لماذا يتوافد الإيرانيون على جورجيا؟

Image caption حكمت السلطات الايرانية على بابك بالسجن الانفرادي

تتوافد اعداد متزايدة من الايرانيين على جمهورية جورجيا، احدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، للاقامة فيها لدواع شتى. فالبعض يقول إنهم اجبروا على ترك بلادهم نتيجة الضائقة الاقتصادية التي تسببت فيها العقوبات التي يفرضها الغرب على ايران، بينما يقول آخرون إنهم اجبروا على ذلك نتيجة القهر والاضطهاد الذي تمارسه بحقهم السلطات الحاكمة في طهران.

ولا ادل على نمو هذه الظاهرة من انتشار مجلة (أريانا) الاسبوعية الجورجية الناطقة بالفارسية. فقد تضاعف انتشارها اربع مرات منذ صدورها للمرة الاولى قبل سبعة أشهر فقط.

وتساعد هذه المجلة الايرانيين على الاقامة في جورجيا بتنويرهم عن العادات والتقاليد المحلية.

وتقول مالكة المجلة ورئيسة تحريرها سارة غازي إن الايرانيين يعانون في بلادهم معدلات التضخم المرتفعة وارتفاع الاسعار، لذا فإن جورجيا تعتبر بالنسبة لهم اختيارا جذابا خصوصا وانها تقع على مقربة من ايران ولا تطالب الايرانيين بتأشيرات لدخول اراضيها.

وتقول سارة "هناك من الايرانيين من لديهم وفرة من الأموال يريدون استثمارها في جورجيا، فالاقتصاد الجورجي يمر بمرحلة نمو وهؤلاء ينظرون الى جورجيا بوصفها مركزا اقتصاديا واعدا."

Image caption سارة غازي رئيسة تحرير مجلة اريانا

وإزداد عدد الايرانيين الذين قصدوا جورجيا في العام الماضي بنسبة 60 في المئة إذ بلغ 100 الف، كما ان 6000 ايرانيا مسجلون رسميا كمقيمين في جورجيا وهو عدد كبير بالنسبة لبلد لم يألف الهجرة.

كان ترك ايران ضرورة اقتصادية بالنسبة لصانع لعب الاطفال الايراني باباك أمين.

التقيت بباباك في مركز استشاري جديد افتتح في العاصمة الجورجية تبليسي تحت اسم المركز التجاري الايراني الجورجي. يقدم المركز المشورة والنصح للايرانيين حول كيفية تأسيس وادارة المصالح التجارية في جورجيا.

ويلتقي المستشارون الملحقون بالمركز بحوالي 15 عميلا ايرانيا يوميا يسعون لتأسيس شركات او شراء عقارات في جورجيا.

وقال أمين إنه كان يجد صعوبة بالغة في تسويق منتجات شركته من لعب الاطفال في ايران نظرا لفقدان العملة الايرانية التومان قيمتها بسبب العقوبات الغربية.

وقال "إن قيمة الدولار الامريكي تتغير يوميا، ولذا فلم يعد بامكاننا ممارسة النشاط التجاري في ايران. نشتري حاجة ما اليوم ونرسلها الى ايران ولكن قيمة الدولار ترتفع فجأة ونخسر اموالنا."

والخاصية التي تجتذب الايرانيين الى جورجيا هي انها تعتبر اكثر دول المنطقة المحيطة بايران موالاة للغرب ومساعدة للنشاط التجاري.

ولكن البلدين يرتبطان ايضا باواصر تاريخية وثقافية قوية. فجورجيا كانت يوما جزءا من الامبراطورية الفارسية، وهي حقيقة يمكن للمرء تلمسها من مشاهدة الطراز المعماري لابنية المدينة القديمة في العاصمة تبليسي.

فهناك الحمامات المشيدة على الطراز الاسلامي القديم، كما تتميز الدور القديمة بشبابيكها القوسية وشرفاتها الخشبية وهي كلها من العناصر المميزة للعمارة الفارسية التقليدية.

اضافة لذلك، قال لي الكثير من الايرانيين إنهم يشعرون بألفة مع القيم الجورجية التقليدية كالقيم الأسرية وقيم الضيافة، التي تذكرهم بقيم المجتمع الايراني. لذلك فهم سرعان ما يتأقلمون مع الحياة في جورجيا.

من جانب آخر، يأمل الجورجيون في ان يؤدي توافد الايرانيين على بلادهم الى انتعاش اقتصادها.

ولكن المعضلة التي تواجه جورجيا في هذا المجال تتلخص في كيفية الموازنة بين الاحتفاظ بعلاقات قوية ومزدهرة مع ايران من جهة وتجنب اغضاب الولايات المتحدة - اهم حليف لجورجيا - والاتحاد الاوروبي (الذي تطمح جورجيا في الانضمام اليه) من جهة اخرى.

Image caption المدينة القديمة في تبليسي تحاكي العمارة الايرانية

يقول المحلل السياسي الجورجي الكسندر روندلي في هذا المجال إن "جورجيا تريد الانضمام الى الهياكل الاوروبية والاورو-أطلنطية، ولكنها في الوقت ذاته تريد بناء علاقات طيبة مع كل جيرانها."

ويقول روندلي إنه ينبغي على جورجيا ان تختط طريقا صعبا يرضي الدول المجاورة لها التي قد تنتهج خطا ايديولوجيا مغايرا كما يرضي الحلفاء الكبار.

ويؤكد المحلل السياسي الجورجي انه "توجد في هذه المنطقة ثلاث قوى اقليمية كبرى، هي روسيا وتركيا وايران. لا يمكننا أغفال هذه الحقيقة، لأننا نتعامل معها بشكل يومي. فهذه القوة تسهم في استقرار بلادنا وامنها. لذا فأنا اعتقد ان الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع ايران، خصوصا في المجال الاقتصادي، لا يشكل خطرا على جورجيا ولا على الامن الدولي."

ولا ينحصر ولع الايرانيين بجورجيا بالجانب الاقتصادي فقط، فبالنسبة لبعض منهم توفر جورجيا ملاذا آمنا من "البطش الذي يتعرضون له في بلدهم".

التقيت بمجموعة من التبشيريين المسيحيين الايرانيين، الذين قدموا توا من ايران الى جورجيا، بينما كانوا يقرأون الترانيم الدينية في احد شوارع تبليسي. فقد نصب هؤلاء كشكا صغيرا يوزعون من خلاله نسخا من الانجيل المترجم للفارسية على المارة من الايرانيين.

قال لي كاهن المجموعة، واسمه بابك، إنه عندما حاول فعل الشيء نفسه في ايران حكمت عليه السلطات الايرانية بالسجن الانفرادي لمدة 40 يوما كما تعرض لضرب مبرح من جانب الشرطة.

وقال "اذا كنت مسلما وتقرر اعتناق المسيحية في ايران، فإن الحكومة تسبب لك متاعب لا حصر لها، فقد تسجنك او تطردك من عملك."

ويقول ايرانيون آخرون إن الاقامة في جورجيا تعني بالنسبة لهم التحرر من القيود التي تفرضها السلطات الايرانية على الحريات الفردية كمنع تناول المشروبات الكحولية على سبيل المثال. وقالت لي بعض النسوة الايرانيات انهن يشعرن بالسعادة لانهن لا يجبرن على ارتداء الحجاب في جورجيا.

وتقول سارة مالكة مجلة اريانا أن الفرص المتوفرة في جورجيا بالنسبة لرجال الاعمال تذكرها بتلك التي كانت تشتهر بها دبي قبل عشر سنوات.

وتضيف "اذا كان لديك رأس المال والابداع والافكار، فمن السهولة بمكان ان تجني ارباحا هنا."

ولكن جورجيا تعاني ايضا من البطالة، ولذا فليس من اليسير للايرانيين الذين لا يتوفرون على رؤوس الاموال ان يجدوا عملا هنا.

ولكن الكثيرين منهم يقولون إنهم وجدوا على الاقل بلدا يمكنهم الشعور فيه بالحرية.