحدث عن عدد الضحايا الذين أصيبوا بسبب الطلق الناري، أو انفجارات القنابل ممن عالجهم، قال "لا أقول آلافا، بل مئات ومئات"، ثم نُقل إلى المستشفى شاب مصاب بجرح بسبب طلق ناري في صدره.

كانت إصابته بالغة، لكنها لم تكن قاتلة.

ولايزال الجواهري يتذكر أصعب الأيام في عمله، عندما كان يقف في الاستقبال محاطا بمئات الجثث من القتلى، ومن يوشكون على الموت، وهو يحسب في كآبة من يمكن مساعدتهم، ومن فات أوان المساعدة له.

لم تكن هناك أدوية كافية، أو غرف عمليات، كما ترك أطباء كثيرون العراق خلال تلك الأيام. لكن عددا كافيا ظل يعمل حفاظا على استمرار النظام الصحي.

قلت للدكتور الجواهري إنه ينبغي أن يكون فخورا بأنه كان طبيبا يعمل في ذلك المكان الصعب، وذلك الوقت العسير.

فهز كتفيه في تواضع، لكنني أشعر بالفخر فعلا لأنني قابلته.

كان نظام الرعاية الصحية الذي وجدت مروة نفسها معتمدة عليه يعمل فوق طاقته من الموارد.

إن نوع الرعاية التي يحتاجها المبتورو الأعضاء - الرعاية العضوية والنفسية، إلى جانب اختيار أفضل الأطراف الصناعية المناسبة - هو نفسه نوع الرعاية الذي كان النظام الصحي العراقي يقاوم من أجل توفيره.

يد "يورغن تودينهوفر" المساعدة

أحست مروة أن حياتها تنحدر إلى هوة مظلمة.

فقد مات أبوها قبل عامين من الاحتلال الأمريكي، كما أن حالة السكري التي أصيبت بها أمها - والتي ستقضي عليها في النهاية - بدأت تتردى.

ولم تعد الطفلة الصغيرة - التي كانت تحلم بأن تصبح طبيبة يوما ما - إلى المدرسة.

وصدمت مروة، مثل كثيرين غيرها من الأطفال العراقيين.

ومع تردي حالة أمها الصحية، وصغر سن إخوتها وأخواتها ليدركوا فعلا ماذا يحدث لها، شعرت مروة بوحدة شديدة.

لم يكن هناك أحد تتحدث إليه، وحتى لو كان هناك أحد، فإنها لا تجد الكلمات التي تعبر عن إحساسها المتنامي باليأس.

وتقول مروة "أنا لست من الأشخاص الذين يحبون الكلام بصوت عال، إنني أحتفظ بحزني وألمي داخلي، ولا أعبر عنه بصوت مرتفع".

ومن الصعب أن تتخيل حياة طفل أشد قتامة وأكثر شعورا بالوحدة منها.

ثم فجأة ودون سابق إنذار توفرت يد المساعدة.

كانت الحرب العراقية مثار جدل في أوربا - حتى في بريطانيا التي كانت جزءا من التحالف، وأرسلت قوات للمشاركة في القتال.

وسرعان ما ترجم الشك السياسي، والشعور العميق بالصدمة، بسبب الدمار الذي تسببه الحروب الحديثة، إلى رغبة دافعة في عمل شيء، لمساعدة الشعب العراقي.

كان هذا بالنسبة إلى بعض العراقيين أمرا مربكا. إذ شعروا أن من يرسلون الطائرات لضربهم بالقنابل، هم أنفسهم من يرسلون طائرات محملة بإمدادات إنسانية لمساعدة الضحايا.

لكن المساعدات كانت مطلوبة بطريقة ملحة.

كان كل شيء يعاني من النقص في العراق، بدءا من احتياجات المستشفيات الأساسية، وحتى الأدوية المتقدمة لمعالجة السرطان. كما كان هناك نقص في كراسي الأطفال المعاقين.

وكان من الواضح أن كثيرين من المصابين بأمراض خطيرة، وإصابات بالغة، لا يمكن علاجهم في العراق، حتى لو جاءت الإمدادات بالطيران من الخارج.

وبدأت جمعيات خيرية تبحث سبل مساعدة الأطفال الذين أصيبوا إصابات بالغة، بتسفيرهم إلى أوربا، أو أمريكا، للعلاج.

كانت التكاليف باهظة، لكن الدمار الذي عانى منه العراق بعد سنوات من المعاناة في ظل حكم صدام حسين، أيقظ ضمائر العالم.

ويعتمد هذا إلى حد كبير على العثور على أثرياء، كرماء، محسنين، مستعدين للاهتمام بالأطفال وأسرهم.

ويبدو أن الحظ بدأ يبتسم لمروة الشمري.

كان يورغن تودينهوفر - مثل كثير من الأوربيين - معارضا بشدة للحرب على العراق. لكنه - على النقيض من معظمهم - قرر عمل شيء، بهذا الصدد.

وزار العراق ست أو سبع مرات في السنوات التي أعقبت احتلال الحلفاء، ثم كتب كتابا في النهاية عن المأساة كلها.

كانت أول مرة سمع فيها عن مروة من خلال منظمة اليونيسيف الخيرية للأطفال، التي ستؤدي دورا مهما في السنوات التالية في حياة الآخرين.

وكانت قصة مروة بالنسبة لتودينهوفر طريقة لفهم الصراع.

"أصبحت مروة بالنسبة لي رمزا لتلك الحرب، ولكل الحروب، لأنها بالنسبة لمن بدؤوها قد انتهت الآن، أما بالنسبة لمروة فلن تنتهي أبدا، إذ ستظل تعيش بإعاقتها لـ30 أو 50 سنة قادمة. لا أحد يعلم إلى متى".

كتب تودينهوفر كتبا عن العراق، لكنه لم يكن راضيا بعدُ عن الحديث عن قصة مروة. فقد كان يسعى إلى تغيير النهاية.

كانت لديه الثروة، والأشخاص، لفعل شيء مؤثر. وقبل بدء الكتابة عن عواقب السياسة الخارجية الأمريكية في بلدان مثل العراق، أمضى تودينهوفر 18 عاما نائبا في البرلمان الألماني.

وتبدو خبراته في بغداد وصفا مصغرا لمحاولات خارجية لإصلاح الضرر الذي نتج عن الحرب على العراق، ومعالجة المصابين فيها.

أول ما يلفت النظر في قصته أنها قصة كرم شخصي فائق.

ففي عام 2004 أو 2005، دفع تودينهوفر تكاليف نقل مروة وأمها إلى ألمانيا.

وأزيلت في أول عملية جراحية الشظايا التي كانت لاتزال مدفونة في جروح مروة، تمهيدا لتركيب رجل صناعية لها.

وتكفل بإقامتهما في الفندق خلال فترة انتظارهما، وعند تركيب الرجل الصناعية، تكفل برسوم رحلة عودتهما إلى العراق.

لكن هذا لم يكن فقط تصرفا مدفوعا بالعاطفة من رجل ثري.

لقد زار تودينهوفر عائلة الشمري في بيتها في (سبع قصور) ليتعرف أكثر على طبيعة حياتهم. وكلما عرف أكثر عن حياتهم، ازداد تصميما على تغييرها.

لم يكن الأمر سهلا. فقد كان أهل (سبع قصور) دوما متشككين في الأجانب، خاصة بعد أن أصابتهم غارات الطيران الأمريكي بجراح لا تندمل.

وفهم تودينهوفر غضبهم، غير أن حقيقة الأمر هي أن سبع قصور كان مكانا خطرا يحاول عمل الخير فيه. ولم يكن السكان مستعدين لمعرفة الفرق بين منتقد ألماني للحرب، ومؤيد أمريكي لها.

ويقول تودينهوفر "لم يكن ثمة أي داع لقصف ذلك المكان من المدينة بالقنابل".

ويضيف "ولذلك لم يحبّ السكان الغربيين. فقد قيل لي آخر مرة كنت فيها هناك لو أتيت مرة أخرى فقد لا تنجو. لقد هددوني بعنف".

"يجب أن أقول إنني أتفهم ذلك. إنهم لم يعودوا يحبوننا".

كانت نظافة المستشفيات والفنادق في ألمانيا صدمة لمروة. وعندما عادت في نهاية المطاف إلى بلدها استصعبت تحمل الفوضى، وفاقة العيش التي عانت منها خلال الفترة السابقة من حياتها.

وشعر تودينهوفر بحزنها وعزلتها. وساوره قلق بسبب توقفها عن الذهاب إلى المدرسة لأن الناس كانوا يضحكون على طريقة مشيها بالرجل الصناعية.

ولهذا قرر أن يفعل شيئا.

واشترى منزلا جديدا للأسرة كلفه 10.000 دولار، ثم حاول بعد ذلك أن ينشئ لهم عملا يدر عليهم دخلا، من خلال محل بيع صغير.

لكن والدة مروة، قبل وفاتها بفترة قصيرة، باعت البيت الجديد حتى توفر المال اللازم لتجديد البيت القديم والانتقال إليه.

إن سبع قصور مكان شديد المحافظة، مقاوم لأي تغيير، حتى الحميد منه.

وفكرة أن تدير فتاة عملها بنفسها، قد تبدو حلا منطقيا للعقل الأوربي الحديث، لكنها لن تبدو كذلك لسكان سبع قصور التقليديين. وهكذا ماتت فكرة المحل الصغير في مهدها.

ومن المفارقات - إذا أخذنا في الاعتبار عداء تودينهوفر لحملة الحلفاء العسكرية - أن نرى توازيا في هذا، مع محاولات الغرب الواسعة لإعادة تعمير العراق.

إذ يعتقد أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من 50 مليار دولار على مشاريع إعادة التعمير. ولم يتضح بعد ما الذي سيراه دافع الضرائب نظير تلك الأموال.

ولكن كرم المتبرعين وحده ليس كافيا.

فمنح الأموال لمن لا يستحقون، أو دفعها بطريقة خاطئة، أو في الوقت غير المناسب، يشبه وضع بنزين في محرك ديزل، أو تزويد شخص ما بدم من فصيلة ليست فصيلته.

مثل تلك الصعوبات لم تعرقل جهود تودينهوفر.

كانت مروة تكبر، وستحتاج بعد فترة إلى رجل صناعية أخرى تناسبها.

وأخيرا أخذها تودينهوفر إلى الولايات المتحدة حيث توجد أحدث الطرق في الرعاية الصحية. ولم تكن تكلفة ذلك زهيدة، إذ إن الرجل الصناعية وحدها تكلفت 20.000 دولار.

ودار في خلد تودينهوفر أن الأمريكيين يجب أن يدفعوا، فقد كانوا مسؤولين عن إصابة مروة. لكنهم لم يفعلوا، واضطر هو للدفع.

وفي الوقت ذاته بدأ تودينهوفر يفكر إن كان ثمة ضرر في نقل فتاة خائفة قلقة، من بلدة فقيرة على حافة بغداد، إلى الحياة في الغرب، في خطوات سريعة كان من الصعب عليها فهم الهدف من ورائها.

ويقول تودينهوفر "لست متأكدا أن نقلها إلى ألمانيا كان فكرة جيدة، لأنها هنا في أمريكا تعيش في فندق جيد جدا. ورأت الولايات المتحدة والتقت بأناس جيدين.

كان الناس يسمونها "الأميرة الصغيرة"، لكن كان عليها أن تعود إلى بغداد، حيث لم تعد أميرة بعد ذلك".

تبدو مروة نفسها حزينة نوعا ما، عندما تسألها عن تلك الرحلات إلى ألمانيا وأمريكا، دوما تتذكر أن الجميع كانوا صدوقين جدا، ولطيفين معها.

ثم تغرق في صمت، وهنا تذكر أنها فتاة تحب الاحتفاظ بذكرياتها المؤلمة عميقا بداخلها، ولا تحب الحديث عنها.

ولو كانت قصة مروة عملا روائيا لانتهت هنا، على نحو ما.

فقد برز فاعل خير، ثري وصبور وكريم، وبينما تدور أحداث القصة في أغلبها على الحزن والفقد، فلا يزال هناك جوانب إيجابية، ورسالة تعويض، تدور حول شخص غريب يمد يده عبر القارات لمساعدة طفلة عاجزة.

لكن الحياة الواقعية مفعمة بأسئلة بدون إجابات، وتحولات غير متوقعة. ونادرا ما تمدك بدروس أو رسائل واضحة. إذ إن هناك أحداثا تتدخل.

واصل تودينهوفر مد مروة وأسرتها بالمال إلى اليوم.

وقد يكون انتقاده المرير للاحتلال الأمريكي للعراق، وكل ما أعقب ذلك، مثار غضب كثير من الأمريكيين. ولكن لا شك أن وجوده في قصة مروة، مثل الخيط البراق اللامع في بساط داكن.

التعليم وأحلام لم تتحقق

في العام الماضي توفيت والدة مروة.

وأصبحت الفتاة الصغيرة التي مُلئت حياتها بالحزن الذي لم تعبر عنه بالكلمات، وتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة لأن الأطفال يضحكون على طريقة مشيها، فجأة ربة الأسرة.

عندما كانت مروة في الثانية عشرة كانت تطمح إلى أن تكون طبيبة.

كانت تريد مساعدة الناس، بالطبع، لكنها ربما كانت تفكر أيضا في أن عملها طبيبة يعني الأمان ماليا واحترام الآخرين.

وتلك هي الأمور التي تهمها أكثر، عندما تكبر في منطقة مثل سبع قصور.

لم يكن ذلك طموحا غير واقعي في العراق، خلال فترة حكم صدام حسين. فعلى الرغم من أن العراق كان مكانا خيم عليه ظل دكتاتور ارتكب التعذيب، لكن البلاد أتاحت فرصا أكثر للنساء، مما أتاحته بلدان عربية أخرى.

كان هناك طبيبات، وموظفات في الخدمة العامة. والحقيقة هي أن الفقر - وليس لأكونك امرأة - ربما كان هو العائق للطموح.

ومما لا يذكر في الأحاديث عادة الافتراض بأن مروة ستتزوج وتنجب أطفالا يوما ما. وربما يكون ذلك اليوم قريبا. إذ إن العراقيين الشيعة يميلون إلى الزواج المبكر.

إن الجرح الذي أصيبت به مروة في جزء من الثانية، خلال غارة جوية، غيَّر كل شيء، وقُتلت أحلامها في أن تصبح طبيبة، في اليوم ذاته الذي انقطعت فيه عن المدرسة.

كما أن فرصة تزوجها تدمرت، بسبب طبيعة إصابتها. وما زالت مروة تنظر إلى سبع قصور على أنها مكان للتضامن، مكان "يهتم فيه الناس ببعضهم بعضا".

لكن اتجاهاتهم نحو الإعاقة، خاصة بالنسبة للنساء، لم تكن إيجابية.

ولم تطرح هذه المسألة للنقاش. إذ إن مروة فتاة تقدر خصوصيتها وكرامتها، لكن الجميع يعلمون أن الإعاقة حقيقة من حقائق حياتها.

وعندما توفيت والدة مروة بسبب مضاعفات مرض السكري، وهي في الخامسة والأربعين، وقعت مسؤولية شقيقين، وأخت لا تزال تعيش معها في البيت، على عاتقها.

ولم يكن ذلك عبئا هينا.

وفي بلد كان ينبغي أن يسبح في ثراء النفط، كان التيار الكهربائي ينقطع بانتظام - فإذا انتظم التيار ساعة، انقطع ساعتين.

وكان إمداد مياه الشرب أيضا ينقطع كل يومين لمدة ثلاثة أيام.

وكانت مروة تعاني من ذلك، فهي تقول "نشتري براميل وزجاجات بلاستيكية كبيرة للمياه. نملؤها مقدما عندما نعرف بموعد انقطاع المياه. لقد اعتدنا على ذلك".

كانت تلك هي الهموم العملية التي تشغل بال أرباب الأسر في سبع قصور. وعلاوة على ذلك كان هناك مشكلة تربية الصغار.

كانت مروة - التي لم تكن تكبر شقيقها الأكبر إلا بعامين فقط - تتكلم بنبرة عاطفية معهودة لدى الأمهات. وهي تقول "تنصحهم أن يوقفوا إشاعة الفوضى في البيت، لكنهم يتجاهلونك، ثم يكررون ما يفعلون مرة أخرى".

"أتذكر طفولتي، عندما كانت أمي تضيق ذرعا بي".

وحتى أدرك أكثر ما يشعر به طفل في الثانية عشرة من عمره في أكثر أحياء بغداد خطورة، ذهبت إلى مدرسة جهينة الابتدائية، المدفونة في الشوارع الخلفية المكتظة في وسط مدينة الصدر.

وجّه قائد شرطة فريقا من الحراس لمراقبتنا، لكن البنات كن مهتمات بآلات التصوير أكثر من خوفهن من البنادق.

كانت المباني قديمة، وتعيش المدرسة على الإمدادات الأساسية بالكاد. لكن العراق لم يكن يعاني فقط من نقص في الكتب، أو الألواح البيضاء للفصول، بل كان يعاني أيضا من نقص المباني المدرسية.

كان الأولاد من مدرسة الذكور يشاركون الفتيات فصلهن الفارغ بالتناوب. واليوم كان الأولاد هنا في الصباح، وحان الآن موعد نوبة البنات للحضور بعد الظهيرة. ثم يعدن غدا في الصباح، ويعود الأولاد بعد الظهر.

ويقول أحد المدرسين في كآبة إنه ينحي باللوم على الأولاد في أي أضرار توجد في المكان.

لكن مدرسة جهينة كان لديها نوع من السلاح التعليمي السري، يتمثل في مديرتها إيمان عبد الحسين، التي تنشر من حولها سلطة من الرقة، بطولها الفاره، وردائها الأسود المنسدل.

وعندما تدخل المديرة فصل الفتيات المكدس بالبنات، يخيم الاحترام والصمت على المكان.

وحينما تدع فصل الفتيات، تاركة كل واحدة في مكانها، تتجول في ملعب المدرسة، وهي تمسك، بلطف بيد بنت صغيرة كانت قد انفصلت عن فصلها.

ويظهر أن سن الثانية عشرة في العراق - ما بعد الحرب - سن جيدة، إذ تفسح أحلام الطفولة عن المستقبل، المجال لمزيد من الطموح، والتفكير في الزواج، في نهاية المطاف.

ولكن ليس من الواضح إن كانت الفتيات سيتمتعن بفرص أكثر أو أقل، في نظام العراق بعد الحرب، خاصة إذا أصبحت بلادهم أقل أمانا.

لقد رغبتُ في معرفة آمال الفتيات عن المستقبل، ولذلك كلفتهن بالتفكير - كجزء من مهمة دراسية - في العمل الذي يتطلعن إليه عندما يكبرن، ولماذا.

وحضرت الفتيات في نظام، وحسن سلوك. كان بعضهن يرتدي الحجاب في لون أبيض متألق نظيف. واصطففن في صبر، بينما كنا نصورهن.

كان من بين الوظائف التي يتطلعن إليها: مدرسة، ومحامية، ورغبت اثنتان في أن يكن مهندستين، وكانت واحدة تريد أن تصبح صحفية. وقد بدا عليها الذهول عندما حظيت بالتصفيق من فريقنا، بعد أن أنهت حديثها.

غير أن معظمهن أعلن في فخر أنهن يردن أن يكن طبيبات. وقد جعلني هذا أفكر في مروة.

كانت المعلمات فخورات بأداء الفتيات، آملات في أن تتمكن بعض البنات على الأقل من تحقيق حلمهن في الوصول إلى كلية الطب.

لقد حدث الكثير لفتيات العراق خلال رحلة حياتهن القصيرة - من سقوط صدام حسين، وبزوغ ديمقراطية غير مستقرة، ثم وصول الحلفاء ومغادرتهم لبلادهن.

ومهما تخيرت من تلك العوامل، فإن الحقيقة هي أن هؤلاء الفتيات تمتعن بفرص أفضل من مروة بالنسبة لتحقيق أحلامهن.

لقد كانت الفتيات في سن الثانية عشرة وقت السلام، بينما بلغت مروة الثانية عشرة عند اندلاع الحرب.

بعد مرور عشر سنوات على احتلال العراق ثمة إغراء قوي للحديث عن التدخل الأمريكي، وهل كان ناجحا أو فاشلا، وهذا إغراء قد لا نستطيع مقاومته.

وهنا يمكن طرح ملاحظات عن معنى عودة الحياة إلى شوارع بغداد وكيفيتها، حيث يوجد مطاعم جديدة، ومعارض سيارات جديدة، وإحساس جديد بسريان الأمور طبيعيا في كثير من الأماكن، معظم الوقت.

لكن الحكم على نتائج التدخلات العسكرية، مثل احتلال الحلفاء في عام 2003، يستغرق سنوات كثيرة. بالتأكيد أكثر من عشر سنوات.

لقد رسمت معالم الشرق الأوسط الحديث عندما حددت بريطانيا وفرنسا إرث الإمبراطورية العثمانية المنهزمة، والمتهالكة، عقب نهاية الحرب العالمية الأولى.

وقد يجادل أحدهم بالقول إننا مازلنا ننتظر النتائج النهائية لما حدث في العراق.

إذ ليس هناك ضمان - على سبيل المثال - لأن تظل سوريا - التي حددت معالمها كدولة بعد الحرب العالمية الأولى - متماسكة متحدة، بعد انتهاء الصراع الحالي فيها.

وإذا تفتت سوريا، فماذا سيحدث في لبنان، المستعمرة الفرنسية السابقة التي تربطها بجارتها الخطرة، روابط وثيقة.

ويمكن طرح الشيء نفسه بالنسبة للعراق، حيث وضعت بريطانيا الأقلية الكردية في الشمال، في بلد تقليديا عربي، في منطقة ما بين النهرين، لخلق الدولة العراقية الحديثة.

كان ذلك نوعا من الزواج القسري الذي كانت إدارات الاحتلال مدمنة عليه بخطورة، ومن المحتمل أن تتجه المنطقة الكردية، بهدوء، وسط الفوضى الموجودة في الشرق الأوسط الحديث، نحو نوع من الاستقلال غير المعلن.

وقد تستغرق تلك العملية، التي قد تعني نهاية العراق كما نعرفه، 100 عام تقريبا، وهذا يظهر لنا مدى الخطر في محاولة إلقاء أحكام استراتيجية وتاريخية، عقب عقد واحد من الزمن.

وحتى لو كان حكم التاريخ في نهاية المطاف هو تصنيف احتلال الحلفاء للعراق على أنه نوع من الحافز، لجعل العراق مكانا أفضل، فإن هذا ليس هو ما يبدو لمروة. إذ إنها لا تتذكره إلا مكانا للخوف والدمار.

وما تبقى في ذهن مروة عن تلك الفترة يذكرك بأن الحرب أمر معقد فقط بالنسبة إلى الاستراتيجيين والمؤرخين. لكنها لضحاياها في غاية البساطة.

وصاغت مروة تجربتها هكذا "عشنا وقتا يبعث على اليأس، وكنا خائفين. وظللنا نتوقع في كل لحظة سقوط قنبلة من السماء علينا، وأنا سنموت. ما كنا نفكر في شيء سوى متى ستنتهي الحرب".

يورغين تودينهوفر - الذي أنفق الكثير من أمواله على محاولة إحداث تغيير بعد الحرب - يقول متأملا "ليس ثمة احتمال للنجاح بعد حرب كهذه، لقد كان كوفي عنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة) محقا عندما قال إن كل شيء أسوأ".

وخص تودينهوفر جورج دبليو بوش المهندس السياسي لذلك الاحتلال، وتوني بلير، بأشد كلماته قسوة.

فقال "إنهما يعيشان حياة رغدة الآن، بوش يقضي وقته في الرسم، وهو يكتب كتابا، وبلير مبعوث سلام للشرق الأوسط. ثم انظر بعد ذلك إلى مروة. بالنسبة إليها، لن ينتهي الوضع القائم. إذ لا يمكنك أن تمنح فتاة صغيرة رجلها المقطوعة مرة أخرى. ولن يكون لها زوج، ولن يكون لها أسرة. هذه جريمة".

سبق أن قلت إن قصة مروة لو كانت عملا روائيا، لانتهت عند لحظة من لحظات الأمل، لكن الحياة في الواقع أسوأ من ذلك، في توفير الدروس الأخلاقية الواضحة.

ومن باب الصدق أيضا أن نقول إن التواريخ تتسبب في تحولات في المصائر، أو في جوانب الشخصية، إذا لم تكن تلك مناسبة لموضوع القصة الأساسي.

وحينما قالت لي مروة إن فيلمها المفضل هو (تاتنيك)، وإن جيرانها يعانون من انقطاع التيار الكهربائي ثلاث ساعات كل يوم، فكرت كيف أنه من المحتمل لمثل هؤلاء أن يشاهدوا الفيلم دون أن يبلغوا نهايته ويدركوا أن السفينة غرقت. وقد جعل هذا مروة تضحك بصوت عال.

بل إنها قهقهت عندما شاهدت مقطع فيديو مروع لها، وهي تتلقى العلاج بعد فترة قصيرة من إصابتها، وقالت معقبة "شعري يبدو مرعبا، وسخيفا".

وحينما سألتها أين وجدت الطاقة التي أضاءت بسمتها بعد كل ما عانته، قالت ببساطة "إنها عائلتي. كل فرد فيها يمنحني شيئا يبعث على الابتسام".

وبعد برهة من الصمت، ابتسمت وقالت "شخصيتك لا تتغير".

في الذكرى العاشرة لاحتلال الحلفاء تتوقع جهودا كثيرة لتحديد معنى الحرب على العراق، ومناظرات كثيرة بشأن الدروس المستفادة منها - لوكان هناك فعلا دروس - علينا تعلمها.

لكن أكثر الدروس جميعا أهمية ربما يكمن في خاصية التماسك الذي تتمتع به الروح الإنسانية.

المزيد حول هذه القصة