اليهود العرب في إسرائيل بين التهميش والاندماج

يهود عرب في إحدى المقاهي
Image caption يهود عرب في إحدى المقاهي

يتوقف عالم الاجتماع الإسرائيلي إيهودا شينهاف ملياً أمام لوحة معلقة على أحد جدران مكتبته المزدحمة بمئات الكتب: خطاب قديم بخط عربي متميز، وبجواره المغلف الذي احتواه، محفوظان داخل إطار زجاجي.

يقول البروفيسور شينهاف: "هذا واحد من الخطابات المتبادلة بين أبي وأمي عندما كان والدي يغيب طويلا عن البيت".

يمتلأ الخطاب بالتفاصيل والتحايا لأفراد العائلة وأحوالها المالية والمعيشية، لكن المغلف الذي احتواه يحمل خاتم الرقابة العسكرية الإسرائيلية.

كان والد شينهاف يعمل في المخابرات الإسرائيلية، وهو القطاع الذي وظفت فيه إسرائيل عند نشأتها عددا كبيرا من اليهود العرب، لتستفيد من لغتهم وأشكالهم في اختراق "محيط الأعداء". والمشكلة في رأي شينهاف هي التناقض الذي عاملت به إسرائيل اليهود القادمين من البلاد العربية "كانت تمحو ثقافتهم العربية باضطراد لمصلحة فكرة الاندماج، وفي الوقت نفسه تستخدم "عروبتهم مسوّغا للاعتراف بهم في أجهزة الدولة الأمنية".

سؤال الهوية كان الأكثر إلحاحا لأجيال من اليهود العرب. يقول شينهاف: "كانت المسألة الأهم في محيط البيت وخارجه، كطفل في العاشرة مثلا، أهلك قدموا أصلا من العراق، يتحدثون اللغة العربية، وأنت تخجل من اللغة العربية ومن الأصدقاء ومن المعلمين بالمدرسة لأن الثقافة المهيمنة كانت الثقافة الاشكنازية".

ربما تغيرت الصورة قليلا مع تحسن الوضع السياسي والاجتماعي لليهود العرب، وظهور ثقافتهم الأصلية في الموسيقى والطعام دون خجل، رغم ذلك فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أنهم يحلون ثالثا في قطاعات التعليم مثلا بعد الإشكيناز والمهاجرين الروس الذين وفدوا لإسرائيل في التسعينيات.

هجرات

تتباين الروايات التاريخية بشأن حياة اليهود العرب في إسرائيل بين التهميش والاندماج، لكن الثابت فيها أن غالبيتهم لم يرتبطوا بالفكرة الصهيونية قبل قيام إسرائيل.

كان اليهود اليمنيون أول القادمين إلى فلسطين التاريخية في القرن التاسع عشر كبديل للعمال العرب في مزارع اليهود الأوروبيين. ففي قرية يرحيف القريبة من كفر سابا عاشت أجيال من عائلة ديالي. ايلي هو كبير العائلة في الوقت الراهن. يتحدث في لهجة عربية فلسطينية عن علاقته الحميمة بجيرانه في القرى العربية داخل الخط الأخضر، لكن ابنة عمه كارفاني ، تشكو من "اللصوص العرب" الذين يهاجمون القرية وتقول إنها لن تحزن كثيرا لو رحلوا.

Image caption ايلي ديالي كبير عائلة يهودية يمنية

كانت يرحيف نفسها كانت وحتى احتلال اسرائيل للضفة الغربية في 1967، منطقة عسكرية في خط المواجهة مع الجيش الأردني، يتحدث إيلي عن الحياة فيها فيقول "كنا نعيش وسط القمل، المكان كان مليئا بالثعابين، والقادمون من اليمن كانوا لا يعرفون شيئا، عملنا وزرعنا وربينا الأبقار حتى تحسنت الأوضاع".

جاءت أسرة إيلي إلى إسرائيل في عام تسعة وأربعين. يستعيد إيلي شريط الذكريات مع والدته التي تقترب من المئة، عن رحلة العائلة من اليمن فترد بلهجتها الأصلية " اليمن كان مليح مليح، الإمام يحيى مليح، كنا نطحن ونعجن ونعيش" .

لن تجد رواية مؤكدة عن أسباب هجرة اليهود العرب من بلدانهم إلى إسرائيل، فهناك خطاب تصحيحي لمؤرخين يهود يرى أن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من تلك الهجرة بل وحرصت على نزوح اليهود العرب كاحتياطي سكاني، وهناك من يرى أنهم إجبروا على الهجرة إثر التضييق عليهم مع تصاعد الصراع العربي الفلسطيني.

لكن الثابت فعلا أن الفقراء من اليهود العرب جاءوا إلى إسرائيل بتمويل من الوكالة اليهودية، وكان عليهم أن يقطنوا مناطق الأطراف أو مناطق المواجهة مع الدول العربية أو في منازل فر منها سكانها العرب، فيما نزحت الطبقة الوسطى والأغنياء منهم إلى مهاجر أخرى في أوروبا وأميركا واستراليا وغرب أفريقيا.

يرأس السفير الإسرائيلي السابق، إيلي إفيدار، غرفة تصنيع الماس في تل أبيب، عمل في الموساد وسفيرا لدى قطر والاتحاد الأوروبي، هاجرت أسرته التي كانت تحمل الجنسية اليونانية من مصر عام 1967 في أعقاب حرب يونيو/ حزيران. سألته صراحة كيف بقيت أسرته في مصر حتى ذلك التاريخ رغم ما يتردد عن اضطهاد عبد الناصر لليهود؟

يرد في عامية مصرية لم تتغير "كان أبي مديرا في شيكوريل، كنا مبسوطين في مصر .. مكنش في أي مشكلة في مصر ، بس بعد حرب سبعة وستين كان فيه مظاهرات تطالب بذبح اليهود "، لكن هل رغبت مصر في تهجير يهودها؟ يرد أفيدار " لم يقل أحد أنها استهدفت اليهود، لن تجد كتاب تاريخ واحد يقول ذلك، لكن حصلت كراهية لليهود بعد حرب ثمانية وأربعين، وتجددت مع حرب سبعة وستين، كنا العائلة الوحيدة التي جاءت لإسرائيل لأن أقاربنا كانوا هنا، لكن معظم اليهود المصريين الذين جاءوا إلى إسرائيل هاجروا بعد ثمانية وأربعين، وهؤلاء كانوا أما فقراء أو صهاينة".

تصطدم رواية السفير أفيدار برواية أخرى لرئيسة النادي المصري في تل أبيب ليفانا زامير، التي حكت لي مطولا عن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في مصر حتى أجبروا على الرحيل. " كان عمري عشر سنوات في 14 مايو ثمانية وأربعين عندما أعلن ديفيد بن غوريون قيام إسرائيل، وفي منتصف الليل هجم عشرة ضباط مصريين على فيلتنا في حلوان واعتقلوا عمي حبيب نيدال، لم يكن عمي صهيونيا ، كان يملك مطبعة لكن الملك فاروق اعتقل 600 يهودي عندما اندلعت الحرب ليبادلهم فيما بعد بأي أسرى".

تحكي ليفانا كيف أغلقت مطبعتهم "بالشمع الأحمر" وصدرت قوانين بمصادرة املاك الصهاينة، وعندما خرج عمها من السجن بعد عام ونصف كان الشرط الوحيد ، مغادرة مصر بلا رجعة.

تركت عائلة ليفانا مصر إلى فرنسا التي فضل والدها البقاء فيها ، لكن أمها أصرت على الذهاب إلى اسرائيل لما تعرض له ابناؤها من إهانات عنصرية. استقرت العائلة في خيمة بطبرية "كانت أمي تبكي كل ليلة، لأننا لم نتعود هذا النوع من المعاناة، وكنت أخجل من التحدث بالعربية وأقول إنني فرنسية، كانت إسرائيل بلد الاشكيناز فهم من أسسوها فعلا".

اندثار الماضي

Image caption بيهار : سؤال الهوية يؤرقني

على المقهى العراقي في سوق محانيه يهودا، التقيت الشاعر الإسرائيلي ألموج بيهار، يلقي اللاعبون بالنرد على الطاولة ويتحدون بعضهم بعربية عراقية، لا يخجلون منها، يتناولون الأطعمة العراقية ومشروب العرق، لكن بيهار يحدثني عن اندثار تراث اليهود العرب، وهو أخطر ما في القضية برأيه.

استيقظ الموج بيهار على سؤال الهوية إثر تجربة شخصية، فقد نسيت جدته التي جاءت من العراق اللغة العبرية في آخر حياتها وصارت تتحدث بالعربية فقط، كان يحب جدته ويحب التواصل معها، يقول لي: بالطبع كانت هناك محاولة على مدى العقود الماضية لمحو الثقافة العربية بشكل كامل لدى يهود العالم العربي، لكن هذه المحاولة لم تنجح بالكامل، كان جدي وجدتي يتحدثان بالعربية لكن أمي كانت تنهرهما، كانت المدارس ترسل المدرسين الى البيوت وتطالب اليهود العرب بالتوقف عن التحدث بالعربية.

ويرى الموج أن ما تعرض للاندثار ليس التجمعات اليهودية العربية فقط ، ولكن التراث العربي لليهودية، ذلك التراث الذي احتوته كتب الصلاة والأشعار في المعابد على مدى قرون طويلة لكنه ليس موجودا الآن، لأن "الخطاب الصهيوني القائل بأن اليهود لا يمكن أن يكونوا عربا والعرب لا يمكن أن يكونوا يهودا، لقي قبولا لدى الجانبين الإسرائيلي والعربي ، باستثناء دولة كالمغرب".

حلم العودة

في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، رعت الخارجية الإسرائيلية مؤتمرا دوليا في الأمم المتحدة بعنوان العدالة للاجئين اليهود من الدول العربية، حمل المؤتمر في بياته الختامي الجامعة العربية مسؤولية خروج اليهود من الدول العربية، وطالب بتعويضات لهم لا تقل عما يطالب به اللاجئون الفلسطينيون. بعد ذلك بشهور ثار جدل في مصر إثر دعوة أطلقها القيادي الإخواني عصام العريان تطالب اليهود العرب بالعودة لبلدانهم واستعادة ممتلكاتهم.

على شاطئ البحر في مدينة بات يام التي قطنتها جالية مصرية كبيرة ذات يوم، التقيت المصريين مجددا، معظمهم قدموا من الاسكندرية، سألتهم ، لماذا لا تعودون؟ قالوا بلدنا إسرائيل ولا نعرف بلدا آخر.

سألت إيلي افيدار، قال: " لا يزال لدى يهود مصر تفكير إيجابي عن مصر، لكن المشكلة أنهم عندما يستمعون في الاذاعات ويشاهدون في التليفزيونات ما يقال عن اليهود وحتى عن يهود مصر ، الواحد بيكون عايز ينسى انو اتولد في مصر".

أما ليفانا زامير ، التي شاركت في المؤتمر فلها رأي آخر، فهي ترى ان مصر ليست مستعدة الآن لأفكار من هذا النوع، "مصر اللي اتولدنا فيها وبنيناها، وعشنا فيها عز ، يهود مصر بنوا أول بنوك وأعمال ، بنك موصيري وبنك قطاوي.. مصر دي اختفت، مش موجودة".

موقف النخبة الذي يعبر عنه البروفيسور شينهاف يتسم بالحنين لكنه يؤكد أن الواقعية السياسية لن تسمح بهذا الحلم، فالتطرف يأتي من القومية اليهودية المتطرفة ومن حس القومية بالدول العربية كذلك.

قد تبدو الصورة معقدة، وتعقيدها هو امتداد للمشهد السياسي في المنطقة ، وهو المشهد الذي يؤسس لإسرائيل كدولة شرق أوسطية ولليهود العرب او المزراحيم كأكبر مجموعة سكانية فيها.

اليهود العرب في إسرائيل ، يمكنكم الاستماع اليه كاملا عبر إذاعة وتليفزيون بي بي سي اعتبارا من السبت 27 أبريل/نيسان.

او اضغط هنا للاستماع الى البرنامج.