فيديو يثير تساؤلات عديدة عن مقتل الشيخ البوطي في سوريا

البوطي
Image caption يُظهر الفيديو الشيخ البوطي وهو جالس وأمامه طاولة بمسجد الإيمان في وسط دمشق

ينتشر حاليا مقطع فيديو على شبكة الإنترنت يُظهر على ما يبدو الانفجار الذي وقع يوم 21 مارس/آذار وقتل خلاله الشيخ السوري البارز محمد رمضان البوطي في أحد مساجد دمشق، ويثير هذا الفيديو العديد من الأسئلة بشأن مقتل الرجل الذي يعد الشخص الأكثر شهرة لدى المشاهدين السوريين أكثر من أي شخص آخر، سوى الرئيس بشار الأسد.

وقدم النظام تغطية موسعة لمقتله في الإعلام الرسمي، وكان ذلك أكثر من أي حدث فردي آخر منذ اندلاع الانتفاضة السورية منذ أكثر من عامين.

وقال النظام إن الشيخ الذي خصصت له حراسة قوية اغتيل على يد مفجر انتحاري قام بتفجير نفسه داخل المسجد، مخلفا انفجارا هائلا أدى لمقتل نحو 50 آخرين من الطلاب، ومن بينهم حفيد الشيخ البوطي، وإصابة آخرين بإصابات بالغة.

لكن مقطع الفيديو الذي انتشر مؤخرا على الإنترنت لا يحمل هذه الرواية للأحداث، وهو المقطع الذي لم تتعرض مصداقيته لتحد جاد حتى الآن.

وميض وصوت انفجار ودخان

ويظهر الفيديو وميضا، وصوت انفجار، ودخانا يعقب وقوع الانفجار، ويُظهر الشيخ البوطي وهو جالس وأمامه طاولة بمسجد الإيمان في وسط دمشق، ويخاطب الطلاب الجالسين أمامه. وبينما كان الشيخ يتحدث لطلابه، وقع انفجار صغير أمام الطاولة، وصدر عن ذلك وميض وصوت فرقعة وبعض الدخان، لكن لم يكن ذلك قويا بما يكفي لإصابة الطاولة أو اهتزاز الكاميرا التي تلتقط المشهد.

وفي غضون ثلاث ثوان، انقشع الدخان بما يكفي للمشاهد ليرى الشيخ الذي تراجع مترنحا في مقعده وأمسك برأسه وهو يعتدل في جلسته بشكل غير مستقر بعض الشيء، وكان يعيد ضبط العمامة التي يرتديها فوق رأسه، والتي انزلقت بعض الشيء.

وبالرغم من وجود بعض الدخان، لم تكن هناك اصابات بالغة يمكن رؤيتها، وكان الشيخ يبدو أنه قوي بما يكفي ليعود إلى جلسته دون استخدام يديه للاعتدال، والتي كانت منشغلة بضبط عمامته.

وفي هذه اللحظة، وبعد مرور خمس ثوان من الانفجار، ظهر رجل يرتدي زيا أسود وتحرك أمام الكاميرا مقتربا من الشيخ، وحجبه عن الرؤية.

ويبدو أن هذا الرجل كان يقوم بعمل شيء ما للشيخ، وكان يدفعه للخلف ولليسار، ثم تركه ساكنا هامدا بينما ابتعد هو عن الكاميرا، وذلك بعد ظهوره فقط لمدة خمس ثوان. ولم يظهر هذا الرجل في المشهد مرة أخرى.

وتحرك خمسة رجال آخرين للأمام وحول الطاولة ورفعوا الشيخ إلى أعلى وسحبوه نحو اليمن مباشرة، وبمرور هذا الوقت بدا الشيخ منهكا بالفعل وينزف بغزارة من فمه ومن جرح في الجانب الأيسر من رأسه. وينتهي الفيديو عند هذه المرحلة، بعد مرور 29 ثانية فقط.

وبينما كان صوت الشيخ مسموعا، وذلك في لحظة الانفجار، حيث كان يقول: "هذه ليست مشكلة"، كان أيضا صوت الانفجار مسموعا، وتتم المشاهد التالية لذلك في هدوء مع وجود صوت ضجيج منخفض.

ويضم هذا الفيديو العديد من الجوانب الغريبة والمثيرة للقلق، كما يثير تساؤلات عدة تركت بلا إجابة.

لا أثر لفزع أو فوضى

Image caption بعد مرور خمس ثوان من الانفجار، يظهر الفيديو رجلا يرتدي زيا أسود تحرك أمام الكاميرا مقتربا من الشيخ، وحجبه عن الرؤية.

ثمة قليل من الحقائق الواضحة، هذا هو بالفعل الشيخ البوطي في الفيديو وهو يتحدث، وبعد 29 ثانية مات الرجل أو ضرب بشكل قاتل، لكن كيف؟

من الواضح أن الانفجار نفسه لم يقتل الشيخ مباشرة، فربما تعرض الرجل لإصابات، ويبدو أن هذه الإصابات تركته مترنحا لكنها لم تعجزه عن الحركة.

ولم يكن الانفجار كبيرا، فالطاولة التي أمامه والكتب والأوراق التي كانت فوقها لم تتأثر، ولو كانت القنبلة تحت الطاولة وتسببت في اصابات داخلية، لكانت الطاولة انفجرت بالكامل.

كما يبدو أن الانفجار وقع بعد مسافة ما أمام الطاولة، حيث سار الرجال الذين أسرعوا نحو الشيخ عبر هذه المسافة دون صعوبة، وبدون أي شعور بالفزع أو بوجود حالة طارئة.

وكانت تحركاتهم، وتحركات الرجل صاحب الزي الأسود الذي كان أول من اقترب من الشيخ، تعطي شعورا غريبا بأنها تتم في تناسق فيما بينهم، كما ظهر هؤلاء وكأنهم منفصلون عن المشهد، ومهرة بشكل كبير.

لم يكن هناك شيء من الفزع أو الفوضى التي تصاحب التفجيرات الكبيرة في مثل هذه الأماكن المزدحمة.

وكثير من المعلقين يعتمدون على حركات الرجل صاحب الزي الأسود، والتي لا يمكن رؤيتها بوضوح، ولكن كان واضحا أنه لم يتحرك لتقديم الاسعافات الأولية للشيخ، كما أنه لم يهرع حول الطاولة لمساعدته، بينما اقترب فقط من الأمام، وفعل شيئا ما، وأرقده نحو اليسار، وابتعد عن المشهد بعد ذلك.

ومن خلال حركاته، التي ترى من الخلف، لم يظهر أنه يطلق النار على الشيخ، أو يطعنه بقوة. فربما استخدم شيئا حادا، أو حقن الشيخ بشيء ما، لكن لو كان الأمر كذلك، فقد تم ذلك بهدوء تام وحرفية عالية.

تقارير متضاربة

ومن الدلائل الموجودة بالفيديو، أنه من غير المقنع أن مثل هذا الانفجار الصغير يمكن أن يسبب وفاة نحو 50 شخصا، كما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية، وأيضا المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض للنظام.

الانطباع الذي يمكن أن نخرج به من الفيديو هو أن الشيخ هو الضحية الوحيد لهذا الانفجار، لأن الرجال الذين اقتربوا منه بعد الانفجار كانوا على بعد ثوانٍ قليلة منه، ويأتون من الناحية التي وقع فيها الانفجار.

وفي يوم الحادث، عرض التلفزيون الرسمي السوري بعض الصور للحادث، وأغلبها لطلقات نيران خارج المسجد وعلى درج السلم المؤدي إليه.

وأظهرت الصور من داخل المسجد بعض الأثار السطحية للحطام، ولكن ليس لتدمير كبير أو مذبحة يمكن أن نتوقعها من مثل هذا الانفجار الضخم الذي يقتل 50 شخصا في مكان مغلق.

وكانت رواية النظام هي أن الانفجار كان عملا لمفجر انتحاري بمفرده تسلل بين الطلاب الذين يحضرون للاستماع للشيخ.

لكن الفيديو يظهر مجموعة من الرجال، يرتدي أحدهم معطفا، ويعملون معا لنقل جسد الشيخ بسرعة، وعلى ما يبدو تم ذلك بتنسيق مع الرجل الذي كان يرتدي زيا أسود والذي ابتعد عن المشهد.

وبدا الانطباع أن مقتل الشيخ كان عملا من قبل النظام، وهو اتهام وجهته المعارضة مباشرة بعد مقتل الشيخ، ووجهه عديدون أيضا من الذين اعتمدوا على هذا الفيديو.

لكن لماذا يقدم النظام على قتل عالم سني كبير وشهير جدا، وقف بجانبه في كثير من المواقف، ووصف المتمردين بأنهم إرهابيون ومرتزقة؟

وقد أعقب مقتل الشيخ تنديد ليس فقط من النظام ولكن من المعارضة أيضا.

وتعليقا على هذا الفيديو، وصف معاذ الخطيب، رئيس الإئتلاف السوري المعارض، هذا الفيديو بأنه "عملية قتل واضحة مع سبق الإصرار وبلا رحمة – عاقب الله الذين قتلوه".

المزيد حول هذه القصة