جون سيمسون المحرر في بي بي سي وذكريات عن غزو العراق

العراق
Image caption أسر عراقية تفر من البصرة في مارس 2003

بعد عشر سنوات من غزو العراق، يروي محرر بي بي سي للشؤون الدولية جون سيمسون، تفاصيل التغيرات الجذرية التي وقعت في العراق، ويتذكر توابع آثار أحد التفجيرات التي تعرض لها هو نفسه.

لقد قضيت أكثر من سنة من حياتي في العراق خلال العقد الماضي، ورأيت عن قرب كيف شوهت أعمال العنف البلاد، وذلك منذ البداية.

وخلال عملية الغزو، أسقط طيار من أسطول البحرية الأمريكية قنبلة تزن ألف رطل على مجموعة القوات الخاصة من الأمريكيين والأكراد التي كنت أنا وفريقي نتنقل برفقتهم.

وقد لقي ثمانية عشر شخصا مصرعهم، واحترقوا أمامنا حتى الموت، وكان هذا مشهدا من الجحيم. ولم يكن هناك أي تحقيق مناسب فيما بعد، ولم يعاقب أحد.

كما شاهدت الاضطرابات التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تلك الاضطرابات التي تحولت بعد ذلك إلى تمرد مباشر، ثم أصبحت بعد ذلك حربا أهلية بين السنة والشيعة، في حين وقفت القوات الأمريكية والبريطانية تشاهد، وهي عاجزة عن فعل أي شيء، انزلاق العراق إلى مستنقع للتفجيرات.

وبين عامي 2006 و2007، بدت هزيمة القوات الأمريكية محتملة هناك، وكان التشاؤم قد حل بالقيادة الأمريكية، ووضعت خطط لإخلاء ما يسمى بالمنطقة الخضراء في بغداد، كما بدا أن القوة الأميركية في العالم تضعف بشكل كبير.

Image caption أمضى جون سيمسون أكثر من عام في العراق خلال العقد الماضي

ثم جاء قائد أمريكي جديد إلى العراق، هو الجنرال ديفيد بترايوس، غير الاستراتيجية الأمريكية هناك بشكل كامل، ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة قادرة على الانسحاب من العراق، دون التعرض لمزيد من الإهانة.

ورقي بترايوس في وقت لاحق ليصبح رئيسا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وذلك حتى دمرت حياته المهنية العام الماضي بسبب فضيحة تورط فيها.

غضب شديد

وبمجرد أن غادرت القوات الأجنبية، أصبح العراق يتحرك بمفرده، وبدأ سياسيو العراق المنتخبون فرض سيطرتهم على البلاد.

وتحسن الوضع الأمني بشكل ملحوظ، على الرغم من أن الحياة هناك لا تزال خطيرة في بعض الأحيان.

ومع ذلك، فإن الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة لم تقم بما يكفي لطمأنة الأقلية السنية، وهناك غضب شديد في معاقل السنة، ولا يظهرالأكراد، الذين يكتسبون استقلالية وثروة بشكل متزايد، اهتماما يذكر بأن يكونوا جزءً من العراق ككل.

ومعظم العراقيين الذين تتحدث إليهم متشائمون للغاية، ويبدو مستقبل العراق، بالنسبة لأي شخص في الخارج، أكثر إشراقا، وذلك إذا سمح لهذا الشعب أن يحظى بقليل من السلام.

حمض حارق

وهل يعني ذلك أن الغزو كان له ما يبرره؟ العراقيون أنفسهم منقسمون حول هذا الأمر، فالبنسبة للشيعة والأكراد، وهما المستفيد الأكبر من إسقاط صدام، يميلون إلى الموافقة على أن الغزو كان له ما يبرره، لكن معظم السنة، وهم أكبر الخاسرين من ذلك بالطبع، لا يرون الأمر كذلك.

لقد حقق الغزو بالتأكيد سقوط طاغية كان يحكم من خلال الرعب المطلق، فقد تحدثت ذات مرة إلى رجل من بغداد حكم عليه بالإعدام بأن يوضع في حوض به حمض حارق، وذلك لمجرد كتابته رقم هاتف على ورقة نقدية تحمل صورة صدام حسين.

وقد شعر الجلادون نحوه بالشفقة، فقاموا بوضعه لمدة دقيقة واحدة فقط في ذلك الحوض، ولا يزال ظهره مشوها بشكل مخيف.

وقد تبين أن قليلا فقط من الافتراضات التي بني عليها غزو العراق كان صحيحا، ولم يصبح العراق حليفا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما كانت إدارة بوش تعتقد، بل على العكس من ذلك، أصبح العراق في الوقت الحاضر أقرب إلى إيران منها للولايات المتحدة.

Image caption أصيب عدد كبير من أطفال العراق بتشوهات خلال الحرب وبعدها

ولم يصبح العراق المصدر الأكبر للنفط بالنسبة لأمريكا، فمع وجود شركات نفط أمريكية لديها عقود مهمة في العراق، هناك أيضا شركات بريطانية وروسية وصينية.

ذكريات مزعجة

وربما كانت أكبر الشركات المستفيدة هما شركتان أمريكيتان: شركة هاليبرتون، التي كان لنائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني صلات بها، وشركة بلاك ووتر الأمنية، التي واجهت سمعتها تحديات في كثير من الأحيان، والتي أصبحت الآن تحمل اسما "أكاديميا"، مما يجعلها تبدو سلمية تماما.

لقد عرفنا لفترة طويلة أن صدام حسين لم يكن يمثل تهديدا استراتيجيا للحكومتين البريطانية والأمريكية اللتين ادعتا ذلك في الفترة ما بين عامي 2002 و 2003.

وقال أحد السياسيين الكبار في أمريكا إن إدارة بوش قد أكدت له سرا أن صواريخ صدام قادرة على ضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة. كما ادعت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت أن الصواريخ العراقية قادرة على ضرب القواعد البريطانية في قبرص في غضون 45 دقيقة.

وفي حقيقة الأمر، أظهر تقرير دولفر عام 2004 أن صدام حسين كان قد أوقف جميع الأبحاث المتعلقة بالأسلحة النووية في عام 1991، وأوقف كذلك البحوث المتعلقة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية في عام 1995.

كما أن أسلحة الدمار الشامل في العراق كانت قد دمرت أو شحنت إلى خارج البلاد.

ولم يفهم أغلب الناس مطلقا السبب الحقيقي وراء غزو العراق، وقد أظهر استطلاع للرأي نشر في صحيفة واشنطن بوست عام 2004 أن 69 في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن صدام حسين كان وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

وإنني إذا نظرت إلى الوراء على مدى العقد الماضي، لا أستطيع أن أتخلص من العديد من الصور والذكريات المزعجة.

ففي مدينة الفلوجة العراقية، التي تضررت بشدة من قبل القوات الأمريكية عام 2004، شاهدت طفلين يجلسان بصمت في روضة للأطفال، لا يكادان يستطيعان الحركة، إذ كانا يعانيان من تشوهات خلقية، مثل عدد كبير جدا من الأطفال في هذه المدينة.

ولا أستطيع أن أقول لأني لست خبيرا في مجال الأسلحة، إن كان ذلك نتيجة لبعض الأسلحة المستخدمة من قبل القوات الأمريكية، ولكن أتمنى أن أنسى صورة هذين الطفلين المغلوبين على أمرهما، وهما يعانيان من تشوهات وتلف في الدماغ.

المزيد حول هذه القصة