تونس: هل يتعايش العلمانيون والإسلاميون؟

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

لينا بن مهنى ناشطة تونسية مشهورة في المجتمع بدفاعها الحثيث عن علمانية تونس ما بعد الثورة. لكن أمراً حدث في الآونة الأخيرة جعلها تشعر بقلق بالغ، وذلك بعد أن تلقت تهديدات بالقتل على صفحتها العامة في فيسبوك.

تقول الرسالة: "أيتها الفاجرة، تبا لك، سنعثر عليك أينما كنت، وسنقتلك"!

حصلت لينا، البالغة من العمر ٣٠ عاما، على جوائز عدة من منظمات دولية رائدة كالعفو الدولية لدورها في الثورة التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي منذ أكثر من عامين.

التهديدات الأخيرة أزعجتها، فلطالما عاشت في بلد كان يعرف دائما على أنه من أكثر البلدان العربية انفتاحاً منذ حقبة الرئيس الأسبق حبيب بورقيبة في ستينيات القرن الماضي.

لكن مظاهر العلمانية والليبرالية لا تزال سائدة في شوارع العاصمة التونسية، بدءا بالنساء اللائي يرتدين تنورات قصيرة، مرورا بالرجال والشباب الذين يرتدون ملابس غربية، وليس انتهاء بالمقاهي المزدحمة التي تبيع الخمور في شارع بورقيبة الشهير في وسط تونس.

Image caption حصلت لينا على جوائز عدة من منظمات حقوقية دولية

تقول لينا، أستاذة علم اللغويات في جامعة تونس، إن السواد الأعظم من التونسيين لا يزال يتمسك بآراء ليبرالية، كما يوجد مواطنون كثر يدافعون عن علمانية الدولة بعد الثورة على الرغم من التزامهم الديني.

وتضيف: "لا يقلقني صعود الإسلاميين إلى الحكم لأنهم جاءوا عبر صناديق الاقتراع"، إشارة إلى صعود حركة النهضة الإسلامية، المنتمية إلى جماعة "الإخوان المسلمين"، إلى الحكم. لكن ما يقلق لينا "ازدياد نفوذ جماعات إسلامية متطرفة. فصحيح أن تلك الجماعات لا تزال أقلية، لكن صوتها مرتفع".

ولم تقتصر التهديدات التي تلقتها المدونة الشابة على العالم الافتراضي. فقد تعرضت "لاعتداءات لفظية بل وجسدية من قبل متطرفين في الشارع.

وتقول إن شيخا سلفيا من جماعة أنصار الشريعة "ظهر على شاشة إحدى القنوات الخاصة الشهيرة وعرض على الملأ صورة لي نسخها من فيسبوك وأنا أمسك بمسدس غير حقيقي على سبيل المزاح عندما كنت في باريس عام ٢٠٠٨، وسأل الشيخ المذيع من هذه؟ فأجابه: لينا بن مهنى، فقال له: إنها هي الإرهابية، وأنتم تتهموننا بالإرهاب،".

وقد أطلعتني على مقطع الفيديو على "يوتيوب"، شارحة لي ملابسات الموضوع من وجهة نظرها.

"تشويه متعمد"

بعد الثورة التونسية، أصبحت الجماعات الإسلامية ظاهرة غير مسبوقة، سواء كانت معتدلة كالنهضة أو سلفية محافظة، أو سلفية متشددة تجنح إلى العنف، وذلك بعد عقود عدة من القمع والتنكيل من قبل الحكومات المتعاقبة قبل الإطاحة بنظام بن علي.

Image caption تعرضت لينا لاعتداءات لفظية وجسدية

أثارت بعض الجماعات المتشددة مخاوف الكثيرين من التونسيين بعد أن خرج أنصارها في بعض المظاهرات رافعين الرايات السوداء ومرددين شعارات مؤيدة للزعيم السابق للقاعدة أسامة بن لادن.

كما ظهر قياديون لتلك الجماعات، والتي تمثل أقلية بين صفوف الإسلاميين بوجه عام، في مقاطع فيديو موثقة وهم يتوعدون أقطاب المعارضة العلمانية، وهو ما دفع العديد من التونسيين إلى اتهامهم بالوقوف وراء اغتيال المعارض العلماني البارز شكري بلعيد في فبراير/ شباط الماضي.

ومن بين كل الجماعات الإسلامية، أصبحت جماعة "أنصار الشريعة" تتصدر عناوين الأخبار المحلية والإقليمية والدولية، خاصة بعد المواجهات العنيفة الأخيرة (في شهر مايو/ آيار) بين أنصار للجماعة وقوات في الشرطة في حي التضامن غربي العاصمة التونسية، بعد أن رفضت السلطات ترخيص مؤتمرهم السنوي الثالث في مدينة القيراون، التي تعد معقلا للجماعة التي أنشئت عام ٢٠١١.

ومنذ تلك المواجهات، اعتقلت الشرطة عددا غير محدد من قيادات "أنصار الشريعة"، ولا تزال تلاحق زعيمها أبي عياض التونسي، الذي تتهمه السلطات بالضلوع في الهجوم على السفارة الأمريكية في تونس في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، في أعقاب المسيرات المنددة بالفيلم المسيء للرسول محمد والذي أنتج في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتتهم السلطات الجماعة بالتحريض على العنف في خطابها الديني، بل وصفتها وزارة الداخلية الشهر الماضي (مايو/ آيار) بأن بعض عناصرها انضموا إلى مجموعة "إرهابية" مسلحة مرتبطة بالقاعدة متحصنة منذ أشهر في جبل الشعانبي بولاية القصرين على الحدود مع الجزائر.

وباتت الجماعة ترفض إجراء أي مقابلة صحفية مع وسائل الإعلام المحلية والغربية، إلا أن أحد أعضائها وافق على الحديث إلى بي بي سي بعد نحو أسبوعين من المحاولات الحثيثة لإقناع قيادات الجماعة عبر وسطاء.

"الإعلام سئ النية، ويريد أن يظهرنا على أننا إرهابيون، وكثيرا ما تحرف قنوات ووسائل إعلام محلية وغربية تصريحاتنا، هم يأتون إلى تونس خصيصا لتشويه صورة الإسلاميين، هذا تشويه متعمد،" يقول يوسف، الذي قابلته في ساحة أحد المساجد الأثرية في مدينة سوسة، التي تبعد حوالي ١٤٠ كم من العاصمة التونسية.

Image caption يوسف: الشعب التونسي هو الذي سيحدد في النهاية أي نظام أصلح لتونس

يوسف، ٣٤ عاما، والذي كان يرتدي ملابس عصرية، ولا تفارق الابتسامة وجه الذي يميزه لحية سوداء طويلة، اعتذر لي عن اعتراض أنصار للتيار السلفي على تصويرهم خارج المسجد.

"أرجو أن تلتمس العذر لهم، فقد تعرضوا لتشويه بالغ من قبل الإعلام".

يضيف يوسف، الذي درس الأدب الإنجليزي في جامعة سوسة: "جماعة أنصار الشريعة جماعة دعوية سلمية، وليس كما يصورها الإعلام أو الحكومة على أنها جماعة إرهابية، نعم نريد تطبيق الشريعة، وهذا رأينا وحقنا، كما من حق العلمانيين التعبير عن رأيهم في إقامة دولة مدنية علمانية. الشعب التونسي هو الذي سيحدد في النهاية أي نظام أصلح لتونس."

من واقع حديثي مع العديد من التونسيين في العاصمة على مدار ثلاثين يوما تقريبا قضيتها هناك، كان موضوع اللحية والنقاب حاضرا وبقوة عندما كنا نتطرق إلى حديث العلمانية والإسلام.

فمشهد النقاب واللحية لم يكن متخيلا في الماضي القريب في الشارع التونسي الليبرالي الطابع بامتياز.

لينا، التي قابلتها في منزل أسرتها الأنيق في أحد ضواحي تونس التي تطل على المتوسط، تقول إن العلمانيين ليست لديهم مشكلة مع التدين "فهذا من حق أي شخص، لأن الحرية لا تتجزأ، فهي للجميع، علمانيين وإسلاميين".

وتضيف: "مشكلتنا الرئيسية مع المتشددين، الذين يريدون فرض آراءهم ولو بالقوة على هذ المجتمع الحر."

المزيد حول هذه القصة