تحديات تواجه المجمع الطبي الايرلندي في البحرين

Image caption مجمع السليمانية الطبي في حراسة قوات الجيش في 2011

طالبت جمعية محامين ايرلنديين برفض اعتماد مدرسة طبية في البحرين، جراء ما وصفته "بانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان" تمارس داخل المنشآت التي تشترك فيها المدرسة مع نظام الرعاية الصحية في البحرين.

وأوردت جمعية سيرتاس لمحامي ايرلندا لحقوق الإنسان في تقرير مفصل لها أن مجمع كلية الجراحين الملكية في ايرلندا (آر سي اس آي) -والذي يقع في العاصمة البحرينية المنامة- تابع للسلطة القضائية الايرلندية؛ حيث يتبع بشكل كامل الكلية التي تعتبر بمثابة المنظمة الأم له في دبلن.

وأنفقت الكلية ما يقرب من 100 مليون يورو في بناء المجمع عام 2009 داخل جامعة البحرين الطبية، على أرض تبرعت بها الحكومة البحرينية.

Image caption أكد تقرير تقصي الحقائق تعرض بعض المسعفين لمعاملة سيئة في مراكز الاحتجاز.

وترى جمعية سيرتاس أنه يجب على المجلس الطبي الايرلندي (ام سي آي) إيقاف اعتماده للكلية في البحرين، حيث إن لديها "برنامجا تعليميا مدمجا داخل أنظمتها الصحية له علاقة بالتعذيب ويشهد بعض السلوكيات العنصرية أثناء تقديم الرعاية الصحية وفي توظيف الطاقم الطبي، إضافة إلى الانتهاكات المستمرة لحقوق التعبير عن الرأي."

وساق التقرير بعض حالات إساءةٍ في المعاملة لقيها بعض أفراد الطاقم الطبي على أساس طائفي.

وعند سؤالها حول تقرير سيرتاس، وجهت الكلية في البحرين فريق بي بي سي إلى مكتبها في دبلن الذي رفض التعليق قائلا: "لسنا في موقع يخول لنا حق الرد ما لم نقرأ التقرير وندرسه."

بينما لم يتمكن فريق بي بي سي من الوصول إلى أي من المسؤولين البحرينيين للتعليق.

أطباء قبض عليهم

تضم البحرين طائفة شيعية تمثل الأغلبية، تحكمها العائلة المالكة من الطائفة السنية ذات الأقلية في المجتمع. وطالما اشتكت الطائفة الشيعية من التفرقة العنصرية وانخفاض المستوى المعيشي وارتفاع معدلات البطالة بين شبابها، وذلك في دولة تعتمد ثرواتها على الموارد النفطية التي اكتشفت منذ عام 1931.

إلا أن القطاع الطبي يعتبر واحدا من القطاعات التي يواجه فيها الشيعة تمييزا ضئيلا، حيث كان العديد من الشيعة يعملون في كبرى المستشفيات العامة في الدولة، وهي مجمع السلمانية الطبي.

إلا أن كل ذلك شهد تغييرا عندما ألقي القبض على مجموعة من المسعفين في المظاهرات الاحتجاجية التي خرجت مطالبة بالديمقراطية، وبلغت أوجها في شهر/فبراير عام 2011 لتكون سببا في نزول ما يزيد على 100 ألف إلى الشارع.

وفي مارس/آذار وإبريل/نيسان من ذلك العام، ألقي القبض على ما يقرب من 70 مسعفا في سلسلة من الغارات الليلية التي شنتها قوات الأمن، وتواردت بعض الأنباء عن تعرض البعض منهم للتعذيب حتى يدلوا باعترافات غير صحيحة.

وأمام إحدى المحاكمات العسكرية، أدين 48 من الطاقم الطبي بعدد من الاتهامات، ليواجه 20 منهم أحكاما بالسجن تراوحت ما بين 5 سنوات إلى 15 سنة، في تهم بحيازة بعض الأسلحة وتهديد الأمن القومي للمملكة.

أما المراقبون المستقلون ومنظمات حقوق الإنسان الدولية فكانوا يؤكدون مرارا على أن الجريمة الوحيدة التي ارتكبها أولئك لم تكن سوى ذهابهم لإسعاف المصابين من المتظاهرين.

وحدث ذلك عند فض الاعتصام السلمي الذي كان يشهده دوار قريب من مستشفى السلمانية بالقوة مرتين في فبراير/شباط ومارس/آذار عام 2011.

وكان كل المسعفين ينتمون إلى الطائفة الشيعية، كما هو الحال مع الغالبية العظمى من المحتجين الذين كانوا يعتصمون داخل الدوار.

أما الحكومة البحرينية فبدأت في اتخاذ اجراءات بعد ذلك نتيجة لما شهدته الساحة الدولية من غضب نجم بشكل كبير عما حدث لذلك الطاقم الطبي.

ففي يونيو/حزيران من نفس العام، أوكل الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى لجنة مستقلة من خبراء حقوق الإنسان الدوليين مهمة التحقيق في الانتهاكات المزعومة، لتقوم تلك اللجنة -التي عرفت باسم اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق- بعد خمسة أشهر بإثبات تلك الانتهاكات.

وأثبت التقرير الذي قدمته اللجنة وقوع عدد كبير من الانتهاكات بما في ذلك التعذيب المنظم للمحتجزين من قبل قوات الأمن.

كما أكد التقرير أيضا على أن المسعفين أجبروا على توقيع اعترافات تحت التهديد، وهو ما جعل الملك حمد يقبل ذلك التقرير برمته ويعد بالقيام بإصلاحات.

ونوه تقرير اللجنة أيضا إلى أن بعض الأطباء في مستشفى السلمانية قد شاركوا في بعض الأنشطة السياسية داخل المستشفى وحولها، بطريقة "يصعب أن تتواءم مع الممارسة الكاملة لمسؤولياتهم الطبية".

وأشار إلى بعض المقابلات التي أجريت بين أولئك الأطباء وبعض القنوات الإعلامية الأجنبية، إضافة إلى الكلمات التي قدمها بعض الأطباء والتي عبروا فيها عن مناوأتهم للنظام.

إلا أن اللجنة لم تعثر على أي دليل يثبت تخزين أولئك للأسلحة في المستشفى كجزء من خطتهم المزعومة للانقلاب على العائلة المالكة.

كما توصل التقرير من ناحية أخرى إلى أن الأجهزة الأمنية قامت ببعض حملات الاعتقال غير الشرعية داخل المستشفى وهاجمت الطاقم الطبي فيه.

وأورد أيضا أن الجيش البحريني في السادس عشر من مارس/آذار من نفس العام كان قد "بسط سيطرته على المجمع الطبي بأكمله، ووضع بعض المصابين في الطابق السادس من المجمع الطبي ليكونوا تحت أعينهم".

وكان 31 من بين المتهمين الـ 48 ممن أدينوا من الطاقم الطبي التابع لمجمع السلمانية أمام محكمة عسكرية قد مثلوا مرات عديدة قبل ذلك أمام محاكمة مدنية.

إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، لا يزال العديد من الأطباء محتجزين خلف القضبان، بينما لم يستطع من حصلوا على البراءة منهم أن يعودوا إلى أعمالهم أو أن يمارسوا مهنة الطب بشكل خاص.

ويقع مجمع السلمانية تحت إدارة وزارة الصحة البحرينية ويعتبر واحدا من المستشفيات التي تعمل بالتعاون مع كلية الجراحين الملكية الايرلندية في البحرين، كما تتعاون هذه الكلية أيضا مع بعض المستشفيات التي تديرها وزارة الدفاع البحرينية.

"أصوات حزينة"

قبل الأحداث التي شهدتها البحرين عام 2011، كانت كلية الجراحين الملكية الايرلندية في البحرين مثالا للتفوق التعليمي الطبي، وكان لديها سجل حافل بالأطباء الأكفاء الذين تخرجوا منها.

إلا أنه وعندما ألقي القبض بطريقة استبدادية على أولئك الأطباء والممرضين والمسعفين، لزمت الكلية ومنظمتها الأم في دوبلن الصمت التام.

وكان أول من أعرب عن مخاوفه بعد زيارته للبحرين، يوين أوبرين، أستاذ علم الأدوية الجزيئي بجامعة كلية دبلن وزميل كلية الجراحين الملكية الأيرلندية، وكان قد توجه إلى البحرين في يوليو/ تموز عام 2012 في زيارة التقى فيها بعض المسعفين وعائلاتهم.

وأفاد أوبرين لبي بي سي بأنه صدم مما سمعه، مؤكدا على أن القصص التي رووها بدت حقيقية ومتناسقة، وكانت "أصواتها تعكس حزنا داخليا".

وعندما عاد إلى دبلن، جعل أوبرين شغله الشاغل في الحديث مع الكلية وتذكيرهم بأن أربعة من أولئك الأطباء المحتجزين قد حصلوا على زمالات منها في دبلن.

وقال: "كنت أرى أن صمت الكلية ينظر إليه على أنه تواطؤ من قبل إدارتها مع النظام البحريني، وطالبتهم بعدم التخلي عن عراقتهم لأهداف مالية."

وتابع قائلا: "إلا أن رئيس الكلية ونائبه في ذلك الوقت رفضا قبول نصيحتي".

وبدلا من ذلك، طلب منه أن يخفف من حدة انتقاده، إذ من شأن ذلك أن يؤثر سلبا على سمعة الكلية، وهو ما جعله يعرب عن حزنه الشديد" من ذلك الرد.

وأضاف أوبرين قائلا: "أحمل الكثير من مشاعر الحب للكلية، إلا أن أولئك الأفراد من الفريق الطبي تعرضوا للتعذيب، ويجب العفو عنهم وتعويضهم والسماح لهم بالعودة إلى وظائفهم."

من جانبه، قال جيرويد أوكوين، وهو من جمعية سيرتاس، إنه لا ينبغي للمجلس الطبي الايرلندي، وهو الجهاز الذي يملك حق منح الاعتماد للمؤسسات الطبية في ايرلندا، أن يغفل مسألة التعذيب تلك.

ويعتقد أوبراين أن تقرير سيرتاس قد وضع المجلس في موقف حرج، حيث يرى أن القانون يلزمه –أي: المجلس- أن يراعي حقوق الإنسان والانتهاكات الأخرى من عملية الاعتماد.

وفي تصريح لبي بي سي، قالت إدارة المجلس إنه ليس على اتصال حتى الآن مع كلية الجراحين الملكية الملكية الايرلندية في البحرين، وأنه لم يجر بعد تحديد موعد زيارة البحرين لمنح الاعتماد للكلية هناك. وعليه، فإن الكلية لم يجر اعتمادها بعد في البحرين من قبل المجلس الطبي."

المزيد حول هذه القصة