جدل حول استخدام غاز السارين في سوريا

Image caption تذكر مجريات الصراع في سوريا بحروب البوسنة والعراق

أثارت تصريحات محققة الأمم المتحدة كارلا ديل بونتي ردود فعل قوية عندما قالت إن لديها "شواهد مادية قوية، إلا أنها غير مؤكدة" على احتمال استخدام مقاتلي المعارضة السورية لغاز السارين.

وتأتي تلك التصريحات لتذكرنا بالصراعات القديمة التي عمد فيها من أرادوا الانتماء إلى أحد طرفي الصراع إلى وصف مناصري الطرفين بأنهم في معركة بين الخير والشر.

موقف معقد

فيما أصر المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني على أن ديل بونتي مخطئة، وأن نظام الأسد قد يكون هو المتورط في استخدام تلك الأسلحة، وذلك على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تتأكد من ذلك بعد.

ومن المؤكد أن موقف الولايات المتحدة يبدو معقدا، فهي تطلب من كارني وغيرها أن يستبعدوا فكرة تورط مقاتلي المعارضة في استخدام ذلك النوع من الأسلحة، بينما لم تصل بعد إلى تأكيد تورط الحكومة في ذلك، وتخشى أن يؤدي ذلك إلى نهاية تستدعي اتخاذ إجراءات أقل مما كان الرئيس باراك أوباما يخطط له.

Image caption صراحة ديل بونتي بشأن نتائج التحقيق أخلطت أوراق جميع أطراف النزاع

ويرى بعض الصحفيين أن المحققة المخضرمة قد تأثرت بشكل سلبي من قبل زملائها في لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي أرسلت إلى سوريا.

إلا أنه وبقدر ما يعنيه موقفهم الرسمي المشترك، فإن ذلك لا يعتبر صحيحا. حيث أشاروا إلى أن اللجنة "لم تتوصل بعد إلى نتائج نهائية فيما يتعلق باستخدام أي من طرفي الصراع في سوريا للأسلحة الكيميائية."

وكانت أخطاء الولايات المتحدة في العراق هي ما جعلت البيت الأبيض لا يتسرع في إصدار الأحكام. كما أن اللجنة الأممية التي لا تزال تحاول إقناع الحكومة السورية بالسماح لها بالدخول داخل الأراضي السورية، ربما لا تزال لديها أجندتها الخاصة أيضا.

ذكريات حروب

وقد أكد أحد خبراء الأسلحة الكيميائية الذين تناقشت معهم حول التقارير الحديثة حول احتمال استخدام النظام السوري لغاز السارين، على صعوبة التأكد من هوية من قام بإطلاق تلك الأسلحة. وهو ما يذكرنا بحرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي حين اتهمت القوات البوسنية المحاصرة في سراييفو بإبادة مواطنيها سعيا منها لدفع التدخل الخارجي.

ولم تكن النظرية التي تقول بأنهم وجهوا تلك الأسلحة لضرب أهداف تابعة لهم مقنعة بالنسبة لي. إلا أنه وأثناء تغطيتي لذلك الصراع في البوسنة، مررت ببعض الملابسات التي بدا منها أن الأمم المتحدة والحكومات الأجنبية والصحفيين أيضا كانوا يعملون على حجب المعلومات التي من شأنها أن تضعف من رواية "الصرب الأشرار" و"البوسنيين الطيبين".

Image caption يستبعد الخبراء أن يخاطر النظام السوري باستعمال أسلحة كميائية قد تبرر تدخلا أمريكيا

فعلى سبيل المثال، قام الجيش البوسني بقصف قوات تابعة للأمم المتحدة كانت متمركزة في مطار سراييفو، ما تسبب في سقوط العديد من القتلى، إلا أنهم فضلوا تجاهل ذلك.

وفي إحدى المرات، اضطررت للجوء إلى ساتر من النيران، بعد أن قام أحد الجنود البوسنيين بالتمركز قريبا من وحدة أممية وفتح النيران على القوات الصربية، ما جعلهم يظنون أن قوات حفظ السلام الأممية هي التي تطلق النيران.

وعندما بدأ مسلمو البوسنة والكرواتيون، الذين كانوا متحدين ضد ما كانوا يعتبرونه العدو الصربي، بقتال بعضهم البعض في وسط البوسنة في خريف عام 1992، تمكن أحد زملائي من إصدار تقرير مليء بالإثارة، إلا أنه لم يذكر هوية مطلقي النيران.

وفي الهجوم الأخير الذي شهدته المناطق القريبة من مدينة حلب شمالي سوريا، والذي يعتقد أن عددا كبيرا من الناس تعرض فيه لغاز السارين، لا تزال هناك أسئلة لا تجد إجابات لها.

Image caption الهجوم على مناطق في حلب بغاز السارين كما يعتقد مازال يطرح أسئلة كثيرة

ويرى بعض الخبراء أنه من المستغرب أن تخاطر الحكومة السورية بإيجاد ذريعة للتدخل الأمريكي، وذلك بالاستخدام التدريجي لتلك الأسلحة.

ضبابية

كما أن بعض التقارير تتضمن أمورا غريبة بما فيها عدم الوضوح حول ما إذا كانت تلك المواد الكيميائية قد جرى إطلاقها من الطائرات أو عن طريق القذائف أو من خلال أي طريقة أخرى.

ويرى البعض أيضا أن تلك الغازات قد أطلقت من حاويات بلاستيكية كانت متروكة على الأرض، وهي طريقة يمكن من خلالها أن يلقى باللائمة على الجماعات المسلحة التابعة للمعارضة.

وتقول ديل بونتي إن وجهة نظرها حول إمكانية استخدام المعارضة لغاز السارين تعتمد على تقارير شهود العيان، مضيفة أنها لم تعثر على أي دليل يدين قوات الأسد باستخدام مثل تلك السموم. فما الذي يجعل نقادها متأكدين من أنها على خطأ؟

يرى البعض أن وجهة نظر الولايات المتحدة حول القضية، والتي تجد صدًى لها في بريطانيا وفرنسا، تستند إلى نطاق واسع من المصادر الاستخباراتية التي تضم منشقين عن الجيش السوري وبعض الاتصالات المخترقة.

ونحن نعلم أيضا أن البنتاغون والاستخبارات المركزية الأمريكية والبيت الأبيض كانوا في السابق على خلاف حول ما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تتدخل عسكريا نيابة عن المعارضة السورية أم لا.

وبدا أن التحفظ بشأن الأسلحة الكيميائية يمثل نقطة اتفاق، لذا فقد كان خطأ ديل بونتي أنها كانت صريحة لدرجة قد تمثل تهديدا على ذلك الإجماع.

المزيد حول هذه القصة