بعد الانسحاب الأمريكي.. إنتخابات المحافظات تشكل تحديا للعراق

Image caption بدء الإقتراع في انتخابات مجالس المحافظات

بعد عشرة أعوام من سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين توجه الناخبون العراقيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجالس المحافظات.

ويرصد جيم موير مراسل بي بي سي مشاهد الانقسام التي تشهدها الرقعة السياسية في البلاد وأهمية التصويت بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011.

ويجري تسليط الضوء على هذه الانتخابات التي تعتبر الاختبار الأول لقدرة الدولة على إجراء عملية اقتراع واسعة منذ الانتخابات العامة التي أجريت عام 2010 دون وجود القوات الأمريكية التي استكملت عملية انسحابها بنهاية 2011.

كما أن هذه الانتخابات تمثل اختبارا هاما لقوة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الانتخابية إضافة إلى إياد علاوي الرجل الذي كانت قائمته العراقية متقدمة في الانتخابات العامة الأخيرة إلا أنه فشل في المناورة في عملية تشكيل الحكومة.

أما على الجبهة الأمنية فليست هناك شكوك كثيرة فيما يتعلق بسير العملية الانتخابية قدما وذلك بالرغم من تصاعد وتيرة هجمات المتمردين التي حدثت خلال التحضير لتلك الانتخابات بصورة أكبر مما كانت عليه في انتخابات مجالس المحافظات عام 2009.

ففي ذلك الوقت، لم يلق سوى ثمانية من المرشحين في الانتخابات حتفهم أما الآن فقد وصل عدد من لقوا حتفهم من المرشحين إلى 14 مرشحا خلال اليومين السابقين لبدء التصويت فيما كانت هناك محاولات كثيرة فشلت في تصفية عدد آخر من المرشحين.

ورغم الآمال التى كانت مسيطرة على المشهد في انتخابات 2009 إلا أن الحالة الأمنية لم تشهد حتى الآن الاستقرار الذي كان مرجوا وظهرت علامات جديدة مؤخرا تشير إلى إمكانية تردي الأوضاع في المستقبل.

وتشير أغلب التقديرات إلى أن الشهور الأولى من العام الحالي شهدت ارتفاعا في معدلات الإصابة لتصل إلى مراحل قد تكون مماثلة تقريبا لعام 2009.

وتلقي الحكومة العراقية باللائمة في دائرة العنف تلك على الطائفة العراقية السنية وتقول إن المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة في العراق يصعّدون من هجماتهم التفجيرية الاستفزازية داخل المناطق التي تضم غالبية شيعية.

ومن الواضح أن الإجراءات الأمنية ستكون مشددة كما حدث في الانتخابات الماضية التي لم يشهد يوم الانتخابات أية اضطرابات على الرغم من وتيرة العنف التي شهدتها مرحلة التحضير لها.

ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت الفصائل والمرشحون الذين نجحوا بصعوبة في الوصول إلى صناديق الاقتراع سيقبلون بالنتيجة ويعتبرونها حرة ونزيهة كما حدث عندما كانت القوات الأمريكية وقوات التحالف موجودة في انتخابات المجالس السابقة.

تصدع سياسي

وينبغي لنا ألا نشعر بالمفاجأة من بعض ما قد يتردد عن وجود مخالفات في تلك الانتخابات إذا ما علمنا أن عددا كبيرا من المعارضين السياسيين لرئيس الوزراء نوري المالكي يوجهون إليه اتهامات على نطاق واسع بأنه ينزع إلى الدكتاتورية ويستميت في الاستحواذ على السلطة.

غير أن حالة التصدع السياسي التي تشهدها البلاد منذ انتخابات مجالس المحافظات السابقة عام 2009 تزيد من احتمالية فوز قوائم المالكي في هذه الانتخابات حيث أسهمت تلك الحالة في تحديد المشهد في الانتخابات العامة التي أجريت عام 2010.

وبرز وجود ذلك التصدع بعد الإعلان عن عدم إجراء الانتخابات يوم السبت في ست محافظات من أصل 18 محافظة في العراق.

حيث تجرى الانتخابات في المحافظات الثلاث التابعة لإقليم كردستان العراق الشمالي المستقل في أيام مختلفة وذلك ما يشير إلى مدى قدرة الأكراد على التحكم في أمورهم داخل الإقليم.

كما فشلت محاولات التوصل إلى حل للنزاعات التي تدور حول محافظة كركوك الغنية بالنفط لذا خرجت تلك المحافظة أيضا من المعادلة في الانتخابات.

ودار الجدل أيضا حول التأجيل المؤقت للانتخابات في محافظتي الأنبار ونينوى اللتين تعيش فيهما أغلبية سنية وذلك على أساس ما تشهده المحافظتان من استمرار للاضطرابات المناهضة للحكومة والمظاهرات التي من شأنها أن تجعل العملية الانتخابية غير آمنة.

ودفع ذلك التأجيل عددا كبيرا من مناوئي المالكي إلى اتهامه بالتلاعب لتحويل المسار الانتخابي لمصلحته.

وتسهم مهارات المالكي التي أظهرها للتغلب على قرينه علاوي في انتخابات 2010 لأن يكون موقفه جيدا وخاصة في ظل التصدع السياسي بين المخيمين السني والشيعي الذي يعتبر ميزة في مصلحة المالكي.

ففي وقت قريب بدا أن المالكي يلقى دعما سياسيا ضعيفا وذلك بعد مقاطعة 17 وزيرا في الحكومة لجلسات حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة المالكي.

Image caption يسعى المالكي للحصول على أغلبية كبيرة تمهيدا للانتخابات العامة العام المقبل

وقام المالكي الذي ينتمي الى المذهب الشيعي بإقصاء الغالبية السنية بل وبعض الطوائف الشيعية التي تبرز دعما لزعيم التيار الديني الشيعي وميليشيا جيش المهدي في العراق مقتدى الصدر الذي كان يحاول إلى جانب الأكراد وغيرهم إطاحة المالكي من منصبه في رئاسة الوزراء.

إلا أن عددا من المصادر السياسية يقولون إن إيران مصرة على بقاء المالكي في السلطة وأن يسمح له باستكمال فترته في المنصب وحتى الانتخابات العامة التي ستجرى العام المقبل.

فصائل متنافسة

أما أتباع الصدر فعادوا إلى السعي وراء المشاركة في الحكومة حيث سيدخلون في المنافسة مع ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي والذي يخوض هذه الانتخابات تحت شعار "عزم وبناء" وذلك في جنوب العراق ذي الأغلبية الشيعية إضافة إلى المناطق التي يعيش فيها السنة مع الشيعة كالعاصمة العراقية بغداد.

كما يسعى للتنافس في هذه الانتخابات أيضا بعض الطوائف الشيعية الأخرى بما فيها المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي يتزعمه عمار الحكيم.

إلا أن المالكي نجح في استقطاب الحركات التي انفصلت عن تلك الفصائل الشيعية التي تنافسه مثل مجموعة "عصائب أهل الحق" التي انقسمت عن الصدريين ومنظمة بدر التي خرجت من عباءة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

كما ركز المالكي أيضا على الانقسامات بين صفوف الطائفة السنية التي انقسمت بطريقة ألحقت الضرر بمنافسه الأكبر إياد علاوي.

وعلى الرغم من أن علاوي يعتبر شيعيا علمانيا فإن جبهته نجحت في حصد المجموعة السنية من الأصوات.

إلا أن تلك الصورة تغيرت حاليا حيث أن نائب الرئيس طارق الهاشمي وهو أكثر السياسيين السنة بروزا قد هرب خارج البلاد ويواجه عقوبة الإعدام جراء إتهامه بممارسة الإرهاب.

ويخوض بعض الرموز السنة البارزين كرئيس البرلمان أسامة النجيفي الانتخابات هذه المرة دون تحالفات أو ائتلافات.

فترة ثالثة

وإذا ما تصدر المالكي وفريقه المشهد في هذه الانتخابات بقوة فسيكون من الطبيعي توقعُ حدوثِ ذلك في الانتخابات العامة التي تجرى العام المقبل.

إلا أن ثمة مقاومة شديدة من قبل عدد كبير من معارضي المالكي السياسيين لتوليه منصب رئاسة الوزراء لفترة ثالثة حيث يتهمونه باحتكار السلطة بطريقة رسخت تشكيله للحكومة.

وبالإضافة إلى سيطرته على سلطات رئاسة الوزراء كان المالكي مسيطرا على وزارتي الداخلية والدفاع ما منحه احتكارا فعليا للأمن والقوة.

ويأمل المالكي في الحصول على الأغلبية في مجالس المحافظات على أساس أن الانقسامات جعلت من إحداث بعض التقدم في قضايا كالمرافق ومشاريع التوظيف أمرا مستحيلا.

أما العراقيون فلا يشعرون بالرضى عن هذه الأوضاع التي تموج بالانقسامات السياسية وحالة عدم اليقين وفقدان الأمن والفساد المستشري على نطاق واسع في البلاد.

كما تحولت دفة الصراع حول بقاء المالكي لفترة ثالثة في منصب رئاسة الوزراء نحو الإجراءات التي يتخذها البرلمان لتحديد مدة رئاسة الوزراء إلى فترتين فقط وهو ما يخطط المالكي لمواجهته من خلال القضاء.

المزيد حول هذه القصة