آفاق جديدة في منطقة البحر المتوسط بعد اكتشافات الغاز

الغاز في البحر الأبيض
Image caption كميات ضخمة من احتياطيات الغاز قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة.

كان من المعتقد على مدى عقود أن أغلب الدول الواقعة في شرق البحر المتوسط محرومة أو لا نصيب لها من موارد الطاقة الوفيرة في الشرق الأوسط.

ويروج الإسرائيليون مزحة تتعجب من كيفية عبور النبي موسى بقومه عبر صحراء لمدة أربعين عاما، حتى وصل إلى مكان في المنطقة بدون بترول.

لكن السنوات الماضية شهدت اكتشاف حقل غاز بحري وربما احتياطيات تتيح امكانات اقتصادية جديدة، ربما تعيد في المستقبل رسم خارطة العلاقات الاستراتيجية في المنطقة.

ويقدر تقرير لهيئة المسح الجيولوجية الامريكية عام 2010 وجود (122 تريليون قدم مكعب) أو 3455 مليار متر مكعب من الغاز و كذا 1.7 مليار برميل من النفط قبالة سواحل اسرائيل وقطاع غزة وقبرص وسوريا ولبنان.

ففي لبنان يظهر واضحا قدر المنافع المحتملة التي ستعود على البلاد من وجود امدادات غاز محلية.

فمعظم احياء بيروت الراقية تواجه حاليا مشكلة انقطاع الكهرباء يوميا، كما أصبحت أنشطة محطات الطاقة تدار اعتمادا على وقود مستورد باهظ التكلفة، هو السولار.

وقال أحد المستهلكين ويدعى باسل عوض لبي بي سي "تعرفون أن لبنان يعاني من انقطاع الكهرباء، ونحن نشكو من عدم توافر الكهرباء المناسبة في منازلنا. فالكهرباء تنقطع ثلاث ساعات يوميا في بيروت بل يزداد الوضع سوءا في مناطق اخرى."

وأضاف مواطن اخر "ليس لدينا ما يكفي من الطاقة لتلبية كافة طلبات البلاد لذا فهم يقسمونها وفقا للمتاح، فقد يتاح لك على سبيل المثال 12 ساعة او 8 ساعات، وبعدها تنقطع الكهرباء لثماني ساعات."

وقال "نستخدم مولدات الكهرباء واجهزة امداد الكهرباء الطارئة، لكن هذه البدائل تحملنا اربعة اضعاف التكاليف مقارنة بما نتكبده من تكلفة ندفعها الى الحكومة مقابل الحصول على الطاقة."

تغيرات اقتصادية

في ديسمبر/كانون الأول أشار مسح زلزالي في المياه اللبنانية الى وجود مستودعات هائلة من الغاز الطبيعي تحت قاع البحر (حوالي 25 تريليون قدم مكعب).

وعلى الرغم من عدم وجود ما يضمن ذلك، يعتقد وزير الطاقة اللبناني جبران باسيل في الامال على عوائد الهيدروكربون لتبديل الوضع الاقتصادي الضعيف الذي تعاني منه البلاد، والذي يمثل اعلى معدلات الدين العام في العالم للناتج المحلي الاجمالي.

وقال باسيل لبي بي سي "سيؤدي ذلك الى خفض هائل لفاتورة النفط لدينا فضلا عن تكلفة انتاج الطاقة في لبنان سواء كانت متعلقة بالنقل ام بالصناعة."

لقد حدد لبنان اسماء الشركات الدولية التي تستطيع طرح عطاءاتها للحصول على تراخيص الغاز والنفط.

وتضم قائمة هذه الشركات العملاقة (اكسون موبيل)، و(شيل)، و(شفرون)، و(توتال)، ومن المتوقع ان تبدأ أعمال الحفر في 2015 او 2016.

حتى قبرص، التي تواجه عقبات جراء ما تعانيه من مشكلات مالية في الاونة الاخيرة، وقعت اتفاقات مع شركات خارجية لبدء الحفر في منطقتها الاقتصادية.

وفي الشهر الماضي بدأت اسرائيل ضخ الغاز من حقل تامار الجديد لديها والمكتشف عام 2009.

ويحتوي الحقل على نحو 10 تريليونات قدم مكعب من الغاز وبامكانية تلبي الاحتياجات المحلية من الطاقة على مدى عقود مقبلة.

كما تعتزم اسرائيل تطوير احتياطيات حقل ليفياثان الهائل المتوقع انه يحتوي على 18 تريليون قدم مكعب وربما بعض احتياطيات النفط.

تغيير العلاقات الاقليمية

يقول يوسي أبو، المدير التنفيذي لشركة (ديليك دريلنغ Delek Drilling) الاسرائيلية الرائدة للغاز الطبيعي "حقل ليفياثان يعد مخزونا يجعل اسرائيل دولة تعتمد على ذاتها كليا من منظور الطاقة كما انه في الواقع قد يضع اسرائيل في مصاف الدول المصدرة للغاز الطبيعي بدلا من الدول المستوردة."

وتمتلك شركتا (ديليك دريلنغ)، و(افنير اويل اكسبلوريشن)، التي تمتلكها ايضا مجموعة ديليك، 31 في المئة من حقل تامار و45 في المئة من حقل ليفياثان.

ويقول أبو الذي يعتقد في وجود فرص سياسية جغرافية هائلة تكمن في الاكتشاف فضلا عن الفرص التجارية "بامكان اسرائيل ان تستخدم اكتشافات الغاز الطبيعي الجديدة كجسر لتحسين العلاقات مع دول الجوار."

واضاف "اجرينا مناقشات مع السلطات الفلسطينية بشأن امدادات الغاز من الحقول الاسرائيلية المكتشفة لاحدى محطات الطاقة في فلسطين. كما ندرس الفرص الممكنة لامداد الغاز الى الاردن."

وفي المستقبل ربما تصل الصادرات الى تركيا، بعد استئناف الروابط الدبلوماسية مع اسرائيل الشهر الماضي، ومصر.

وتستورد اسرائيل والاردن حاليا الغاز المصري عن طريق خط انابيب في سيناء سبق وتعرض لهجمات خلال العامين الماضيين مما ادى الى تعطل الامدادات فضلا عن وقوع سيناء في هوة الفوضى التي ادت الى تنامي الطلب المصري على الطاقة.

التغلب على العقبات

على الرغم من أن اكتشافات الغاز الجديدة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط تضمن لاصحابها امن الطاقة، فمازال هناك الكثير من التعقيدات.

ومازالت اسرائيل ولبنان من الناحية الفنية في حالة حرب، كما ان هناك نزاعا بشأن الحدود البحرية غير المرسومة بينهما.

وقالت كارول نخل، خبيرة اقتصاد الطاقة لدى مركز سوري لاقتصاديات الطاقة في بريطانيا "اعتاد المستثمرون في قطاع النفط والغاز تحمل المخاطر، كما تعتنق الشركات منظورا طويل الاجل."

واضافت "لكن اذا نظرنا فقط الى الحدود البحرية فسوف يكون ذلك غير محفز للمستثمرين في لبنان. لقد سمعنا ان المنطقة الجنوبية للبلاد ربما تتمتع بامكانيات أفضل من حيث الغاز، لكن معظم الشركات ربما تكون حذرة من حيث طرح عطاءات في منطقة محل نزاع."

ويعني الغموض السياسي في لبنان العجز ايضا عن اتخاذ قرارات رئيسة مثل تخطيط الحدود البحرية وهو ما يجب ان توافق عليه حكومة جديدة.

فالحكومة الراهنة هي حكومة مؤقتة تولت في اعقاب استقالة رئيس الوزراء في الشهر الماضي.

كما أدت الحرب الاهلية الدائرة في سوريا الى وقف استغلال الطاقة البحرية الخاصة للبنان، فضلا عن تعطيل تنمية الموارد اللبنانية مع انتشار العنف على الحدود وزيادة الانقسام السياسي.

وتلعب السياسة المحلية ايضا دورا في اسرائيل، اذ يتشكك ثاني اكبر حزب في ائتلاف الحكومة في مستوى الاستثمار الخاص من حيث استغلال مورد طبيعي والمستوى المزمع للصادرات.

سوريا وغزة

تؤثر الحرب الاهلية الدائرة في سوريا حاليا على استفادة البلاد من الغاز البحري القابع في مياهها على نحو يجعل من المستحيل اجراء عمليات تنقيب عن الطاقة.

فحتى عهد قريب كانت البلاد، التي تعتبر منتجا صغيرا للنفط، عاجزة عن تصدير النفط من حقولها الموجودة في الشمال والشرق بسبب الحظر المفروض عليها من الدول الغربية.

لكن الاتحاد الاوربي رفع عقوباته الشهر الماضي في سبيل توفير دعم اقتصادي للمعارضة التي تقاتل قوات الرئيس السوري بشار الاسد.

وعلى امتداد الحوض الشرقي للبحر المتوسط الى الجنوب يوجد حقل غزة البحري الذي يقع على بعد 30 كيلومترا قبالة سواحل الاراضي الفلسطينية.

ففي عام 1999 منحت السلطة الفلسطينية ترخيص تنقيب لشركة (بريتيش جاز).

لكن الصراع الدائر بين اسرائيل والفلسطينيين حال دون تنمية الحقل، كما اصبح الوضع اكثر تعقيدا عندما تولت حركة حماس السلطة في عام 2007 واطاحت بمنافستها حركة فتح من القطاع، ومن ثم شددت اسرائيل من حصارها الحدودي والبحري لغزة.

واستؤنفت في العام الماضي المحادثات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل في مسعى لتحديد الخلافات بينهما بشأن الغاز.

المزيد حول هذه القصة