قصة "جهاد" بلال التونسي في سوريا

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

في كل مرة تنظر عزيزة إلى صورة ابنها الوحيد بلال البالغ من العمر ٢٢ عاما، تجهش بالبكاء.

لم تسمع منه منذ نحو عام بعد أن ذهب الشاب التونسي للقتال في صراع لا تؤيده ولا تفهمه، الصراع في سوريا.

قابلت الأم المكلومة في شقتها المتواضعة في إحدى العشوائيات على أطراف العاصمة التونسية.

لا تستطيع أن تتمالك نفسها لمجرد ذكر اسمه.

تقول عزيزة والدموع تملأ عينيها: "كان بلال ابنا بارا بي وبأخته، واضطر إلى العمل في متجر لبيع الملابس بعد أن توفي والده منذ عامين، ليصبح هو عائل الأسرة ومورد الرزق الوحيد".

لا تستطيع عزيزة، البالغة من العمر ٥٧ عاما، أن تنسى اللحظة التي غاب فيها بلال، وذهب إلى المجهول في سوريا لكي يقاتل في صفوف جماعات المعارضة المسلحة ضد القوات الحكومية.

Image caption يشكل الشباب التونسيون نسبة كبيرة بين المقاتلين في سوريا.

"في ذات يوم، أخبرنا أنه سيذهب إلى تركيا لشراء ملابس في مهمة تجارية، ظل يحدثنا عبر الهاتف لمدة أسبوع، ثم انقطعت أخباره عنا لأشهر عدة، وذهبنا إلى كل مكان يمكن أن تتخيله لكي نعرف مكانه: أقسام الشرطة، وزارة الخارجية، وحتى الصليب الأحمر. عرفنا الشهر الماضي فقط أنه ألقي القبض عليه في سوريا".

أطلعتني عزيزة على نسخة من قائمة أصدرتها الحكومة السورية الشهر الماضي (أبريل/نيسان) تضم أسماء ستة وعشرين تونسيا ألقت قوات حكومية القبض عليهم خلال المعارك الدائرة في مدينة حلب.

توضح القائمة، التي اشتملت على اسم بلال، تفاصيل القبض على المشتبه بهم، وأسماءهم بالكامل، وأسماء أمهاتهم، ومحل إقامتهم في تونس.

"ليس إرهابيا"

هنا في تونس المئات من الأمهات مثل عزيزة اللائي ذهب أبناؤهن للجهاد بالنفس في سوريا.

انتشرت ظاهرة الجهاد بالنفس في سوريا في عدد من الدول العربية مع غياب أي حل في الأفق للصراع بين المعارضة المسلحة وجيش النظام السوري.

ولا توجد بيانات موثوق بها بشأن عدد المقاتلين الأجانب في صفوف المعارضة أو الجماعات الإسلامية في سوريا، إلا أن مصادر مطلعة في المعارضة المسلحة تقول إن التونسيين يشكلون نسبة كبيرة بين المجاهدين.

تقول الحكومة التونسية إن نحو ٨٠٠ شاب تونسي ذهبوا إلى سوريا عبر تركيا أو لبنان، للجهاد.

إلا أن مصادر حكومية قالت لنا إن العدد يفوق ذلك بكثير.

"هم تقريبا ٢٠٠٠ شاب، رجع منهم ١٥٠، واستجوبت الأجهزة الأمنية أغلبهم"، كما يقول المصدر الحكومي، شريطة عدم الكشف عن هويته.

بلال والمعتقلين الآخرين، في نظر عزيزة، شباب غرر بهم وأرسلوا للقتال في سوريا، وليسوا إهاربيين كما تصفهم الحكومة السورية وببعض وسائل الإعلام التونسية.

"ابني ليس إرهابيا، هذه الكلمة تقطّعني، حسبي الله ونعم الوكيل في من كان السبب، والله كان يقعد هنا ويجاهد، أو حتى يعطي نصف دخلنا لمساعدة السوريين، بدلا من الذهاب للانتحار هناك".

"مهمة إنسانية"

تثير ظاهرة "الجهاديين التونسيين" في سوريا مخاوف الكثيريين في الشارع التونسي.

يقول كثير من التونسيين من مختلف الأعمار ممن تحدثت إليهم إن الخطاب الديني في مساجد تابعة للتيار السلفي من أهم العوامل لتجنيد الشباب للقتال في سوريا.

قبل الثورة التونسية منذ أكثر من عامين، كانت مراقبة الدولة للمساجد حقيقة مسلما بها، وبعد الثورة، فقدت الدولة قبضتها على عدد كبير من المساجد لصالح جماعات سلفية.

يدافع شيوخ سلفيون عن الجهاد بالنفس، ويتعبرونه عملا إنسانيا للتصدي لما يصفونه بالتطهير العرقي لأبناء الطائفة السنية في سوريا وللتصدي لبشار الأسد الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية.

ذهبت إلى مدينة مساكن، التي تبعد ٢٠٠ كم جنوب العاصمة التونسية، لمقابلة أحد أبرز الشيوخ السلفيين في تونس بعد الثورة.

الشيخ بشير بن حسن، يتبنى آراء متفتحة ومعتدلة بشأن قضايا مثيرة للجدل كتطبيق الشريعة، على سبيل المثال، ويدين وبشدة الجماعات الإسلامية المتشددة التي تدعو إلى العنف.

لكن الشيخ بشير يصف نشاط الجهاديين السوريين والأجانب بأنه "عمل إنساني لنصرة المستضعفين".

يقول الشيخ بشير، إمام وخطيب مسجد "الجامع": "أقول لكل من يصفهم بالإرهابيين، ضع نفسك في مكان كل مواطن سوري، فإما أن تمكث في بيتك منتظرا الموت القادم لا محالة، وإما تنضم لصفوف قوات بشار المجرم، وإما أن تهب للقتال في صفوف المعارضة لإنقاذ النساء والأطفال والمدنيين العزل".

يتهم الشيخ بشير، وهو الآن في السادسة والأربعين، الغرب بازدواجية المعايير.

"عندما كاد القذافي في ليبيا أن يفتك بشعبه، هبت قوات ناتو (حلف شمال الأطلسي) وأمريكا والغرب للدفاع عن الليبيين لأن ليبيا ببساطة بلد غني بالنفط، ولكن لا يوجد نفط في سوريا".

"سأضرب لك مثالا آخر، لو أن حاكم بريطانيا جن جنونه وبدأ يقصف شعبه بالصورايخ، لهب الأيرلنديون والفرنسيون والأوربيون للدفاع عن البريطانيين، وقتها لن يصف أحد في الغرب هذا التصرف بالإرهاب، بل سيقولون إنه عمل إنساني".

الحوار

تتهم المعارضة العلمانية في تونس الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية بغض الطرف عن انتشار التشدد الديني، وعن بعض الجماعات السلفية التي توعدت قيادات في المعارضة في الأشهر الأخيرة.

وخرجت مسيرات حاشدة في فبراير/شباط الماضي للتنديد بمقتل المعارض البارز شكري بلعيد، متهمين جماعات متشددة بالوقوف وراء مقتله.

كما ندد أنصار المعارضة بظاهرة الجهاد في سوريا، وما يصحبها من أخبار غير مؤكدة من ذهاب تونسيات إلى سوريا للمشاركة في ما بات يعرف إعلاميا "بجهاد المناكحة".

يقول حبيب اللوز، النائب البرلماني عن حركة النهضة، إن الحوار هو الحل الأمثل لمواجهة الأفكار والأيدولوجيات التكفيرية المتشددة.

"نحن في تونس الثورة، لا نستطيع أن نمنع أحدا من مغادرة البلاد، والحل الأمني قد أثبت فشله أيام (زين العابدين) بن علي، لذا فإن الحوار هو الحل الوحيد مع هؤلاء الشباب، وذلك عن طريق دعوة شيوخ أجلاء معتدلين لثنيهم عن هذه الأفكار".

ويقول القيادي في حركة النهضة، إن الحكومة التونسية لن تدخر جهدا لإرجاع التونسيين المعتقلين في سوريا.

إلا أن عملية استرداد "الجهاديين التونسيين" المشتبه بهم، عملية صعبة إن لم تكن مستحيلة في الوقت الراهن، فلا يوجد تمثيل دبلوماسي بين البلدين بعد أن قطعت الحكومة التونسية العلاقات الدبلوماسية مع نظيرتها السورية احتجاجا على قمع حركة الاحتجاجات المناوئة للرئيس بشار الأسد.

بالنسبة لعزيزة، فلم تذق طعم الراحة منذ أن غاب ابنها عنها.

ما أصعب أن تنتظر شخصا مقربا إليك ولا تستطيع استعادته، لم تفقد الأمل في عودة ابنها، على الرغم من أن التهمة الموجهة لبلال تزيد الأمر تعقيدا: الانتماء لتنظيم القاعدة، وهي تهمة تحمل عقوبة الإعدام في سوريا.

المزيد حول هذه القصة