خلاف بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن تاريخ الضفة الغربية

التراث الفلسطيني الإسرائيلي
Image caption إسرائيل تقول إن برنامج الحفر يهدف إلى الحفاظ على المواقع من الدمار.

حددت إسرائيل عاما للتراث الوطني يتزامن مع يوم الاستقلال. ومن فعاليات هذه المناسبة برنامج أطلقته إسرائيل يهدف إلى الترويج للروابط الإسرائيلية، والمواقع القديمة في إسرائيل والضفة الغربية.

وتقول إسرائيل إنها مساع ثقافية بحتة تساعد في الحفاظ على المواقع من الدمار، غير أن الفلسطينيين انتقدوا تلك الخطوات، ووصفوها بأنها ذات دوافع سياسية، على نحو يبرز مدى عمق الخلافات التاريخية الكامنة في الصراع بين الطرفين.

وعلى ربوة في حديقة تل شيلو الأثرية، تنتهي اللمسات الاخيرة لتدشين مركز جديد للزائرين تكلف ملايين الدولارات من المقرر افتتاحه خلال اسابيع.

وتطل بناية المركز المستديرة ذات القباب على حجر مثلث الشكل يعتقد في أنه المكان الباقي لتابوت العهد الذي احضره الاسرائيليون ممن جعلوا شيلو عاصمة لهم. وسوف تستأنف اعمال الحفائر خلال صيف العام الجاري.

وقال نكوم جيلبار، وهو مترجم يعيش منذ 22 عاما في مستوطنة شيلو اليهودية التي تضم الحديقة، "من يعرف ما سيعثرون عليه، انه مستقبل ممتع للغاية."

واضاف جيلبار ان الاطلال المبعثرة حول تل شيلو شهادة اعتراف عبر العصور على اهميتها كموقع مذكور في الكتاب المقدس – "انها مزيج من العصور."

ويجري علماء الاثار والعمال حفائر دقيقة حول كنيسة بيزنطية تعود للقرن الرابع الميلادي، اذ يقوم الاثريون برفع الاحجار المتربة ودفع عربات يد تحمل انقاضا.

وعلى مقربة من الموقع تقبع بقايا مسجد يعود للقرن الثامن بني على انقاض موقع كنيسة سابقة.

وسجل عدد السائحين الزائرين لتل شيلو خلال العامين الماضيين زيادة سريعة، وهو اتجاه مستمر منذ ان أدرجت الحكومة الحديقة موقعا للتراث الوطني العام الماضي.

ويعني ذلك ان تل شيلو الى جانب مواقع قديمة اخرى في الضفة الغربية ستحصل على دعم خاص من الحكومة للتطوير وأعمال الصيانة.

وقال جيلبار "هل هذه مساع لزيادة اعداد الناس هنا؟ نعم"، مضيفا "هل هذا خطأ؟ لا. هنا يبدأ تاريخنا في أرض اسرائيل."

وعندما أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بينيامين نيتانياهو تخصيص 190 مليون دولار لمشروع مواقع التراث الوطني عام 2010، قال ان بقاء اسرائيل يعتمد "أولا وقبل اي شئ" على توعية الاجيال في المستقبل بشأن الثقافة اليهودية والارتباط بالارض.

واضاف "لابد ان يعرف الناس ماضيهم ليضمنوا مستقبلهم."

طبقات مختلفة

لقد تم تخصيص معظم الاماكن المدرجة على المشروع في اسرائيل، وثمانية على الاقل في الضفة الغربية، لأن الكثير منها يتعلق بقصص واحداث مدونة في الكتاب المقدس لليهود.

وكانت اسرائيل احتلت المنطقة خلال حرب الشرق الاوسط عام 1967، وحظيت عملية تخصيص المواقع هنا كجزء من التراث الوطني بانتقادات.

وقال حمدان طه، مدير وزارة السياحة والاثار الفلسطينية "الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من تاريخ فلسطين، وخطة نيتانياهو للتراث بمثابة عدوان على الحق الثقافي للشعب الفلسطيني في بلاده، لان وضعية الضفة الغربية يحددها الفلسطينيون."

واضاف طه ان تأكيد الحكومة الاسرائيلية على المنحى التاريخي اليهودي لبعض المواقع يعد "سوء استخدام ايدولوجي لأدلة اثرية."

وقال "التراث اليهودي في الضفة الغربية – مثل التراث المسيحي والاسلامي – جزء من التراث الفلسطيني ونحن نرفض اي تقسيم عرقي للثقافة."

وتقول بيانات اسرائيلية وفلسطينية رسمية ان هناك ما بين 6 الاف و10 الاف موقع اثري معروف في الضفة الغربية، وبقايا الاف السنين من استيطان الحضارات منذ العصر الحجري الحديث.

ويقول نقاد خطة التراث ان التاريخ اليهودي هو جزء واحد، واسرائيل تركز على ذلك على حساب العصور الاخرى.

وقال يوني ميزراتشي، عالم اثار بهيئة الاثار الاسرائيلية سابقا، "ان اردت ان تعرف تاريخ هذه الارض، ستجده طبقات مختلفة، فهناك حضارات مختلفة نشأت هنا، فالامر لا يتعلق بحضارة واحدة."

واضاف "المواقع الاثرية جزء من شخصية هذه الارض، وينبغي ألا تذكر كشيء خاص بقومية."

وقالت الحكومة ان مشروع التراث نفسه لا يركز فقط على التاريخ اليهودي بل يراعي أهدافا تعليمية خاصة.

وقال ديفيد بيكر، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي، الذي يدير مشروع مواقع التراث "هذه المواقع تعد جزئا لا يتجزأ من تراثنا، وهذا هو ما يهدف اليه البرنامج – تعليم تراثنا والحفاظ على اهمية المواقع لتاريخنا الوطني."

وتقول اسرائيل ان ذلك لا يهدف الى تمييز في مجال الاثار، ومن ينتقد المشروع يستخدم القضية للحد من أدلة وجود تاريخ يهودي في الضفة الغربية.

وتشير دائرة الاثار للادارة المدنية – وهو جهاز اسرائيلي معني بالاثار في اسرائيل – الى حقيقة انها كشفت عن الاف البقايا التي تنتمي لكافة فترات الاستيطان، وهي لا تتعلق باليهودية فقط.

حقوق الحفر

ويقول ميزارتشي الذي تعارض مؤسسته (ايمرك شافي) عملية "تسييس" الاثار، انه وفقا للاتفاقات الدولية لا تملك اسرائيل (بعيدا عن الظروف الاستثنائية) حق اجراء اي اعمال اثرية في الضفة الغربية. وترفض اسرائيل بشدة وجهة النظر هذه.

ويقول حنانيا حزمي، رئيس دائرة الاثار للادارة المدنية، "حق اسرائيل لاجراء اعمال اثرية في المنطقة يخضع للقانون الدولي والاتفاقات المؤقتة مع الفلسطينيين."

وثمة تعقيدات تواجه القضية نتيجة عدم وجود قانون واحد يتعامل مع الاثار في الضفة الغربية، بل مجموعة من الاتفاقات والقوانين الموروثة والمعاهدات.

وتعد اتفاقية لاهاي 1954 المعاهدة الدولية الرئيسية التي تحكم الاثار في الاراضي المحتلة، وهي اتفاقية معنية بالحفاظ على المواقع ذات الاهمية الثقافية، وكذا بروتوكول 1999 الذي يحظر الحفائر الاثرية بخلاف الدراسات الضرورية واعمال الصيانة، غير ان اسرائيل من بين عشرات الدول التي لم توقع على البروتوكول.

ونظرا لانتشار الكثير من المواقع في شتى ارجاء الضفة الغربية، كان من اللازم تناول الأمر عندما قسمت المنطقة بموجب اتفاقية أوسلو عام 1995، حيث اتفقت اسرائيل والفلسطينيون على تحمل مسؤولية الاثار الموجودة في منطقتهما وتشكيل لجنة مشتركة بشأن القضية، لكن لا يوجد حاليا تعاونا اثريا بين الطرفين.

"تسيس كامل"

وأدانت اسرائيل مساعي الفلسطينيين الناجحة لادراج كنيسة المهد في مدينة بيت لحم ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي في "فلسطين" للمرة الاولى ووصفت المساعي بأنها تسيس كامل.

وقبل عامين نظم فلسطينيون اعمال شغب عندما اضافت اسرائيل الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل وقبر راشيل، او ما يعرف لدى المسلمين بمسجد بلال بن رباح، على قائمة التراث الوطني. وكلا الموقعين يحظى باحترام الاديان الثلاثة.

وقال يتسحاق ريتر، خبير تسوية الصراعات في المواقع المقدسة، "من وجهة نظر الفلسطينيين، عندما تسهم الحكومة الاسرائيلية بالمال للموقعين في الضفة الغربية، فهم يرونها بمثابة مساع اسرائيلية للسيطرة عليها."

واضاف "اذا استثمرت اموال في تطوير وتجديد مكان ما، يبدو الامر معبرا عن نوايا للسيطرة عليها في المستقبل، وهي قضية دقيقة للغاية."

المزيد حول هذه القصة