أصداء الثورة المصرية خارج القاهرة

Image caption أهل الصعيد يشتكون التهميش

حينما انفجرت ثورة 25 يناير في مصر عام 2011، أصبحت القاهرة مركز اهتمام العالم، حيث تجمع الملايين من المصريين في ميدان التحرير للمطالبة بالعيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية.

لكن ملايين آخرين كانوا يراقبون الموقف من بعيد، حيث يعيش 60 في المئة من سكان مصر خارج المراكز الحضرية الكبرى بالقاهرة، والاسكندرية، وبورسعيد.

قال لي ياسر جبر، أحد شباب الصحفيين المصريين، خلال رحلتي إلى الجنوب: "أنت ذاهبة من مصر إلى مصر أخرى مختلفة."

وأضاف: "ستدخلين إلى عالم مختلف من الناحية الجغرافية، والثقافية، والسياسية، حيث ستجدين أن أولويات الناس مختلفة بعض الشيء."

سافرنا بالقطار ليلا، وقطعنا مسافة تقدر بنحو 600 كم باتجاه الجنوب، إلى مدينة نجع حمادي التي تقع على ضفاف نهر النيل.

كان يرافقنا في هذه الرحلة أيضا إسلام همام، والذي ينحدر في من مدينة نجع حمادي، وكان عائدا من القاهرة، في إحدى رحلاته المنتظمة لزيارة العائلة.

وقد وافق إسلام على أن يصحبني إلى بلدته وأن يكون دليلنا في إحدى بقاع مصر التي لم أزرها من قبل مطلقا.

ويبلغ إسلام 21 عاما، وهو طالب يدرس في القاهرة، كما أنه عضو بحركة 6 إبريل التي كانت في مقدمة احتجاجات الثورة بميدان التحرير.

وقال إسلام إن صعيد مصر كان يشعر دائما بإهمال الحكومة له، إبان حكم الرئيس السابق حسني مبارك، ويبدو أن الثورة لم تغير هذا الشعور.

وأضاف: "بعض الناس يشعرون بالفعل بفوائد الثورة، حيث أصبح الآن لدينا حرية، لكن البعض الآخر لم يهتم بذلك، فهم يريدون الوظائف والاستقرار، وهم الآن يشعرون أن الأمور أصبحت أسوأ من ذي قبل."

وتابع إسلام: "ولذلك فعندما أعود إلى الصعيد، أحاول رفع الوعي السياسي لديهم."

"العنف طبيعي"

ومن بين ما لاحظت لدى وصولي إلى نجع حمادي رجل يركب دراجة بخارية ويحمل كلاشينكوف على ظهره، وبعدها رأيت رجلين آخرين مثله.

ولم يكن هؤلاء من أفراد بالشرطة، بل مدنيون، فالتقارير تشير إلى انتشار الأسلحة في صعيد مصر منذ الثورة.

وقال معتز، وهو أحد أصدقاء إسلام من نجع حمادي: "العنف أمر مألوف هنا، وهكذا كان الوضع دائما.

وأضاف: "قبل الثورة، كان الوضع تحت السيطرة، أما الآن فقد انفلت الوضع، وباتت الأوضاع فوضوية، فالعنف يقع بكل سهولة، ولأسباب بسيطة، وبشكل سريع."

وأضاف معتز: "اعتاد الناس أن يشتروا الأسلحة ويخفوها لوقت الطوارئ، والآن جاء وقت الطوارئ."

وما كان من إسلام ومعتز إلا أن ابتسما عندما سألتهما عن سيطرة الشرطة على مدينة نجع حمادي، وأخبراني أن الشرطة تعتمد في الغالب على شخصيات قوية في المجتمع بالإضافة إلى كبار العائلات لمساعدتها في حماية المدينة، وهكذا تدار الأمور في جنوب مصر.

وأضاف معتز: "وهذه العائلات القوية هي سبيل الحكومة للسيطرة على صعيد مصر."

وفي إحدى القرى القريبة، أخبرني كرم حسين، أحد المزارعين وصاحب أرض زراعية أنه بالرغم من كونه مؤيدا للرئيس محمد مرسي، إلا أنه شعر بإحباط شديد بسبب غياب التنمية عن صعيد مصر.

وقال حسين إن الشعور بالإهمال من قبل من في السلطة لم يتغير بعد الثورة.

وأضاف: "ولكي يحدث شيء هنا، يجب أن نقوم به بأنفسنا، وأن ندفع نحن كل الثمن. وما هي المشاريع التي لديهم من أجلنا؟ لا شيء."

وتابع: "ما لم يحدث شيء كارثي، مثل تفشي وباء مثلا أو وقوع كارثة في أحد المصانع، لا يسألون عنا، وبالتالي نحن نشعر بالفعل بأننا مهمشون."

وقال حسين إنه بالرغم من أنه بعيد عن القاهرة، إلا أن أغلب الناس في صعيد مصر يتابعون ما يجري هناك.

وأضاف: "نحن مهمشون ولكن لا يعني ذلك أننا جهلة، فالمزارعون بالطبع لديهم وعي بالسياسة ويتابعونها."

وقبل أن نغادر البلدة، دعانا بعض كبار السن للحديث ولتناول الشاي وتدخين الشيشة.

ودخل إسلام في جدال محتدم معهم بشأن الحق في التظاهر، وأدركت كم كان مثل هذا المشهد نادرا قبل ذلك، حيث أصبح الصغار والكبار يتكلمون في السياسة ويناقشون الثورة.

وقد أخبرني إسلام وهو يبتسم: "لم نكن نستطيع أن نفعل ذلك من قبل، وهذا جزء من التغيير."

المزيد حول هذه القصة