احتدام الحرب بالوكالة في سوريا مع مشارفة اللعبة برمتها على الانتهاء

Image caption أحد مظاهر الأزمة المعقدة في سوريا يكمن في صراع بالوكالة محتدمٍ بين العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، وبين تنظيم القاعدة العالمي من ناحية أخرى

مع تسارع الانقسام الذي تشهده سوريا ومع ما يبدو من اقتراب لرحيل النظام السوري الحالي، تتسابق القوى الخارجية في دعمها لواحد من طرفي النزاع، لتشتد بذلك الحرب بالوكالة وطأةً حول مستقبل البلاد.

وجاء المثال الأخير على ذلك متمثلا في محاولة تنظيم القاعدة وضع بصمته بشكل واضح على ما تقوم به جبهة النصرة في سوريا وتشجيعها للدفع في اتجاه إقامة دولة إسلامية هناك، بينما أن شركاء تلك الأخيرة من العلمانيين والمعتدلين في المطالبة بإسقاط النظام يدفعون في اتجاه الديمقراطية.

ويذكرنا ذلك بأن أحد مظاهر الأزمة المعقدة في سوريا يكمن في صراع بالوكالة محتدمٍ بين العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، وبين تنظيم القاعدة العالمي من ناحية أخرى.

حيث دعا أيمن الظواهري، الذي خَلَف أسامة بن لادن في زعامة التنظيم، دعا الجهاديين في سوريا يوم الأحد للعمل من أجل إقامة دولة إسلامية تكون هي حجر الأساس للخلافة التي يمكن توسيع نطاقها في المنطقة.

وأعلن تنظيم القاعدة في العراق عقب ذلك بيومين أن جبهة النصرة كانت إحدى أفرع التنظيم، وأن الجبهتين ستنضمان لبعضهما البعض لتكوّنا دولة إسلامية واحدة في العراق والشام.

إلا أن جبهة النصرة، التي تعمل جاهدة للحصول على مكان بين قوى المعارضة السورية بأطيافها المختلفة وتسعى لكسب القلوب والعقول على الأرض، يبدو أنها رأت في ذلك الإعلان خطورة تتهدد كل ما تقوم به.

وسرعان ما أعربت الجبهة عن إنكارها لمثل هذه العلاقة، على الرغم من أنها كانت مجبرة على الاعتراف بأصولها من خلال إعلان ولائها للظواهري، بينما أكدت على أن ذلك ليس من شأنه أن يحدث تغييرا في شيء.

دعم غربي

وخلال الأشهر القليلة الماضية، يبدو أن أمريكا قد أعطت إشارة ضمنية لحلفائها في المنطقة –خاصة قطر وتركيا والمملكة العربية السعودية- لزيادة حجم وجودة السلاح الذي يمدون به المعارضة، دون إعلان لأية تغييرات بشأن سياساتها إزاء التزاماتها العسكرية.

Image caption نازحون من القتال في حلب

وفي الوقت نفسه، تواردت أنباء تشير إلى أن الأمريكيين ساهموا في تدريب عناصر الجيش السوري الحر في الأردن وإرسالهم عبر الحدود إلى جنوب سوريا، حيث يتمتع مقاتلوا المعارضة بأسلحة مضادة للطائرات ومضادة للمدرعات أكثر تطورا، وحيث بدؤوا في إحراز انتصارات أكبر مقارنة بما يحدث في الأطراف الشمالية من البلاد.

ومع ارتباط دعم الغرب بالولاء للجيش السوري الحر والائتلاف السوري المعارض، أصبح ذلك يمثل ضغطا على جبهة النصرة وغيرها من المجموعات الجهادية الأخرى، إذ يعتقد ان من تابعي النصرة ليسوا اكثر من انتهازيين، أحبوا أن ينضموا إلى الجبهة التي تتوفر على كم كبير من الموارد والخبرة أكثر من غيرها.

ومع تلك المعادلة التي عادت لتصب في صالح المجموعات "المعتدلة" مرة أخرى، يبدو أن القاعدة رأت أن الوقت أضحى مناسبا لتذكير الجهاديين بولائهم وأهدافهم الحقيقية، خشية أن يحيدوا عنها.

ومع إدراكها لتخوف الغرب من دعم الجيش السوري الحر بأنواع متطورة وفتاكة من الأسلحة وأن تقع تلك الأسلحة في أيدي الأصوليين، يمكن أن تكون القاعدة قد قررت عن عمد إبداء دعمها للمعارضة وذلك لوقف المد الغربي بالسلاح، ومن ثم الحفاظ على تصدر الجهاديين للمشهد على الأرض.

كما أن الصراع بين الأصوليين وغيرهم من قوى المعارضة في سوريا يرتبط بشكل أكبر باقتراب حدوث تغيير في النظام السوري. وإذا لم يجر حله، فإن ذلك النزاع قد يزداد تعقيدا ويستمر في ذلك لفترة قد تصبح طويلة.

تداعيات إقليمية

وستصبح نتيجة ذلك الصراع أساسية لتحديد مستقبل هذا الجزء الهام في المنطقة.

فإذا ما نجح الجهاديون في استعادة موقعهم المتقدم في سوريا الجديدة، فليس من الصعب لنا أن نتخيل ظهور اتحاد غير رسمي في الغالب بين المناطق السُّنِّية غربي العراق ودولة سوريا التي تهيمن عليها الطائفة السُّنِّية، حيث إن المنطقة تنزلق نحو تقسيمات عرقية بدأت ملامحها تلوح في الأفق.

أما بقاء نظام الأسد فيعتبر هو العقبة الرئيسية أمام تلك العملية، وذلك هو أحد الأسباب الذي يجعل الأمريكيين وحلفاءهم مترددين في الدفع بقوة تجاه الحرب بالوكالة التي يشنونها ضد إيران وحلفائها في سوريا –متمثلا في نظام الأسد- وفي لبنان –متمثلا في حزب الله.

أما المعضلة التي تواجه الأمريكيين، والتي سيحاولون إيجاد حل لها من خلال سلسلة من اللقاءات التي ستجمع الرئيس الأمريكي باراك أوباما والحلفاء في الشرق الأوسط خلال الأسابيع المقبلة، فتتمثل في الطريقة التي يجري بها دعم الثوار بشكل كافٍ حتى يتم إجبار نظام الأسد العنيد على التفاوض حول عملية انتقال منظم للسلطة، دون الحاجة إلى إسقاطه بطريقة قد تسمح للأصوليين بالوصول إلى سدة الحكم في سوريا.

وقد يكون من المستحيل لتلك المعادلة أن تحدث، حيث إن جوهر النظام السوري من الداخل قد يستمر في عناده ذلك حتى اللحظة التي يتم إسقاطه فيها.

استفزاز إسرائيل؟

وفي الوقت نفسه، يرى الدبلوماسيون أن الأمريكيين وحلفاءهم يدفعون الجيش السوري الحر للسيطرة على ما يمكنهم السيطرة عليه من مساحات على الأراضي السورية، وذلك من أجل احتواء التداعيات الإقليمية.

كما أن واحدا من المخاوف يتمثل في أن يلجأ النظام السوري –عند شعوره بالنهاية- إلى استفزاز إسرائيل في محاولة منه لحشد الدعم المحلي والإقليمي معه؛ لذا فقد جرى التركيز بشكل قوي على التخلص من ذلك عن طريق إقامة منطقة فاصلة يسيطر عليها الثوار على الجانب السوري من هضبة الجولان المتاخم للحدود مع إسرائيل.

ويرى الدبلوماسيون أيضا أن إسرائيل كانت تبدي تعاونًا في الخفاء، حيث كانت تأخذ المصابين من صفوف الجيش الحر الذين تركوا قريبا من خط وقف إطلاق النار لتعالجهم داخل مستشفيات ميدانية مجهزة في الجولان، بل وكانت ترسل بعض الإصابات الخطيرة لتتلقى علاجها في مستشفيات داخل إسرائيل.

أما في لبنان، فإن ثمة مخاوف مماثلة لدى خصوم حزب الله في لبنان –إذا ما ساءت الأوضاع في سوريا- من أن يحاول افتعال أزمة على الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل.

ومع تصاعد الضغط على النظام السوري في دمشق، يعمد حلفاؤه أيضا –متمثلين في روسيا وإيران- إلى تجديد التزامهم بالسماح لبشار الأسد بالرحيل فقط كجزء من عملية انتقال منظمة ومتوازنة، من شأنها أن تستعيد جزءا كبيرا من هيكل النظام ومؤسسات الدولة.

حيث يقول الدبلوماسيون إن إيران قد دعمت النظام السوري بما لا يقل عن 12.6 مليار دولار أمريكي حتى يبقى صامدا ويدعم تابعيه.

ويرى الدبلوماسيون أيضا أن الإيرانيين يموّلون ميليشات محلية يطلق عليها اسم اللجان الشعبية، وهي ميليشيات منفصلة عن شبكة ميليشيات الشبيحة، حيث يرون أن تلك الميليشيات يمكن للنظام السوري الاعتماد عليها إذا ما سقط واضطر للانسحاب نحو المناطق التي يسيطر عليها العلويون ومنطقة الساحل الشمالي الغربي.

كما أن عناصر حزب الله في لبنان يشاركون في القتال على الأرض، حيث إنهم شاركوا في قتال الثوار قرب ضريح السيدة زينب الذي يقع على الحدود الجنوبية من العاصمة السورية دمشق، إضافة إلى القرى ذات الغالبية العلوية في محافظة حمص الواقعة في الغرب.

كما يُعتقَد أن فصيل حزب الله في العراق، إضافة إلى الفصائل الشيعية الأخرى في العراق القريبة من إيران، تشارك أيضا في ذلك القتال بدرجات متفاوتة.

حيث أكدت كتائب حزب الله في العراق الأسبوع الماضي ولأول مرة مقتل واحد من مقاتليها داخل الأراضي السورية.

كما توارد أن المقاتلين الفلسطينيين يشاركون في القتال مع الجانبين، على الرغم من أن تقسيماتهم تضم فصائل قائمة على أسس سياسية ووطنية أكثر من قيامها على أساس العرقية.

وعلى الرغم من إنكارها، إلا أن هناك تقارير متواترة تؤكد مشاركة بعض المقاتلين من حماس في تدريب مقاتلي الجيش السوري الحر على الجانب الشرقي من دمشق، وذلك على الرغم من أن حماس كانت قريبة من النظام في دمشق، إلا أنها تحولت بولائها نحو قطر في ظل الأزمة السورية وتصاعد الاستقطاب السني الشيعي في المنطقة.

وفي محاولة منها للتعاون مع معارضة منقسمة وبعيدة عن السيطرة على مجريات الأحداث على الأرض، فإن من الغريب أن تبدو القوى الغربية نفسها أيضا منقسمة ومترددة إزاء ما يمكنهم القيام به للتوصل إلى الحل الذي يرونه مناسبا ومقبولا للخروج من تلك الأزمة.

المزيد حول هذه القصة